بداية لا يمكن التأسيس لمفهوم وطني للوحدة أو العمل المشترك دون الحفاظ بالأساس على الحقيقة حول ما حدث في فلسطين خلال العقود الأخيرة، هذا النص ليس مهمته استيفاء هذه الحقيقة لكن اعطاء إشارات ومداخل باتجاه ذلك، والأهم باتجاه فهم المخارج مما حدث.
لم تكن اتفاقية أوسلو محض وثيقة سياسية مهينة وقعها مفاوض فلسطيني في لحظة ضعف وانهيار للموقف، ولكن الاتفاق كان أشبه بخطة عمل لإيجاد جسم ينهض بمهمات محددة؛ جسم يتولى السيطرة على السكان الفلسطينيين وإدارة حياتهم اليومية، ومنع هؤلاء من تهديد الكيان الصهيوني أو مقاومته، ذلك نظير الانسحاب الجزئي وتقليص دور الإدارة المدنية، ونقل جزء من صلاحياتها لسلطة الحكم الذاتي، هذا كله ما نسميه اليوم سلطة وطنية فلسطينية ونختلف حوله ونتصارع على دوره، أو وراثة حكمه.
اي كان المكان الذي ذهبت إليه أوسلو، تجاوزناها أو تجاوزتنا أو تجاوزها الحدث؛ فالتغيير الأساسي الذي أنتجته الاتفاقية كان على مستوى الناس، أولئك المناضلين والقادة والكوادر الصغيرة والكبيرة؛ عشرات الآلاف من المطاردين والملثمين وأعضاء اللجان الشعبية في انتفاضة ١٩٨٧م، أو مقاتلي الثورة القادمين من الخارج، جعلت منهم الاتفاقية حراس للاحتلال، لم تكن وظيفتهم أفضل من ذلك بذرة؛ ركض مناضلي الأمس في شوارع المخيمات خلف رفاق دربهم؛ اعتقلوهم وعذبوهم؛ كتبوا وتلقوا التقارير والوشايات، وهذا كله أيضًا لا مجال لتجميله حتى بأي صيغة وحدوية ترعى العلاقات الوطنية. لقد خان هؤلاء رفاقهم وشو بهم وعذبوهم ونكلوا بهم وبأسرهم. لقد كان ما حدث بشاعة مطلقة؛ فتحت صندوق من الشرور ما زلنا جميعًا ندفع ثمنه حتى اليوم؛ مكرسة لنماذج سلوكية وقيمية مهيمنة لا تفترض سلوك منافر لها أو مغاير في منطلقاته وخلفياته القيمية.
صحيح أن هناك الكثير قد تغير منذ ذلك الوقت، بل أن كثير من هؤلاء عادوا أو حاولوا العودة لمواقع النضال، وأن كثير من القوى الثورية عبر التاريخ استوعبت كوادرها ومواطنيها الذين تورطوا في ممارسات مماثلة ضمن برامج معينة، ولكن هذا كله أيضًا جرى على قاعدة الاعتراف الجمعي بحقيقة الواقع، وهنا الواقع يقول: أنه ما بين العام ١٩٩٣ إلى ٢٠٠٠؛ حدث تورط جماعي على نطاق واسع في برنامج معادي للمشروع الوطني التحرري الفلسطيني ولحقوق ووجود الشعب الفلسطيني، وأن الزمن سيطول حتى نتخلص من آثار ما أحدثته هذه السنوات بشكل أساسي، وأن هناك جزء من الفلسطينيين ما زالوا متورطين حتى اللحظة بهذا المشروع.
وأيضًا من الحقيقة أن نقول: أن جزءًا من الفلسطينيين تورطوا في القتل والتعذيب والخطف إبان أحداث الانقسام وفي السنوات التالية لها، وكذلك ما زالت كتلة من أصحاب المال والأعمال والمناصب متورطين بنهب يومي وأعمال سرقة وقرصنة لأقوات وموارد الشعب الفلسطيني.
إن استحضار هذه الشواهد والمعطيات لا يهدف لخلق صورة سوداوية عن واقعنا، ولكن لتذكر أن مغادرة هذا الواقع، واستعادة بنية الحركة الوطنية الفلسطينية لعافيتها تتطلب قدرًا، من الصراحة والوضوح، والاعتذار وتحمل المسؤولية تجاه الجماهير والأجيال التي دفعت ثمن هذه الممارسات، والأهم إعادة سيادة الشعب الفلسطيني على قراره واختيار ممثليه وشكل نظامه السياسي، وأن استعادة الوحدة تتطلب فعل تجاوز حقيقي لهذه الممارسات لا مصالحة لها، وأيضًا لا الذهاب نحو طقوس انتقامية لفظية أو فعلية مرتبطة بهذه الممارسات، وأن مقولات مثل طي حقبة أوسلو تبدو مضحكة؛ كونها تشبه طي لملابس متسخة ودسها في خزانة الملابس، المطلوب غسلنا جميعًا من هذه الحقبة وممارساتها، وهذا الغسل يبدأ بتحمل المسؤوليات الوطنية، والاستعداد الشجاع للامتثال لإرادة الجماهير والتفاني بخدمتها، من أراد أن نغادر مرحلة أوسلو، فليبدأ بمغادرتها شخصيًا، بالتخلي عن منظومات نفوذها، والانخراط في خدمة أبناء شعبه من أدنى المواقع.

