ما بين صخبٍ وضجيج، مؤامرات ومؤتمرات وقمم، في لحظة من الضيق والضياع، ما بعد النكبة والنكسة، واستكمالاً لأننا أمة عربية واحدة، وأن فلسطين قضيتنا، كانت صرخة مجموعة من المؤمنين بتحرير فلسطين وعودة اللاجئين... صدحت الحناجر، وحددت الهدف...
"حزب سياسي كفاحي يعمل لتوعية وتنظيم وقيادة الجماهير الفلسطينية من أجل استعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس كهدف مرحلي على طريق تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني"
ما أشبه اليوم بالأمس... قبل خمس وخمسون عام، لحظة الانغلاق والذبح المجاني، التيه والتوهان، وفقدان البوصلة، استعصاءٍ ومخاض لا ينجب لنا الكثير من الآمال، نحمل الآلام، نلتقط الأنفاس، نحتفل بالذكرى لنحيي دماء الشهداء، نكبر على أوجاع الجرحى، وننقل فصلا جديدا من فصول الأمل بحرية الأسرى من سجون الاحتلال.
هكذا كان بالأمس وهذا هو اليوم، تتكرر اللحظة ويتجدد الأمل برجالات الجبهة الشعبية المخلصين والقادرين على إحداث الفرق في لحظةِ ما قبل الموت.
إلى المعلم أبو علي مصطفى
في الذكرى الخامسة والخمسون لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين استذكر المُعلم قمر الشهداء الذي كَبُرَ على الاستسلام وحمل راية التغيير رغم سوء المرحلة وفظاظتها، في لحظةٍ تاريخية هي الأسوأ في تاريخ القضية الفلسطينية، استبدال مشروع الثورة بالدولةِ، وخلطِ أوراقِ منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، التي تكبّرت على شعبها وقسمته كما أراد له العدو الصهيوني أن يكون.
في تلك اللحظة الفارقة الصادمة عاد.. أطلق العنوان وحدد الهدف، عدنا لنقاوم لا لنساوم، قاوم حتى الشهادة، ولكنه بنى وتبنى الكفاح المسلح نهجا لم يخب ظنه به يوماً، وكان له ما كان.
يا قمر شهدائنا كم نحتاج مثلك اليوم... كم نحتاجك
في زمن اللامنطق، زمن الضياع واختلاف الأخوة.. زمن الانقسام أضاعوا الراية ولم يعد لها سند.. توهموا بأن هناك دولة تحت سلطة محتل، عزلوا وحاصروا غزة بعد ما كانت غزة - أريحا الا... فكانت الأول إلى الحصار وبيتاً للانقسام والانقلاب..
لم يتوحد اليسار الفلسطيني، ولن تحمله طاولة حوار واحدة، لم تختلف الأهداف المعلنة، ولكنه سوء المرحلة، وغيابُ الرجال...
يا رفيقي...
ذهبوا إلى كل الدول لإنجاز، المصالحة ولكن على ماذا يجتمعون؟ وبماذا يتناقشون، بل على ماذا يختلفون؟ هي فلسطين واحدة، لن تتحرر إلا بالكفاح المسلح...
سياط تحت عباءةِ التنسيق الأمني في وجه رفقاء النضال، تٌعذب الأجساد، وتحد السكاكين الرقاب، يقف القريب بوجه القريب، وتسيل الدماء الفلسطينية بلحظةٍ فلسطينية وأداةٍ فلسطينية، يصلب الشعب كما المسيح، تفيض الأرض بالعملاء المنظرين في العشاء الأخير.
لا أعرف عندما عانقت أشلاءك سماء الوطن كم كان عدد الأسرى في سجون الاحتلال، كنت تعرف لا شك.. ولكني أجزم أن الكثير منهم ما زال هناك.. تعرف اسمه وتاريخه وقضيته وزد عليهم القائد أحمد سعدات الذي اختار أن يثأر لك بما يليق بك.. العين بالعين والرأس بالرأس ولكن ليست كل الرؤوس سواء... على دربك هو ورفاقه لا بد أنك تعرف أنهم هناك يقاومون في الزنازين وعلى خطاك صابرين..
ماذا أقول لك.. كبر الهم وعظمت التضحية، جثامين محتجزة لم يجف الدم فيها رغم برودة الثلاجات، أمهات ثكلى دموعهن الحارقة لا تغني أبناءهم من بردٍ ووحدة.
كثر الكلام وقلّ الفعل، كثر التنظير وغاب الفكر، كثر الشهداء وغاب الإطار... كثرت وجهات النظر وكبرت الخيانة...
في ذكرى الانطلاقة الخامسة والخمسين نجدد العهد لكَ، وأنت من أهم أعمدة وأركان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي اسمتها الجماهير ضمير الثورة، البوصلة، حتى أن ساسة السياسة في لحظات التيه يعمقون النظر وينادون بما نادت به، وتبقى الجماهير هي الحكم والجلاد كما اعتدت عليها يا مُعلمنا... تقلب المنطق وتخلق للنضال أوجه جديدة، لا تكل ولا تمل العزيمة، ودائما لهذا الشعب قدرة على اختلاق الجديد في وجه المحتل.
ماذا لو بقيت...؟
للعظماء فنون في القيادة وإبداع، اسأل نفسي وأسالكم ولا أعتقد أن من بقي فينا بعدك قادر على تصور الحال... ماذا لو بقيت؟ كيف كنت أغنيت؟
هذا السؤال الكبير عن تاريخ كبير من النضال والإيمان المطلق بالقضية، القدرة على الفعل والتغيير، ومن لم يعد قادرا على النضال فليتنحى.. وأنت من آثرت أن تبقى لتطلق جناحك كما الرصاص في السماء ويعود لنا.. أنت الصوت أبو علي وما في سكوت..
فخرٌ لي أن عرفتك عن قرب، أني سمعت صوتك، وأبصرت تواضعك، كنت بين أفراد أسرتك وأبناءك الذين أتشارك معهم العمر والذكريات.. شرفا لي ما أملك من صوراً لك في أرشيف ذاكرتي وأوراقي وصوري..
الثوريون لا يموتون أبدا بل هم كالأفكار نتناقل إرثهم جيل وراء جيل.. وفي هذا العام ونحن نجدد العهد بأن لا بديل عن مشروع واحد أوحد، كل فلسطين. ونؤكد أن هذه الأرض تأبى إلا أن تكون حرة محررة، ترفض الرضوخ في زمن الانهزام والهزيمة، تزرع الأبناء ورد، وتقطفهم دماءً ت قطر على التراب، وتبقى القضية.
في هذا العام أردت أن استذكرك وأنت خالد الذكر والذكرى بأفعالك ونضالك...
عشت فينا وعاشت الذكرى

