التصريحات التي أدلى بها مؤخراً الرئيس محمود عباس بشأن الوضع الداخلي، ودعا خلالها إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية والذهاب إلى صناديق الاقتراع، تنطوي موضوعياً على شيء من الجدية التي تستوجب الفحص والاستجابة.
وبالرغم من التحفظ والحذر الجديد إزاء خلق حالة من التفاؤل بشأن دفع عملية المصالحة الوطنية، نظراً لكثرة خيبات الأمل، وعدم معرفة مصير هذه التصريحات، وعمّا إذا كانت ستُطلق فعلاً صافرة البدء بالتحول نحو إجراءات عملية لإنجاح المصالحة، أم ستكون مجرد تصريحات وتلحق بما سبقتها.
بالرغم من ذلك، نقول أن الظروف الموضوعية باتت ناضجة لتحقيق المصالحة، اللهم إلاّ إذا وقفت الحسابات الفصائلية الخاصة لتمنع ذلك.
برأيي، إن الانتفاضة الجارية وهي مستمرة حتى باعتراف مسؤولين رسميين إسرائيليين، هذه الانتفاضة تندفع لتحقيق أمرين: الأول تصحيح العلاقة مع الاحتلال، بمعني التخلص ولو بالتدريج من قيود وشروط اتفاقية أوسلو، التي تنصلت منها إسرائيل منذ وقت طويل. وهذا سيقود إلى الانتقال المتدرج أيضاً إلى مربع الاشتباك بأبعاده كافة: الميدانية، والسياسية، داخلياً وخارجياً، ولا يقتصر الأمر على الاشتباك السياسي عبر مؤسسات الأمم المتحدة، بل يعني أيضاً تغيير وظيفة السلطة الوطنية ويستدعي تغييراً لآليات اتخاذ القرار في المؤسسات الفلسطينية بما في ذلك الحاجة لمشاركة الجميع في صياغة القرار وتحمل أعباءه.
في الحقيقة، فإن هذه العملية من شأنها أن تقرب كثيراً المواقف السياسية للفصائل الفلسطينية إزاء كيفية التعامل مع الحقوق الوطنية، وإدارة الصراع مع الاحتلال، وتجعل المؤسسة الفلسطينية الرسمية قادرة على تجاوز الأعباء التي لم تتمكن من تحملها حين كان عليها الالتزام بقيود أوسلو.
لقد سقطت شروط الرباعية الدولية التي كانت تمنع الأطراف الدولية من التعامل مع حماس وقبول مشاركتها في الحكم. فإذا كانت عملية السلام سقطت في درك الفشل بسبب مسؤولية إسرائيل فإن شروط الرباعية تكون قد سقطت تلقائياً.
يبقى القول بأن الدعوة الفعلية التي أطلقها الرئيس عباس تحتاج إلى مبادرة سريعة للحوار، إذ لا يكفي أن تستجيب حركة حماس بالترحيب أو الرفض، ذلك لأن الأمر يستدعي الاتفاق على بقية بنود المصالحة.

