Menu

أبا فريد... الشيخ الذي لم تهزمه الغربة

مروان عبد العال

من لا يعرف الإنسان الرائع والنبيل والقامة الوطنية الشامخة والعلم الفلسطيني السامق في سماء جنوب البرازيل: خضر عثمان؛ ذات زمن استضافني لأيام معدودة لكن لا تنسى. يومها شعرت أننا نعرف بعضنا منذ زمن؛ جمعتنا حكايات ومواقف ونقاشات ومنابر وملتقيات تضامنية؛ يكون فيها مترجماً ومقدماً ومحاوراً لبقاً؛ يتحدث ويتحرك ويبتسم على إيقاع منضبط كأنه يتناغم مع سمفونية الغربة البعيدة، التي جعلته الأقرب من قرية بيت عور التحتا – رام الله، ويجمع ذكرياتها وما فعله من أجل صمود أهله هناك؛ عن مركز التدريب المهني الذي أنشأه هناك لتقديم الخدمة لأبناء شعبه.

لم تبتعد فلسطين بكل تفاصيلها عنه؛ يحملها على كتفيه ويجوب فيها، وسط عالم من الخيال الساحر، من بورتو أليغري إلى سانتا كاترينا وفلورنابوليس والريو دي جانيرو... بين الفندق ومنزله؛ وحين يجلس في مكتبه على الطابق العلوي في محله التجاري؛ يكون بأبهى تجلياته وهو يبحث عن القضية؛ يتابعها بشغف في قنوات التلفاز، في نشرات الأخبار، وليقرأ ويتابع مقال أعجبه في إحدى الصحف الإلكترونية العربية المفضلة.  وعلى جناح السرعة يأتي بصديقه رسام الكاريكاتير البرازيلي اللبناني الأصل "كارلوس لطوف"؛ كان حريصاً أن نتعارف وأحدثه عن المخيمات الفلسطينية في لبنان، ثم يبعث وراء معمّر؛ فلسطيني ولد في حيفا، وحملته سفينة صدفة إلى البرازيل؛ كانت ترسو في مينائها ويعمل فيها؛ كان يريديني أن أكتب عنه؛ قال: اسمعه لعله يوحي لك برواية؛ لحظتها خطرت لي رواية الشيخ والبحر لهمنغواي، قلت شيخ همنغواي لم يهزمه البحر.

قال: أنه كان عاملاً في تنظيف السفن، ونام في السفينة، وحين استيقظ وجد نفسه محمولاً فوق عباب المحيط، وبعد أشهر حطت به الرحال في بلاد السامبا.. كان ذلك قبل احتلال فلسطين عام 1948؛ ظل زمناً لا يسمع أخبار البلاد، لم يكن يدري أن بلاده قد احتلت، ومن يومها يبحث في الخرائط عن فلسطين.

خضر عثمان؛ شيخ البحر الذي لم تهزمه الغربة؛ اليوم ذكر لي رفاقه أنّه من النادر أن يتخلف عن المناسبات الوطنية؛ كان والداً وقائداً لأبناء الجالية والضحكة المليئة بالمحبة لرفاقه... لم يتوارَ يوماً عن أي مناسبة وطنية يحييها أو يشارك فيها... نشر معاناة الشعب الفلسطيني على مدار الزمن في الجامعات والمحافل والبرلمانات البرازيلية؛ نموذجاً صادقاً في العطاء والتضحية، بما فيها احتفالات انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ؛ إذ كان يأتي ومعه حافلات تُقل أبناء الجالية من سانتاكاترينا؛ مكان إقامته وعمله إلى بورتواليغري التي تبعد 600 كم؛ ليشارك رفاقه في الاحتفال.. سيظل هذا الفلسطيني القُح والشيخ الجليل خالداً في ذاكرة شعبه... صورة هذا الإنسان الذي يتدفق حيوية؛ مفعماً بالحس الوطني المطلق والمنطلق إلى أبعد حدود...

ستبقى نجماً لامعاً بين أبناء جاليتك وبلدك ووطنك... ارقد بسلام.