الجديد الذي طرحته قوى اليسار الفلسطيني، خاصة التي خرجت من رحم المشروع القومي وخاضت نضالًا أيديولوجيًا ضد البرجوازية الصغيرة وأنظمتها السياسية العربية؛ الجديد التي طرحته مع بدايات انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة هو التداخل العميق بين المهام الوطنية والاجتماعية؛ الأمر الذي يملي ضرورة النضال من أجل قيام مجتمع ديمقراطي كجزء في عملية النضال من أجل تحقيق هدف الاستقلال الوطني. بعد توقيع اتفاقية أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية كان لليسار الفلسطيني انتقادات منهجية لأدائها، ولم يكن الهدف من وراء هذه الانتقادات المنهجية هو مزاحمة سلطة أوسلو على الحكم في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ بقدر ما كان الهدف من وراء ذلك هو دفع قيادة السلطة إلى إجراء تعديلات في مواقفها الداخلية المدنية والسياسية، وذلك بالانفتاح أكثر على ممارسة الديمقراطية وإعادة الاعتبار لمؤسسات منظمة التحرير كونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني؛ بتجديد قياداتها وعدم الاعتداء على صلاحياتها وتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها وإشراك الكل الوطني الفلسطيني في صنع القرار السياسي.
مع تعثر العملية السلمية، بسبب التعنت الإسرائيلي من جهة، وانحياز الراعي الأمريكي من جهة أخرى؛ إضافة إلى الاستمرار بالتمسك بنهج المفاوضات كخيار وحيد الذي قد يدفع السلطة الفلسطينية، بسبب تزايد الضغوطات العربية والدولية عليها إلى تقديم المزيد من التنازلات مستقبلًا، فإنه رغم ذلك لم يسجل يومًا على أن اليسار الفلسطيني قد سعى أحد أطرافه إلى هدف الوصول، لأن يكون جزءًا من قيادة سلطة الحكم الذاتي، ولذلك بقى مكتفيًا؛ بدور المعارضة السياسية، حتى لا يفسر عمله بأنه انقلاب على "الشرعية الوطنية"، كما سمي بذلك الانقسام السياسي البغيض، الذي مر عليه الآن أعوامًا طويلة، ولم تفلح كل الحوارات والاتفاقيات في إنهائه، وآخرها ما جرى من حوار واتفاق في الجزائر.
لكن الآن في الظروف الحاضرة الكثير من العناصر الموضوعية؛ باتت متوفرة لليسار الفلسطيني كي يقوم بممارسة مهمته الفاعلة القيادية في النضال الوطني الفلسطيني، وألا يكتفي بانتهاج دور المعارضة السياسية؛ بتوجيه الانتقادات، لأداء وسياسات السلطة الفلسطينية، ومن أهم هذه العناصر:
أولًا: عدم التقدم فيما سمي بعملية السلام التي أقرها المجلس الوطني الفلسطيني، من خلال تبنيه للحل المرحلي، بدلًا من الحل الاستراتيجي الذي رفعته الثورة الفلسطينية المعاصرة، كحل للمسألتين الفلسطينية واليهودية، من خلال ديموقراطية الدولة العلمانية؛ ليأتي تحول "المجتمع" الإسرائيلي، إلى تطرف سياسي يميني ديني غير مسبوق؛ بفوز أحزاب اليمين الصهيوني والصهيونية الدينية وحزب أنصار كاهانا وشاس الإرهابية؛ ليغلق الباب أمام كل مساعي التسوية القائمة على ما يسمى برؤية حل الدولتين.
ثانيًا: عقم المراهنة على مشروع الإسلام السياسي الذي بدأ بالتراجع على مستوى المنطقة، بعد انشغاله بالوصول إلى السلطة السياسية على حساب مضمونه الجهادي ضد الوجود الصهيوني الاستعماري في بلادنا بشكل رئيسي، وصولًا إلى استنبات المجموعات الإرهابية من داخله، كالقاعدة وداعش وغيرها.
ثالثًا: قرب تحول القضية الفلسطينية إلى مرحلة الاستقطاب الإقليمي والدولي؛ بوضوح الموقف الأمريكي العدواني الصارخ على الحقوق الوطنية، خاصة في مسألتي القدس واللاجئين، ومعارضة دول كبرى عديدة لها وزنها السياسي في مقدمتها روسيا الاتحادية لهذا الموقف الأمريكي. كذلك، فإنه في ظل استمرار تدهور الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الراهن في الضفة الغربية والقطاع، فليست هناك أي مسألة تعوق اليسار الفلسطيني في حال تحقيق وحدته التنظيمية الثورية الجبهوية العريضة، من السعي للوصول إلى قيادة النضال الوطني الفلسطيني، حيث بات يأخذ بالاعتبار ما للخصوصية القومية والدينية، من أهمية في مرحلة التحرر الوطني، وهي التهمة التي ألصقتها القوى الرجعية والظلامية باليسار العربي عمومًا، بالادعاء بأنه من منظور فكري ماركسي، يتجاهل هذه الخصوصية، وذلك بهدف وضع العراقيل السياسية والمعوقات الفكرية، كذريعة جاهزة لمنعه من القيام بممارسة مهمته القيادية.

