Menu

جاكلين إسبر.. إرث الرصاص

ثائر أبو عياش

إن الحصول على معلومات حول المناضلة "جاكلين إسبر" هو عمل ليس سهلاً في ظل المعلومات القليلة التي تتحدث عن سيرة هذه المناضلة، والتي اختارت النضال عن طريق الابتعاد عن الأضواء، والاختباء، حيث لم تختار الفعل المقاوم للتعبير عن أنانية بداخلها، كما وصف هذا السلوك عالم النفس "فرويد" في كتابة "الحب والحرب والحضارة والموت"،  بل كان الفعل نابع من أهمية ما قاله "تشي جيفارا": إن الطريق مظلم وحالك، فإذا لم تحترق أنت وأنا فمن سينير الطريق"، ولذلك اختارت الظلام، والصمت المقدس، وهذا ما جعلني أكتب عن هذه المناضلة الفريدة، وخصوصاً بعد القراءة عن تجربتها عبر مجلة الهدف الفلسطينية، حتى نتمكن من الوصول إلى القصة الحقيقية يوماً ما، وعن تفاصيل حياة هذه المناضلة.

لا يمكن الحديث عن "إسبر" بالمعزل عن المناضل اللبناني الرفيق "جورج عبد الله" المعتقل في السجون الفرنسية منذ عام 1984، حيث يعتبر "جورج" هو المسؤول الأول عن إعطاء الأوامر "لجاكلين" بتنفيذ عملية اغتيال الدبلوماسي الإسرائيلي "ياعكوف بارسيمنتوف"، داخل العاصمة الفرنسية باريس في شهر نيسان عام 1982، لتختفي "إسبر" بعد ذلك، وتصبح مُطاردة من قبل أجهزة استخبارات كثيرة على رأسها جهاز الاستخبارات الفرنسي، والاسرائيلي}1{.

وُلدت "جاكلين إسبر" في 16 أيلول/ سبتمبر 1959 ببلدة "جبرايل عكار"، وكان شعارها المقاوم يحمل عنوان "وراء العدو في كل مكان"، هذا الشعار الذي أطلقه المناضل الفلسطيني "وديع حداد"، ولذلك قامت بجانب رفاقها بترجمة هذا الشعار إلى مقاومة بشكل عملي، وأكثر قالت: "سنضرب العدو في المكان الذي نقرره ونحدد زمانه".

لم تكن "جاكلين" تخاف الضوء، بل على العكس كانت تبحث عنه وسط الظلام من أجل فلسطين أولاً، والإنسانية أبداً، وأكثر كانت تؤمن أن التعامل مع الضوء يحتاج قبل ذلك التعامل مع الظلام، ويبدو أنها كانت تدرك أن في الظلام تختفي الألوان ولا يبقى سوى السواد والعتمة، ولكن كان لون الحنين لفلسطين، وأكثر لون المقاومة هو من يعيش بداخلها، حيث في الظلام كانت هي ضوء القمر، وكانت أكثر النجوم التي لا يمكن أن تلمع إلا في الظلام.

استخدمت "جاكلين إسبر" اسم "ريما" كاسم حركي}2{ حتى تستطيع التنقل، والمواربة في مقارعة الاحتلال، لقد كانت تعيش كمناضلة عنيدة وشرسة، تمارس فعل المقاومة وهي تعلم أنها "جاكلين"، كأنها تقول لنا: "الاسماء وهم، والرصاص هو الحقيقة"، حيث كانت تتناول الطعام، وتغفو، وتفرح، وربما تبكي على قصة حب لم تبدأ بعد، وتشتم رائحة الورد في حقول الاختباء، وتطلق الرصاص، وهي تردد بداخلها "أنا جاكلين إسبر، ولكن الظلام هو من يجعلني أحمل اسم "ريما" فوق جسدي، وأنا أعلم أنني لن أتخلص منه حتى تتحرر فلسطين، ورغم ذلك أحب هذا الاسم".

عاشت "جاكلين" دون بطاقة هوية، بل كان التنظيم هو مدرستها وعنوانها، وأكثر هويتها الإنسانية، ولذلك رحلت هذه المناضلة الفذة بصمت كما قاومت بصمت، حيث لا وصية، ولا قطعة أرض، ولا منزل بحديقة خلفية، ولا حساب بنكي، إن إرثها الوحيد الذي تركته خلفها كان أولاً أن المقاومة ليست صعبة، بل المقاومة قادرة على تفتيت المستحيل، وثانياً تركت الرصاص للحوار مع العدو فقط، كأنها كانت تؤمن بما قاله "جيفارا": أنا لا أريد أشياء عظيمة في الحياة، بل أريد أشياء تجعل الحياة عظيمة"، وهذا ما جعلها تقاتل.

لقد هزمت "جاكلين" الاحتلال مرتين، حيث كانت المرة الأولى عندما نفذت عملياتها، والثانية عندما استطاعت أن تُفشل أجهزة العدو من الوصول إليها، ولذلك تتحدث بعض المصادر أن الإعلام الإسرائيليّ، المقروء، المسموع والمرئيّ لم يتطرق إلى القضية "إسبر"، بسبب الإخفاق من الوصول إليها، وهذا يدعونا إلى القول أن العمل السري له دور كبير في تحقيق ضربات قوية تقسم ظهر الاحتلال، وهذا العمل مارسته الكثير من التنظيمات الفلسطينية، والذي تميزت فيه " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " سنوات طويلة.

اللافت في قضية المناضلة "جاكلين إسبر" هو الوعي بقيمة الحياة مع المقاومة، وأكثر إن استمرار الحياة ما بعد الموت يكون بالمقاومة، وربما هذه هي الوصية التي لم تكتبها "إسبر"، بل مارستها كفعل، كما فعلت من قبلها الشهيدة "شادية أبو غزالة"، وإلا سوف يندثر تاريخهم وتضحياتهم.

 بحثت "جاكلين" عن دور أبدي لا ينتهي بنهاية الفرد عندما يمارس فعل المقاومة، ولا بنهاية جيل، إنما تبحث عن تاريخ يكون عبارة عن مسار، وطريقاً يٌشكل أساساً للحياة، لأن ذلك يعني لها ولكل مقاوم، أنهم سيكونون في كل لحظة مواجهة، ولحظة التحام، وأكثر من المفترض أن تتوالى العمليات التحررية في ضمير الشعب على مدار تاريخ الصراع، كأنها تقصد أن المقاوم حتى ما بعد الموت هو فعل مستمر داخل الصراع، ولا يقبل السكون والثبات، حيث السكون والثبات هنا هو هزيمة.

رحلت "جاكلين إسبر" في نوفمبر 2016 بشكل صامت كما عاشت وقاومت، فهي كالشهداء، لم تُعرف إلا حين موتها، ولم يرتبط اسمها إلا بالقضية الفلسطينية التي نذرت لها عمرها، وأكثر رحلت وهي تقول لنا ما قاله "محمود درويش" في نهاية قصيدته "فكر بغيرك":  

وأَنتَ تفكِّر بالآخرين البعيدين

 فكِّرْ بنفسك

قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ.

صثغفص.jpg

*صورة الدبلوماسي "ياعكوف بارسيمنتوف" الذي اغتالته جاكلين إسبر

90ه.jpg

 *جاكلين إسبر

غىمغم.jpg

*جاكلين إسبر

مراجع:

}1{. مجلة الهدف الفلسطينية، السنويّة الأولى لرحيل المُناضلة جاكلين إسبر.

}2{. مرجع سابق.