في قراءة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، لمصير وأثر الصراع الجاري مع روسيا؛ أشار بعبارات محددة للنتيجة المفضلة بالنسبة له للحرب، وهي تحويل أوكرانيا "لأكبر قوة برية تقليدية في أوروبا مرتبطة بحلف شمال الأطلسي أو عضو فيه"، واثبات قدرة حلف الناتو على التصدي بالإجراءات التقليدية لما أسماه الخوف الذي ساد أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية من جيش روسي يتدفق عبر أوروبا، أي فعل ذلك دون الحاجة للمظلة النووية الأمريكية.
ورغم وفرة القراءات التي رأت أن روسيا؛ تسعى لتغيير النظام العالمي الخاضع لهيمنة الولايات المتحدة؛ يتضح شيئًا فشيئًا أن السعي بالأساس، لتغيير وضع هذا النظام، هو سعي أمريكي وغربي، لمد وتوسيع وتعميق هذه الهيمنة مكانيًا وزمانيًا، وتقزيم قدرة أي قوى أخرى، وبالأساس روسيا والصين على خلق توازن مضاد للقوة الغربية.
المؤكد أن النظام العالمي يتغير الآن، مع كل طلقة ترسلها المنظومة الغربية لأوكرانيا، وذلك يأتي بالأساس ليس من ساحة المعركة فحسب، بل من باب فتحته الحرب والصراع، لمختلف الدول في هذا العالم للسعي؛ لإجراءات مغايرة، لتجنب مخاطر وانعكاسات سلبية لهذه الحرب عليها، أو لتعزيز فرصها ووزنها ضمن عملية إعادة التشكيل هذه، ما يعني أمة العرب في هذا السياق هو وجود أو غياب سياسات مغايرة للدول والأطراف العربية؛ تتعامل مع هذا الوضع، وفي المحور الأساسي في تعاملها مع التهديد الاستعماري الصهيوني.
واللافت في معظم المؤشرات؛ أن الرهان الرسمي العربي ما زال متشبث بموضع التابع في نظام عالمي سقفه هيمنة وسياسات الولايات المتحدة الأمريكية، وسواء على المستوى الفلسطيني المعني مباشرة بالصراع مع الغزو الصهيوني، أو على مستوى سلوك الحكومات العربية، ما زالت الرهانات تتمثل في نظر الحكومات العربية لذاتها كوكيل محلي للنظام الدولي؛ يمتثل لما يفرضه ويعمل بمقتضيات الخضوع لهيمنته ووفقًا لأولويات مصالحه.
هذا الواقع يعني ضمنًا مواصلة الرهان على سياسة الهزيمة والاستسلام للكيان الصهيوني، بل ويمتد لإنتاج التطبيع والتعاون الأمني معه، باعتباره ممثل القوة المسلحة الحاضرة في المنطقة للمنظومة الغربية الاستعمارية، أي يرتضي موقع الخضوع للغازي والمستعمر، ورغم أن لا أحد يطلب أن تدافع الدول والأطراف العربية عن المصالح الروسية، ولكن المؤكد أن مواصلة التصرف كما لو أن شيئًا لم يتغير هو انتحار بحد ذاته، كما أن مواصلة الاستسلام لهيمنة المنظومة الغربية وذراعها الصهيوني يعني تأبيد العبودية والاستعمار والاستلاب، لسيادة واستقلال الشعوب العربية ومواردها، وتحويل جغرافيتها لمنصة للعدوان الاستعماري في العالم والمنطقة.
الأسوأ على الاطلاق هو ما يعطيه التعامل الفلسطيني الرسمي مع واقع متغير، من مؤشرات، بمواصلة التشبث بسياسات أنتجتها حقبة اتفاقية أوسلو المفروضة من قبل أطراف النظام الاستعماري الغربي على الفلسطينيين، وبعيدًا عن الموقف المبدئي الذي يجب أن يرفض ويقاوم ما فرضته الاتفاقية من تنازلات على الفلسطينيين، وما ألزمت قيادتهم به من تنسيق أمني وأدوار تمزق البنية النضالية والاجتماعية والهوية الفلسطينية، فإن توصيف هذه السياسات باعتبارها استسلام للأمر الواقع أصبح كذبة كبيرة، أي أنه حتى بموجب المنطق البراجماتي أو منطق الاستسلام لعلاقات القوة؛ لم يعد هذا التوصيف صحيحًا، وهنا المقصود أن المنظومة الرسمية الفلسطينية وإن كان من غير المتوقع منها التصرف على عكس طبيعتها المستحدثة وما احلته بها أوسلو من تغييرات بنيوية مدمرة، فإن الحد الأدنى وفقًا لمنطلقاتها ذاتها؛ قبول وجود متغيرات في العالم وفي الإقليم، وأيضًا في الساحة المباشرة للصراع على أرض فلسطين، وفي داخل المنظومة الصهيونية وفي علاقة هذه المنظومة بالمركز الاستعماري؛ تغييرات تقتضي سياسات مختلفة.
حين ترتفع الهراوات في نابلس ضد مسيرة من المحتجين على الاعتقال السياسي، أو تدار السياسة حول منطق التنافس على وراثة حكم السلطة الفلسطينية، ويستمر تغييب منظمة التحرير وتهميشها واستلاب دورها وموقعها كممثل للفلسطينيين، وأداة لنضالهم الوطني التحرري، فإن المؤكد أن هذه إشارة موت للسياسة الفلسطينية، وأيضًا إشارة لعجز النخبة السياسية الفلسطينية برمتها عن إنتاج البدائل، فإذا كان رهان البراجماتية الرسمية الفلسطينية هو التجمد في موقعها، فإن المنطقي أن يكون هناك رهانًا بديلًا ومختلفًا لدى بقية أطراف المنظومة الفلسطينية، وخصوصًا تلك الأطراف التي ترى في المجابهة العنيفة مع الاحتلال الخيار الأساسي لانتزاع الحقوق الفلسطينية.
في عالم اليوم؛ في عالم الساعة؛ لا أحد سيلتفت لمقدار ما يحصيه الفلسطينيين من انتهاكات لحقوقهم من قبل الاحتلال، أو جرائم ترتكبها قوات العدو، وسيكون على الشعب الفلسطيني أن يراهن على قوته وقدرته على الفعل فقط، وعلى تحالفات تقدم دعم جدي لمن يخوض الاشتباك بكافة أشكاله مع العدو على أرض فلسطين، بل أن الامكانية شبه الوحيدة لتقليص حجم السياسات العدوانية الصهيونية المتزايدة، وردعها عن حسم ملفات وقضايا أساسية على أرض فلسطين لمصلحة الاستيطان والتهويد وسياسات التطهير العرقي، هو بناء وحدوي فلسطيني مقاتل يخوض هذه المعركة بهويته الوطنية، ويتجاوز كل ما أنتجته حقبة أوسلو وحسابات الانقسام أو الصراع على مصير وموضع وسياسات السلطة الفلسطينية... المطلوب ليس سياسات حول السلطة ودورها، ولكن سياسات حول شعب فلسطين ووجوده وقدرته على القتال والمواجهة والنضال في كافة الساحات وبكافة أدوات النضال.
سياسة ونخب نفذت بطاريات إرادتها، وقدرتها، وانفصل وعيها عن الواقع، وباتت أقرب ما يمكن لتأدية أدوار محفوظة، بتكرار ممجوج لا معنى له في الحسابات الحقيقية للسياسة؛ هذا واقع يقود لرفع الهراوة، وللاستمرار في إهمال مصير الناس الذين يحاصرهم الجوع وفشل الإدارة السياسية فوق الحصار والعدوان الصهيوني المستمر؛ سياسة قد ماتت في كثير من ملامحها، لولا بقية من أمل يشرق من بنادق المقاتلين الموحدين والجماهير التي تخوض المواجهة وتمارس مقاومتها بكافة أشكالها ضد العدوان؛ شعب مقاتل وجماهير مناضلة وسياسات ميتة؛ ، لم تعد حتى محاولات القوى والأطراف الوطنية الأكثر جدية في سعيها كافية لانتشالها أو بعث الحياة فيها.

