النقاباتُ تعدُّ محورًا أساسيًّا من محاور العمل المدنيّ في السياق الفلسطينيّ، كان - وما يزال - لها الدورُ الرئيسيّ في تشكيل الحياة السياسيّة وممارستها.
ولأهميّةِ الحركةِ النقابيّة في فلسطين ودورها؛ كان هذا المقالُ للإجابة على سؤالٍ محوريٍّ حولَ دور الحركة النقابيّة في فلسطين في إحياء المجتمع المدنيّ باعتبار أنّ التنظيم النقابي أحد أهمّ مفاعيل التّحوّل الديمقراطيّ، وكانت دومًا تمثّلُ معبرًا للمشاركة في الحياة العامة؛ فضلًا عن الدور الكبير الذي تؤدّيه الحركةُ النقابيّةُ في مسيرة التقدّم الاجتماعي، حيث يلاحظ التراجع الكبير في الدور النضالي للحركة النقابيّة الفلسطينيّة التي كانت في طليعة النضال المطلبيّ والوطنيّ منذ تأسيسها. ويلاحظ أيضًا بأنّها دومًا ما كانت تستطيعُ النهوض من جديدٍ من واقع التشتيت والأزمات التي كانت تحيق بالواقع الفلسطيني لتقود مسيرته النضالية، حيث حافظت خلالها على استقلاليتها وديمقراطيتها، حتى بداية تراجعها مع تمكين السلطة وهيمنتها على المجتمع الفلسطيني.
ارتبط العملُ النقابي في فلسطين بشكلٍ أساسيٍّ منذ تأسيسه بالاشتباك الواعي مع القوى الاستعمارية التي توالت على فلسطين المحتلّة، وكان لها دورٌ محوريٌّ في دعم صمود الفئات الاجتماعية وتوعيتها سياسيًّا ووطنيًّا إلى جانب الدور الرئيسي المتعلّق في النضال المطلبيّ والاجتماعي.
هذا الدورُ الذي تعاظم إبان الانتفاضة الشعبيّة عام 1987، التي خاض فيها المجتمع المدنيّ صراعًا واضحًا مع الاحتلال الصهيونيّ، ما أسهم عبر تأسيس لجانٍ للعمل التطوعيّ في تعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم ومواجهة مشروع الاقتلاع الصهيونيّ.
وتدريجيًّا أصبحت النقابات والاتّحادات تؤدّي دورًا محوريًّا في الحياة السياسيّة، وبداية تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، إلى أن أُسّست السلطة الفلسطينيّة وفقًا لاتفاقيات أوسلو، وذهب الجزء الأكبر من لجان العمل التطوعي إلى مأسسة ذاتها لتصبحَ فيما بعدُ مكوّنًا من مكوّنات العمل الأهلي، الذي وجد في التمويل الدولي فرصةً كبيرةً لإبراز القضايا المطلبية والاجتماعية عبر التركيز في العمل عليها، وترافق ذلك مع تراجعٍ للدور التثويري والسياسي الذي كان يضطلع به.
وعلى صعيد النقابات أدّت دورًا كبيرًا في تضمين قضايا العمال ضمن أجندات السلطة ووزاراتها، للدرجة التي وجدت فيها السلطةُ مضطرّةً لأنْ تحتوي النقابات عبرَ تفريغ هيئاتها الأولى على جهاز السلطة البيروقراطي، وتحوّلت تدريجيًّا إلى أدواتٍ لهيمنة السلطة على الفئات الاجتماعية التي يفترض بأنّها تمثّلُ مصالحها عوضًا عن كونها أداةَ نضالٍ وتثويرٍ وتنظيمٍ اجتماعيّ لهذه الفئات في مواجهة السلطة.
هذا الواقعُ يجعلنا نعتقد أن الوقوف على دور النقابات في إعادة الاعتبار للمجتمع المدني الفلسطيني ضرورة، لا سيّما وأنّ جرامشي كان يرى في تسلط الحزب الشيوعي السوفييتي في عهد ستالين مخرجًا لتحييد المجتمع المدني عن حالة الاشتباك مع النظام السياسي، وكان جرامشي يعتقد أن الحل في إجبار السلطة على أن تكون ديمقراطيّةً وتراعي مصالح العمال يكون عبرَ مزيدٍ من الانخراط الواعي للعمال والمهنيين في النقابات والعمل ضمنها في مواجهة تغوّل السلطة التنفيذية على باقي مكوّنات النظام السياسي، ما يعنيه أن السلطة تصبح ديمقراطيةً بالقدر الذي يكون فيه المجتمع المدني وبالقلب منه النقابات والاتّحاد والمؤسّسات التمثيليّة قوية وتمثّلُ فعليًّا مصالح الفئات الاجتماعية الممثلّة لها.
سوف يتّخذُ المقال من دور الاتّحاد العام لنقابات عمال فلسطين موضوعًا له؛ بهدف تحليل وتشخيص دور الحركة النقابية في إحياء المجتمع المدني، بوصفه الإطار النقابي الوحدوي الأكبر في فلسطين.
النقاباتُ والمجتمعُ والتشكيلُ المتبادل:
إنّ المجتمع ينسج علاقاتٍ متنوّعةً مع مختلف المنظمات المجتمعة التي ينتجها لتلبية حاجاته ووظائفه. فالمنظمة تنشأ في المجتمع نتيجةَ نشوءِ حاجةٍ أساسيّةٍ فيه، فيكون وجود المنظّمة بقصد إشباع تلك الحاجة، ومعنى هذا أن حياة المنظمة في المجتمع تتوقّف أساسًا على مدى وجود حاجةٍ اجتماعيّةٍ معيّنةٍ من ناحية، وعلى مدى توفيق المُنظّمة في تقسيم أعمال أو خدمات بذاتها تحقّق إشباعًا لحاجات المجتمع من ناحيةٍ أخرى.
وفي هذا النّطاق، لطالما أدّت النقابات العماليّة في فلسطين دورًا محوريًّا في الدفاع عن حقوق العمال والحقوق الاقتصاديّة والاجتماعية للمجتمع وحتّى السياسي منها، وذلك من خلال توسيع مجال ومساحات المشاركة السياسيّة وضمان الحرّيات العامة، بالإضافة إلى دورها في تعزيز صمود العامل الفلسطيني جزءًا من استراتيجية الفعل السياسي المواجه للاحتلال.
لا شكّ أنّ الإرث النقابي في فلسطين ظهر جليًّا، مع تبلور النقابات المهنية لاعبًا مهمًّا في تحريك المجتمع وتنظيمه والتعبير عن حيويته، وقد تأثّر دور الحركة النقابيّة في سياق المتغيّرات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني، بدءًا من تشكّل "جمعية العمال العربيّة الفلسطينيّة" أوّل كيانٍ نقابيٍّ عربيٍّ في فلسطين عام 1925، مرورًا بانضواء النقابات تحت سقف منظّمة التحرير وقت قيامها وفي جميع المراحل التي مرّ بها المجتمع الفلسطيني في سياق نضاله المستمرّ ضدّ الاحتلال الصهيوني. والنقابات المهنية المستقلّة، ليست نقاباتٍ عماليّةً (بالمعنى الحرفي للكلمة)، بل هي عبارةٌ عن هيئاتٍ تمثيليّةٍ قطاعيّةٍ أسّست أصلًا للدفاع عن مصالح الأعضاء المنضوين تحتها وحماية مكتسباتهم الاقتصاديّة، وغالبًا ما تمثّلُ تلك النقابات فئاتٍ منتميّةً إلى الطبقة الوسطى، أدّت في العديد من الأحيان دورًا داعمًا في بناء النظام السياسي الفلسطيني. لكن ومع التّحوّلات التاريخيّة التي طرأت على واقع هذه الطبقات الاجتماعيّة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي نتيجةَ تبني سياسياتٍ اقتصاديّةٍ أقرب لليبراليّة في ظل تراجع العمالة داخل الخط الأخضر فضلًا عن الحصار على قطاع غزة، لجأت هذه الطبقات إلى نقاباتها لإعلان رفضها الواقع المعيشي الصعب وصولًا أحيانًا إلى الخروج إلى الشارع ضد السلطة الحاكمة، ومطالبتها بضرورة إحداث تحوّلات في الواقع الاقتصادي القائم. فضلًا عن ذلك، هناك مؤشّراتٌ تلقي بظلالها على عمل النقابات في فلسطين، تشير إلى تعاظم الخلل البنيويّ بسبب ضعف الثقة بالمؤسّسات المجتمعيّة والتشكيك بجودة مخرجاتها[1]. والثقة هي صورةٌ ذهنيّةٌ إيجابيّة، وانطباعاتٌ يحملها فردٌ عن فردٍ آخر أو عن جماعةٍ أو عن مؤسّسةٍ أو حكومة، سواءً كانت هذه الصورة الذهنية صحيحة أو خاطئة، ويمكن تعريفها بأنها مرادفة للمصداقية. ومن المعروف أن الثقة تنغرسُ ضمن منظومةٍ تفاعليّةٍ بين أفراد المجتمع ومؤسّساته التي تستمدُ أهمّيتها من عمقها التاريخي، حيث كانت العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة تقومُ أساسًا على الثقة، وتنتهي بفقدانها.
وعليه، وفي إطار العلاقة التبادليّة بين المجتمع والنقابة، يعدُّ الخطر الأوّل هو تآكل الثقة فيها، مما يزيد من الهشاشة ويمكن أن يؤدي إلى عدم الاستقرار، خاصة في مجتمعات اللادولة وعدم رسوخ مفهوم الدولة كما الحالة الفلسطينية التي ما تزال ترزح تحت نير احتلال استيطاني.
البنيةُ الداخليّةُ للاتّحاد العام لنقابات عمال فلسطين:
الاتّحاد العام لنقابات عمال فلسطين هو منظّمةٌ عمّاليّةٌ ديمقراطيّةٌ ومستقلّةٌ تعملُ من أجل الدفاع عن حقوق العمال وبناء مؤسّسةٍ نقابيّةٍ تسهمُ في المجتمع المدني الفلسطيني، كما تعملُ على تعزيز واقع النضال الوطني لإنهاء الاحتلال، وبناء الدولة الفلسطينيّة المستقلّة التي توفّر العيش الآمن لمواطنيها[2].
يعدُّ الاتّحاد العام لنقابات عمال فلسطين الإطار النقابي الوحدوي الأكبر بعد توقيع اتفاقية عمان بتاريخ 24/1/1994 باشتراك جميع الكتل النقابية التابعة للقوى السياسية، بما فيها كتل اليسار. كان لهذا الاتحاد دورٌ نضاليٌّ مهمٌّ في مراحل سابقة، إلا أنه ومنذ قيام هيئة مكافحة الفساد بالكشف عن خروقاتٍ ماليّةٍ أدّت إلى إبعاد عددٍ من قادته النقابيين، وأبقت على أمينه العام، وبعض قيادات منه، وهناك من يعتقد من النقابيين المخضرمين من قوى اليسار خاصة، بأن السلطة الفلسطينية "وضعت يدها" عليه.
فعلى سبيل المثال عَقد الاتحادُ العام لنقابات عمال فلسطين مؤتمره السادس أيام 27-28 كانون ثاني 2021 في جامعة الاستقلال بمدينة أريحا، التي "تختص لوحدها ودون المؤسسات الجامعية في فلسطين بالتعليم العالي في مجال العلوم الأمنية والعسكرية والشرطية، لتكون بذلك رافدًا أساسيًّا للمؤسّسة الأمنيّة الفلسطينيّة" كما جاء في "نبذة عن الجامعة" بموقعها الالكتروني. لقد أثار انعقاد هذا المؤتمر النقابي في قاعة مؤسّسة حكومية تابعة للسلطة الفلسطينية حفيظة وغضب العديد من النقابيين والباحثين والحقوقيين، ومنهم من اعتبر ذلك هو "خضوع قيادة الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين للمؤسسة الحاكمة وأذرعها الأمنية، وتنازل عن استقلالية الاتحاد النقابي"، وأشار البعض منهم إلى أنَّ هذا التّراجع كان بدايةً في المؤتمر الخامس للاتّحاد[3].
فضلًا عن ذلك، يعاني الاتّحاد من ظاهرة الترهّل البيروقراطي التي سيطرت على مختلف قياداته، وخضوعها لأجهزة السلطة الفلسطينيّة الحاكمة لا سيّما منذ استيعاب هيئته الأولى في الجهاز البيروقراطي للسلطة وتوظيفهم على كادر وزارة العمل في وظائف عليا. كان لهذه الظاهرة إفرازاتها السلبيّة على نشاط الاتّحاد بخاصةٍ حولَ علاقته بالقاعدة العمالية وبالحركة النقابية بشكلٍ عام وقيادتها، ومعضلة التراجع في دور الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين الذي يعتبر الإطار النقابي الوحدوي الأكبر.
وعليه، تؤكد هذه الظاهرة على ضرورة إعادة النظر في العلاقة ما بين الاتحاد والحركة النقابية والمجتمع المدني الفلسطيني بشكلٍ عامٍ من ناحية، وما بين السلطة من ناحيةٍ أخرى، وتأسيس هذه العلاقة ليس على قاعدة أنّنا نعيش مرحلة الاستقلال الوطني، بل على قاعدة أننا ما زلنا في أوج مرحلة التصادم والصراع مع عدوٍّ كولونياليّ. وأن يتمَّ البحث حول إعادة الاعتبار لمؤسّسات المجتمع المدني، وفي القلب منه النقابات والاتّحاد والهيئات التمثيليّة ليس مؤسّسات تحابي السلطة على حساب الفئات الاجتماعيّة التي تمثّلُ مصالحها، وإنّما على قاعدة التمثيل الحقيقي لهذه الفئات وتدافع عنها في مواجهة السلطة الحاكمة، وبما يسهم في تعزيز صمود المجتمع ضرورةً نضاليّةً يفرضها واقعُ الاشتباك مع الاحتلال الصهيوني.
واقعُ النقابات العماليّة في قطاع غزّة:
تعيشُ النقاباتُ العماليّةُ حالةً من التهميش والضعف؛ نتيجةً للعديد من الأسباب الموضوعيّة والذاتيّة، وخاصّةً في ظلّ ارتفاع معدّلات البطالة والفقر، وتداعيات كورونا، وما تبعها من إعلانٍ لحالة الطوارئ والإغلاقات التي تسبّبت في تراجع فرص العمل وانخفاضٍ في معدّلات التشغيل إلى 30%، ما أثّر على توازن سوق العمل وقانون العرض والطلب، ما أسهم في ضعف دور النقابات والاتّحادات العماليّة النضالي والمطلبي في فلسطين لتحسين ظروف وشروط العمل، أما على مستوى العمل النقابي في قطاع غزة؛ فيعاني أيضًا بالإضافة لما ذكر من تداعيات الانقسام منذ 15 عامًا، التي تسبّبت في تهميش ومعاقبة الحركة النقابية العمالية لأسبابٍ سياسيّة، ما أسهم في ضعف تحصيل حقوق العمال الفلسطينيين لضعف النقابات في الوضع الحالي مضافًا لضعفها منذ احتوائها من قبل السلطة بعد استيعاب هيئاتها الأولى كموظفين في السلطة، رغم أن النقابات العمالية في تلك الفترة استطاعت رغم الهيمنة عليها من قبل السلطة أن تنظم شؤونها النقابية وتصيغ برامجها، وحددت أولوياتها في العمل النقابي، وفق مهامها ومبررات وجودها النضالية لصالح القضايا الاجتماعية العمالية، وقامت بتجديد الشرعيات النقابية، عبر تنظيم الانتخابات لاختيار الهيئات القيادية للنقابات حسب الأنظمة الداخلية عام 2006[4]
يعمل في غزة تقريبًا 42 نقابةً عماليّةً فرعيّةً وعامةً وثلاثة اتحادات تمثّل كافة القطاعات العمالية وتمثل ما نسبته 12% من حجم العاملات والعمال[5] الذين ينطبق عليهم شروط العضوية وفق اللوائح والأنظمة النقابية، التي تشترط العضوية أن يكونَ عاملًا/ة يتقاضى أجرًا تحت إشراف صاحب العمل، أي وجود علاقة عملٍ بين طرفين.
وفي قطاع غزة كان ينظمُ عملَ النقابات العمالية قانونُ التنظيم النقابي رقم 331 لعام 1954، الذي أعطى الحق للعمال الذين يشتغلون بمهنةٍ أو صناعةٍ أو حرفة واحدة، أو بمهن أو صناعات أو حرف متماثلة أو مرتبط بعضها ببعض أو تشترك في إنتاجٍ واحدٍ أن يشكلوا فيما بينهم نقابات ترعى مصالحهم وتدافع عن حقوقهم وتعمل على تحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية[6].
الخلاصةُ والاستنتاجات:
- إنّ واقع النقابات العمالية الفلسطينية تمرُّ بظروفٍ معقّدةٍ ومركبةٍ نتيجةَ الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بحيث أصبحت النقابات العمالية تعيش حالة ترهّلٍ وتردٍّ وشرذمةٍ وانقساماتٍ وصراعاتٍ داخليّةٍ وخارجيّة، وعجزٍ في مواجهة التحدّيات والمشاكل العمالية، وضعف في التمثيل وٍنسب العضوية، بالإضافة لتداعيات العدوان والحصار على قطاع غزة، وهذا يحتاج لمزيدٍ من العمل التشاركي لتخطي الأزمات والتحديات، وإعادة الاعتبار للنقابات العمالية ولدورها الريادي في تمثيل العمال، والنضال لصالح قضاياهم وصولًا للعمل اللائق والكريم؛ وذلك يستدعي التجديد والابتكار، والإبداع في العمل النقابي والتفكير خارج الصندوق، والعمل على مشاركة الشباب استراتيجيةً للتدخل في تعزيز العمل النقابي وتطويره؛ فالأمرُ يتطلّبُ منح الشباب فرصةً في قيادة العمل النقابي، فمن المفيد رؤية الشباب بالمواقع القيادية الأولى في النقابات العمالية، وكذلك مشاركة فاعلة للنساء بالتمييز الإيجابي وتوفير المناخ المناسب لمشاركتهن في كافة المواقع والهيئات.
- خلق الانقياد للتمويل الدولي ثقافة عمل تستند إلى ردود الأفعال والمصلحة الذاتية للنخب النقابية على حساب العمل التنظيمي المؤسس للعمل النقابي ولمصالح الطبقة العاملة.
- ضرورة أن تولى أهميّة خاصّة للقواعد العمالية التي تقع ضمن المناطق الجغرافية المختلفة، والانتقال من المركز إلى الأطراف، وذلك ضروريٌّ لتكوين حراكٍ نقابيٍّ جماعيٍّ في حياة النقابات، من خلال برامج عملٍ مشتركةٍ تسهم في خلق وعيٍّ فكريٍّ وأيديولوجي حول العدالة الاجتماعية والمساواة وغيرها من القضايا الاجتماعية، ولا بد من ضرورة وأهمية العمل من أجل التغيير البنيوي في عمل النقابات ودورها، يؤسس لمنظومة العدالة الاجتماعية التي تنطلق من منظورٍ تشاركيٍّ لتغيير واقع الطبقة العاملة.
- لا بدّ من بلورة سياساتٍ جديدةٍ تلتصق بمنظومة مبادئ وقيم تقود عمل الاتحادات والحركة النقابية العمالية وترتبط بمبدأ العدالة الاجتماعية ومنظومة الحقوق، ومنظور الصمود والتمكين في ظل حالة من الاستقلالية المالية، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، والنهج التشاركي للعمل مع القاعدة العمالية. على أن يتم ربط السياسات ببرامج عمل تؤسس لعملية تغيير ذات صلة بمصالح القاعدة العمالية، وبتوزيع الأدوار وتعزيز الشراكة بين الأجسام والاتحادات النقابية. كما من الضرورة بمكان معالجة المشاكل التنظيمية والقانونية الداخلية للاتحاد العام، وتوثيق صلته بالحركة النقابية ومع القاعدة العمالية؛ الأمرُ الذي يؤهّلها للقيام بدورٍ فعليٍّ بنيويٍّ في حياة الحركة العمالية في ظل غياب الأطر التشريعيّة، وضبابيّة واقع السلطة القضائية الخاصة بقضايا العمال، وفي ظل تغول السلطة التنفيذية، الذي أدى بدوره إلى سلب الحقوق، وتمرد القطاع الخاص، وعدم رضوخه لأية مطالب نقابية/عمالية، بالإضافة إلى تعزيز الشعور لدى العمال بسهولة استبدالهم في ظل سوق فلسطينيةٍ صغيرةٍ محدودة، تشوبها الفوضى ونسب البطالة المرتفعة.
- لن تثبت النقابات جدواها وفعاليتها والتفاف القاعدة حولها، من دون أن يظهر تأثير عملها على الأرض. وعليه، يجب أن تكون برامجها وخطط عملها واقعيّة، ومحدّدة بجداول زمنيّة قابلة للتطبيق، والبعد عن الشعارات التي تقود عمل الحركة النقابية في المرحلة الحالية، التي ظهرت في ظل السلطة الفلسطينية، وربط النقابات حياتها بالحكومة التنفيذية، وكثرة الخلافات وحدتها، وغياب التنسيق واللقاء على الحدود الدنيا للحركة النقابية، وتحول الكثير من الاتحادات النقابية لأدواتٍ سياسيّةٍ تستخدمها طرفي الانقسام في الضفة وغزة.
- التعاون بين النقابات العمالية والمنظمات الأهلية في البرامج المشتركة التي تستهدف تمكين المنتسبين لها مهاراتيًّا ومعرفيًّا ومن ثَمَّ رفد هذه الطاقات ككادرات تسهم بتفعيل النقابات والنضال من داخلها وصولًا لنقابات تمثل مصالح الفئات التي تمثلها.
- التشارك مع المجتمع المدني ومكوناته المختلفة في إدارة حملات الضغط والمناصرة حول القضايا المشتركة ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي لتحقيق العدالة والحماية للإنسان العامل فردًا فاعلًا في المجتمع.
- التعاون في تعزيز الديمقراطية النقابية من خلال نشر الوعي نحو الممارسة الديمقراطية، والمساعدة في عقد الانتخابات والمؤتمرات النقابية بحريّةٍ وفقَ القوانين واللوائح والنظم بشكلٍ دوريٍّ، ودون تدخّلاتٍ خارجيّة.
- العمل المشترك لتعزيز حرية العمل النقابي والتعددية النقابية وفق معايير العمل الدولية، بما يتيح المجال لتشكيلات نقابيةٍ جديدةٍ بحريّةٍ دون المسّ بالأجسام النقابية القائمة للتكامل في النضال النقابي، وهذا يسهمُ في علاج إشكالية الإزاحة والإحلال بين الأجسام النقابية، ويسهم أيضًا في إنهاء مشكلة التجاوز وحالة الازدواجية في استخدام اسم الاتحاد العام لنقابات العمال في محافظات غزة.
وختامًا: إنّ النقابات العمالية ليست مؤسّسةً أهليّةً أو حزبًا سياسيًّا؛ إنّما مؤسّسةٌ نضاليّةٌ مستقلّةٌ تدافع عن حقوق أعضائها، ولها موقفٌ من القضايا الوطنية والسياسية الداخلية والخارجية، لذا تتقاطع وتتكامل بنضالاتها مع الفاعلين في العمل الاجتماعي والسياسي والوطني كافةً، وخاصّةً المؤسّسات الأهليّة، وتتكامل بأدوارها لخدمة المجتمع وتنميته بما ينسجم مع أهدافها وبرامجها النضالية والنقابية، وذلك من أجل العمل على مواجهة التحدّيات والتهديدات ومن أجل تحويلها لفرص تستعيد من خلالها النقابات العمالية حيويتها وفعالياتها، وتوسيع قاعدتها العمالية باستقطاب أعضاء جدد وزيادة معدلات الانتساب. وحتى تستطيع النقابات العمالية التكيف مع المتغيرات والمستجدات يجب أن تعمل بالتعاون مع حلفائها وشركائها من مؤسسات المجتمع المدني التي تتقاطع مع أهدافها في النضال الاجتماعي من أجل العدالة والحرّيات العامة والنقابية، ومكافحة الفقر والبطالة، والحفاظ على مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية، وتعزيز قيم التكافل والتضامن والتعاون والتشاركية في تخفيف معاناة أفراد المجتمع والفئات المهمشة والضعيفة، ومنهم العاملات والعمال، ولتحقيق ذلك يجب التكامل بالأدوار.
المراجع:
- عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998
- جون إهرنبرغ، المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة، المنظمة العربية للترجمة، 2008
- محمود شاهين، حول الحق في التنظيم النقابي، الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن. رام الله، 2004
- إشكاليات العمل النقابي في فلسطين، أوراق عمل قدمت في المؤتمر الذي نظمه مركز الديمقراطية وحقوق العاملين- رام الله، منشورات مركز الديمقراطية وحقوق العاملين 1999
- سليم الجندي، الحركة العمالية في فلسطين 1918-1967، دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية- عمان 1988
[1] للمزيد أنظر: تقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية، متاح على الرابط:
https://www.pcpsr.org/en/node/283
[2] أنظر: نبذة عن تاريخ الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، متاح على الرابط:
https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=3413
[3] راجع: تحليل أسباب الأزمة التي تعاني منها الحركة النقابية الفلسطينية في الأراضي المحتلة، متاح على الرابط:
https://alittihad44.com/mulhaq/%D9%85%D9%84%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%B9%D8%A9/%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D9%86%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%A7%D8%B6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A9-%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF-%D8%B9%D9%82%D9%84?fbclid=IwAR0O1hgIWbs_GqGA6xsYeGdIuoEL1JT0MZV-rdlfn7KLVLSwpF7Y3pxhQHc
[4] سلامة أبو زعيتر، واقع النقابات والاتحادات العمالية في قطاع غزة .... شبكة المنظمات الاهلية، متاح على الرابط:
https://ae.linkedin.com/pulse/%D9%88%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%B9%D9%85%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%B2%D8%B9%D9%8A%D8%AA%D8%B1-
[5] الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين: تقرير، غير منشور، غزة، 2020.
[6] مازن سيسالم وآخرون: قوانين فلسطينية، القوانين والمراسيم الصادرة عن السلطة الوطنية الفلسطينية والاتفاقيات المعقودة معها، قانون العمل رقم (7) لسنة 2000، إصدار أبريل 2002، ص65.

