يشير العديد من المحللين العسكريين بعد انقضاء ثمانية شهور كاملة على بدء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا إلى إخفاق الجيش الروسي في تحقيق أهدافه طوال تلك الفترة، وهو ما لا يتناسب مع مكانته وقوته كثاني أقوى الجيوش في العالم، وتبين ذلك بوضوح في ما أقدمت عليه القيادة العسكرية الروسية من التحول لعدة استراتيجيات قتالية طوال تلك الفترة، في ظل مقاومة أوكرانية متماسكة رغم وطأة الهجمات الروسية.
في بداية الحرب انتهج الجيش الروسي استراتيجية قتالية تقوم على شن هجوم تقليدي على أربعة محاور أهمها محور العاصمة كييف، بهدف احتلالها وعزل الحكومة القائمة وتنصيب حكومة موالية لموسكو، لكن الملاحظ أن حجم القوات الروسية عـدة وعتادا وجندا لم يكن كافيا على الإطلاق لتحقيق الاستيلاء على كامل أوكرانيا والسيطرة عليها، مع تقديرات غير سليمة من جانب القادة الروس استخفت بقـوة القوات الأوكرانية واعتبرتها هدفا سهلا، فقدر هؤلاء أن عمليات سريعة لوحدات النخبة في الجيش الروسي والقوات الموالية لها في شرق أوكرانيا ستكون كافية لتحقيق أهدافهم.
أغفلت حسابات القادة الروس أن أوكرانيا كانت طوال السنوات الماضية منخرطة في تعاون عسكري سري مع الولايات المتحدة ودول حلف الأطلسي، الأمر الذي أحدث تطورا كيفيا ملموسا في القدرات العسكرية للقوات الأوكرانية، عززته المقاومة الأوكرانية الشرسة على محاور الهجوم الروسية.
في ذات الوقت، تبين إهمال قادة ومخططي العمليات الروسية في أوكرانيا لعمليات سلاسل الإمداد العسكري بالذخائر والمهمات، وتفاقمت المشكلات عندما تبين ضعف التنسيق والاتصال بين قادة تشكيلات القوات الروسية المتقدمة على المحاور الأربعة، ومع تفاقم المشكلات اللوجيستية، ومحدودية عدد القوات الروسية المهاجمة مقارنة بأعداد القوات الأوكرانية المدافعة، والتي أخذ السلاح يتدفق عليها من الغرب، وتمكنها من الصمود والمقاومة وتكبيد القوات الروسية لخسائر جسيمة في الأرواح والعتاد، الأمر الذى انتهى بفشل القوات الروسية في تحقيق أهدافها، وتم على أثر ذلك استبدال وتنحية عدد من القادة الروس، والتحول لاستراتيجية عسكرية مختلفة.
ثم كان أن تحولت القيادة الروسية لاستراتيجية استهدفت تحرير كامل شرق أوكرانيا ذات الأغلبية الروسية من السكان، وهى استراتيجية ربما كانت أكثر واقعية ومنطقية من الاستراتيجية الأولى، لكن القيادة الروسية لتحقيق ذلك قامت بإرسال الوحدات التي كانت قد انسحبت من شمال أوكرانيا للقتال في الشرق، ولم يكن هناك متسع من الوقت لإعادة تزويد هذه القوات أو معالجة أوجه القصور التي ظهرت إبان تنفيذ الاستراتيجية الأولى، ومع بدء تنفيذ الاستراتيجية الثانية في منتصف أبريل، كانت شحنات الأسلحة الغربية قد بدأت في التدفق بكثافة على القوات الأوكرانية، التي قاومت بقوة وشنت هجمات مضادة عنيفة على القوات الروسية المجهدة.
• • •
أما الولايات المتحدة ودول حلف الأطلسي فقد اتخذت جميعها خطا ثابتا منذ اليوم الأول للحرب وهو إمداد أوكرانيا بالسلاح بكثافة، شرط ألا تكون قادرة على الوصول إلى الحدود الروسية وتجاوزها إلى العمق الروسي، فتدفقت على أوكرانيا خلال الشهور الستة الماضية كميات كبيرة من الأسلحة النوعية والمعدات تشمل منظومات الدفاع الجوي والدبابات والصواريخ المضادة للدبابات والمدافع المتوسطة وطويلة المدى، الأمر الذى عزز الموقف الدفاعي للقوات الأوكرانية، بل وتحولت في كثير من القطاعات لشن الهجمات المضادة على القوات الروسية واستعادة مساحات كبيرة من الأراضي منها.
تدريجيا تبين أن أوضاع القوات الروسية المنخرطة في العمليات العسكرية في أوكرانيا ليست على ما يرام، وهى نتيجة حتمية لعديد من الأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية التي وقعت فيها القيادات العسكرية الروسية، وعدم دقة الافتراضات والتحليلات والمعلومات التي بنيت عليها، فضلا عن الأخطاء التنفيذية والمشكلات اللوجيستية، وهو ما عكسه قرار الرئيس بوتين بتغيير قائد العمليات الروسية في أوكرانيا والعديد من كبار القادة والضباط واستبدالهم.
حتى تلك المرحلة، كان ما حدث لا يليق بالجيش الروسي أحد أقوى وأكبر الجيوش في العالم، مقارنة بقوات الدفاع الأوكرانية الأصغر حجما والأقل تسليحا، وبالطبع كانت لشحنات الأسلحة الغربية دورها في مسار الحرب الدائرة، وكذلك المساعدات الاستخبارية والاستطلاع والمعلومات والتدريب الذى حظيت به أوكرانيا في زمن قياسي، والاعتمادات والمساعدات المالية التي أخذت تتدفق عليها من الولايات المتحدة والدول الغربية، لكن كل ذلك لا ينفي ما رصده المحللون والخبراء من اختلالات ومشكلات جسيمة على الجانب الروسي، وأيا كانت التفسيرات والمبررات لحدوث ذلك، فقد ألقت بتداعياتها على مسار المعارك وميادين القتال.
وأخيرا وبعد حدوث تفجير الشاحنة على جسر كيرتش في القرم وإلحاق أضرار جسيمة به، تحولت روسيا نحو الاستراتيجية الثالثة بانتهاج عمليات قصف مكثف للعديد من مقرات القيادة ومنشآت البنية التحتية وتوليد الطاقة في كييف وعدد من المدن الرئيسية، وهو توجه كانت القيادة الروسية حريصة على عدم اللجوء إليه طوال الفترة السابقة.
من ناحيتها قامت القوات الأوكرانية كرد فعل بشن هجوم مكثف بالصواريخ على مدينة بيلجورود التي تشكل قاعدة إمداد روسية كبرى، ثم القصف الأوكراني لوحدات الأسطول الروسي في سيفاستوبول، وفى تطور لافت قامت القوات الأوكرانية باستهداف سد محطة كاخوفسكايا لتوليد الطاقة الكهرومائية بقذائف صواريخ هيمارس الأمريكية فأصابت أحد بواباته، وهو الأمر الذى قد يؤدى في حالة إصابة جسم السد إلى عزل وإغراق مدينة مدينة خيرسون والقوات الروسية على الضفة اليمنى لنهر دنيبر، وهو ما يشير إلى المزيد من القوة والثقة التي اكتسبتها القوات الأوكرانية أخيرا.
• • •
الأوضاع على جبهة القتال لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الأوضاع الاقتصادية، فالدول الأوروبية ستمر بأصعب شتاء منذ الحرب العالمية الثانية، وسط مخاوف عن قدرة مصادر الطاقة الأوروبية على تغطية احتياجات الطلب خلال ذلك الشتاء، وفى ذات الوقت باتت موجات التضخم تضرب الاقتصادات الأوروبية بشكل غير مسبوق وسط تظاهرات تجتاح عاصمة أوروبية تلو الأخرى، وضغط شعبي متواصل على الحكومات لإيجاد مخرج من تلك الأزمة الخانقة.
والسؤال الذي يطرح نفسه، هل يجمد الشتاء القارس حدة العمليات القتالية لصعوبة تحرك القوات في ظل انخفاض درجات الحرارة والثلوج الكثيفة! لتكون الفترة القادمة بمثابة فترة انتقالية للتعبئة والحشد والإمداد بالسلاح، تمهيدا لاستئناف الصراع مع انقضاء الشتاء ومطلع الربيع، ولا سيما أن الإمدادات الغربية بالسلاح لأوكرانيا قد فعلت فعلها في تعويق الجيش الروسي عن تحقيق أهدافه، أم ستتواصل الحرب بتكثيف القصف الجوي والصاروخي الروسي على أوكرانيا لتحيلها ظلاما دامسا وبردا قارسا طوال هذا الشتاء، بما قد يدفع نظامها لمراجعة موقفه والانصياع؟
لقد بات الوضع شديد التعقيد، فالولايات المتحدة ودول حلف الأطلسي تبذل قصارى جهدها للحيلولة دون خروج روسيا منتصرة من تلك الحرب، بل وتعمل على تحقيق أكبر قدر من الضرر والاستنزاف لها، ليأتي النصر الروسي بثمن باهظ، وروسيا نفسها باتت من وقت لآخر تهدد ضمنا بخيارات غير تقليدية في الحرب غير مستبعدة البديل النووي، دفاعا عن وجودها وكيانها والأراضي التي باتت تابعة لها، وهدفها الأعلى بإبعاد حلف الأطلسي عن الوقوف مباشرة على حدودها وتهديد أمنها.

