Menu

كذبة النضال الحديث وحقائق الصراع

بوابة الهدف الإخبارية

خاص بوابة الهدف

مزقت النكبة بنية المجتمع الفلسطيني، وشردته في بقاع شتى، وحرمته من جل موارده، لم يكن الظرف الذاتي الفلسطيني بعد النكبة أفضل في شيء من ظروف الفلسطينيين حاليًا، إلا في القرب الزمني من الكارثة والتصديق والإيمان بامكانية عكس نتيجتها وإزالة آثارها، في تلك المرحلة الزمنية ومن خيام اللجوء، وغرف الطلبة الذين شقو طريقهم لبعض الجامعات العربية، أخذت مجموعات من الفلسطينيين على عاتقها مهمة بناء الثورة وفصائلها وتنظيم وحشد الشعب الفلسطيني في صفوفها ودعم لها، لقد شيد طلبة فلسطين و لاجئيها، ثورة اسمعت الأرض من أقصاها إلى أقصاها وأدمت جلاديها وأرعبت إمبراطورية الاستعمار وحلفائها وأدواتها لعقود عدة.

هذا الجيل معظم أفراده قد واراهم الثرى الآن، وقد نقلت الراية في أغلب الفصائل والمواقع المؤسسية الفلسطينية لجيل وسيط عاصر الجيل الأول وعمل تحت أمرته، ولكن مهمة إعادة الحلم للجسد، وإحياء نبوءة التحرير وصناعة المستحيل، هي مهمة جيل لم يعاصر النكبة أو النكسة، وإن كان ولد في زمن الثورة وعايش انتفاضات شعب فلسطين، جيل عايش قهر طويل لكنه لم يشهد كارثة بحجم النكبة، لم يشهد هزة تورق الأمل والعمل من أرض الاستحالة.

إن مسؤولية هذا الجيل اليوم مضاعفة، في استعادة الحيوية النضالية للأجسام الثورية الفلسطينية، وفي الوقت ذاته خلق النموذج الجديد من مشروع التحرر الوطني الفلسطيني، فرغم أن المهمة المركزية ما زالت هي مواجهة المشروع الصهيوني، إلا أن تفاصيل المواجهة قد شهدت الكثير من التحولات في أدواتها وجغرافيتها، وكذلك أدوات التعبئة والتنظيم وبناء الخطاب والعمل السياسي والجماهيري والتواصل بين الناس، كما أدوات فهم الواقع وقياس الحقائق وتفسيرها، ورغم أن الفصائل ما زالت هي الحامل الثوري لنضال الشعب الفلسطيني، لكنها باتت منذ سنوات تعاني من فجوات وثغرات في وجوه أدائها أيضًا في هياكلها الموكلة بالمهمات الوطنية والمجتمعية.

الاشكالية الأكبر أن هذه الفجوات والمساحات يتم احتلالها من نوع جديد من الكوادر والشخصيات البعيدة عن العمل الثوري سواء بنسخته الفصائلية أو غيرها، فباسم التحديث وروح العصر، يتم تقديم نسخ متعددة من خطاب وممارسات ليبرالية، تستند لصناعة النجوم، و لخطاب متعالي على النضال الفلسطيني صنع بالأساس في أروقة أكاديمية في المركز الرأسمالي، هذه النسخ على تعددها تشترك في استفادتها من موارد لم يحظَ بها معظم أبناء شعبنا، وامتيازات نتجت عن الارتباط بالمركز الاستعماري، نماذج من "النضال" المعلب والمستورد الذي يقارب الاشتباك مع منظومة القتل الصهيونية كما لو كان مساجلة أكاديمية من يربحها سيحصل على الجائزة الكبرى وهي رضا الحكومات الغربية واقتناعها.

في الواقع وكما يعلم الجميع لن يرسل (الناتو) قواته لمحاربة العدو الصهيوني دفاعًا عن الفلسطينيين، ولن تغني المساجلات وإحراج الصهاينة أمام الرأي العام الغربي عن الكفاح المسلح والمقاومة التي يخوضها شعب فلسطين بكافة أشكالها، فكما قال غسان كنفاني شهيد الكفاح الوطني الفلسطيني وأحد ابرز مفكري وأدباء التحرر الإنساني في القرن الماضي، لم نخسر فلسطين في محاورة نظرية أو سجال لفظي، ولكن خسرناها بفعل غزو استعماري مسلح، الحقيقة هنا أن هذه البلاد تقتلنا فيها دبابات الصهاينة ورصاص جنودهم وقذائف طائراتهم المصنوعة والممولة غربيًا، ولن يتوقف ذلك بالخطابة أو بفعل شعور الصهاينة بالحرج، أو باقناع حكومات المركز الاستعماري بعدالة قضيتنا ووحشية الصهاينة التي يعلمونها جيدًا ويصرون على تغطيتها ودعمها وتسليحها، وعلى أهمية العمل على حشد المناصرة الدولية للقضية الفلسطينية، فإنه من المهم أن تكون هذه المناصرة للنضال الفلسطيني على حقيقته لا لنسخ متخيلة يتم تفصيلها وتقليمها بما يلائم مزاج ومعايير المستعمر، أغلبية شعبنا من سكان مخيمات اللجوء، يمارسون النضال الشعبي من أبسط أشكاله رمزية حتى أقصى أشكاله تنظيمًا وعنفًا، كأداة شبه وحيدة لرد العدو الصهيوني، هذا الشعب ومن ذات مخيمات لجوءه سيفرز أدوات تحديث ثورته وتجديد وزيادة عنفوان مشروعه لأجل التحرر الوطني، وعلى هذا الدرب بالتأكيد لن يحتاج لوصفة اشتقها صهيوني تائب من تجربته الشخصية، أو مستعمر سابق يراجع نقاط الاخفاق في تراث اجداده ويبحث عن وصفة لراحته "الأخلاقية".

إن التحديث التنظيمي الثوري المطلوب من الفصائل الفلسطينية يتعلق بالتعلم أساسًا من تجاربها وما يواجهه مناضليها من صعوبات وتحديات، وما أنتجه هذا الشعب من تطويره لنضالاته، وادوات للتغلب على منظومات القمع والرقابة والقهر الصهيونية، نماذج من التنظيم المفتوح على الجماهير، وتطوير لنماذج العمليات الفردية وإبداع أبطالها، وتوسيع لحيز عمليات عرين الأسود وكتيبة نابلس وجنين العابرة للبنى الفصائلية، وربط لبؤر النضال في شبكة وطنية متصلة تدعمها وتحرسها وتنظمها قيادة وطنية موحدة من المناضلين الذين يخوضون الاشتباك الحقيقي مع العدو.