شكّلت الخلافاتُ البينيّةُ العربيّةُ حالةً مواكبةً لتشكّل النظام العربيّ، ومتولّدةً في سياقة، تظهرُ حينًا وتخبو أحيانًا بين هذا البلد أو ذاك، ويعبّرُ عنها بصيغٍ متعدّدةٍ ومختلفةٍ؛ ارتباطًا بمستواها وعمقها، ومن بين هذه الخلافات يعدُّ الخلافُ بين الجزائر والمغرب أكثرها طولًا واستمراريّةً وحدّة، خاصّةً أنّه كثيرًا ما يعبّرُ عن نفسه في صيغة الإجراءات المتضادة بين البلدين، التي تشملُ المجالات كافّةً التي تنسجُ من خلالها شبكة العلاقات بين الدول، مثل سحب السفراء وقطع العلاقات وإغلاق الأجواء أمام الطائرات العسكريّة والمدنيّة، وإبعاد مدنيّين وغير ذلك. وإذا كان من الصحيح أنّ هذا الخلاف في جوهره يمثّلُ نتاجًا لمرحلةٍ استعماريّةٍ طويلةٍ خلّفت بعد اندحارها ألغامًا مدفونةً قابلةً للانفجار بين فترةٍ وأخرى، إلا أنّه من الصحيح أيضًا أن ارتباك العلاقات العربيّة وعجز الإطار الإقليمي المتجسّد في الجامعة العربيّة، إضافةً إلى فشل المشروع الوحدوي العربي في صيغته الشاملة أو الجزئية المتمثّلة في الاتّحادات الإقليميّة، قد وفّر البيئة الحاضنة لمثل هذه القضايا، سواءً بمحدّداتها البينيّة الضيقة أو بعلاقتها مع مجمل السياسة الدوليّة واستراتيجيّاتها المتصارعة.
ولقد شكّلت قضية الصحراء الأرضية والبيئة المنتجة لكل تجلّيات الصراع والخلاف بين البلدين، وهي المشكلة التي أطلت برأسها في سياق الخلافات التي اتّخذت في مرحلةٍ سابقةٍ صيغةَ الصراع المسلح، فيما عرف بحرب الرمال في أكتوبر من عام 1963؛ بسبب مشاكلَ حدوديّةٍ بين البلدين. تلك الحرب التي انتهت في 5 نوفمبر بوساطة الجامعة العربية، ومنظمة الوحدة الأفريقية، التي توصلت لاتفاقيّة وقفٍ نهائيٍّ لإطلاق النار في 20 فبراير 1964 في باماكو عاصمة مالي. لقد خلفت تلك الحرب توتّرًا مزمنًا وكامنًا في العلاقات المغربيّة الجزائريّة، لم يلبث وعبر عن نفسه في قضية الصحراء التي شهدت ثلاث محطّاتٍ بارزةٍ ومؤسّسةٍ للصّراع والخلاف اللاحق، حيث تمثّلت المحطّة الأولى في إعلان جبهة البوليساريو عن نفسها في عام 1973، بينما تمثّلت المحطّةُ الثانية في تسيير المغرب للمسيرة الخضراء السلمية نحو الصحراء الغربيّة في نوفمبر عام 1975، وذلك بالتزامن مع توقيع اتفاقية مدريد الثلاثيّة بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا، حول الصحراء، وإقصاء كلٍّ من الجزائر وجبهة البوليساريو عن المشاركة، ثم كانت المحطة الثالثة التي تبلورت باعتراف الجزائر في آذار/مارس من عام 1976 بالجمهورية العربية الصحراوية. ومنذ ذلك التاريخ صارت قضية الصحراء حاضرةً دومًا في الملفات الإقليميّة والدوليّة كافةً بغض النظر عن الطريقة التي تجسّد حضورها من خلالها، وتعبّر فيها عن نفسها؛ الأمرُ الذي نقل هذا الصراع إلى مستوياتٍ أوسع وأكثر خطورة، حيث باتت قضية الصحراء تنضوي على قابلية التوظيف الهادف إلى تأجيج الصراع بين بلدين عربيين للوصول إلى نتائجَ سلبيّةٍ تمسُّ مستقبل الوطن العربي بشكلٍ عامٍ وبلدان المغرب العربيّ بشكلٍ خاص، وهي المسألةُ التي تجلّت بشكلٍ جليٍّ في استخدامها طُعمًا لاستدراج المغرب وإغراقه في التطبيع المعلن، والمعتمد سياسةً رسميّةً للمملكة، وهي مسألةٌ تمَّ الاشتغال عليها من قبل الولايات المتحدة وأنظمة التطبيع العربي، ثم جاءت اتفاقية التطبيع المغربية الإسرائيلية تتويجًا لهذا الاستدراج، الذي يعني في عمقِهِ نقل المغرب من موقع الخلاف مع الجزائر إلى موقع الاشتغال أداةً في يد تلك القوى لضرب استقرار الجزائر؛ الأمرُ الذي يتجلّى من خلال الاتفاقيّات الموقّعة بين المغرب وإسرائيل على أرضية اتفاقية التطبيع، التي طالت المجالات العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة والتربويّة كافةً؛ بهدف إنجاز عمليّة تحويلٍ بنيويٍّ في وعي المواطن المغربيّ لضمان اصطفافه بشكلٍ كليٍّ لصالح تلك المشاريع. وفي هذا الصدد تبرز ثلاثة مستوياتٍ من الأهداف المتداخلة التي تصبُّ في المجرى ذاته، المتمثّل في تحويل المغرب إلى محطّة استهدافٍ واستنزافٍ للجزائر ولمصلحة إسرائيل، وتتلخّص تلك الأهداف فيما يلي:
أوّلًا: تكريس التعاون العسكري والأمني بين المغرب وإسرائيل، ويتبدى ذلك من خلال تكرار زيارة القادة العسكريين الإسرائيليين للمغرب، ومنها زيارة رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي، وكذلك وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، حيث ركزت تلك الزيارات على تعميق التعاون الأمني بين الطرفين، وكذلك في مشاركة المغرب في مناوراتٍ عسكريّةٍ إلى جانب إسرائيل، وتعزيز الترسانة العسكرية المغربية بأسلحةٍ إسرائيلية، مثل منظومة الدفاع الجوي "براك 8"، ومقاتلات مسيّرة انتحارية، ورادارات، ومنظومات دفاعيّة، وبلورة مشروع لتحسين طائرات إف 5 القديمة التابعة لسلاح الجو المغربي. إضافةً إلى التطبيقات الإلكترونيّة لأغراضٍ أمنيّةٍ واستخباراتيّة، مثل تطبيق بيغاسوس. للتجسّس الإلكتروني، وقد كشفت وسائل إعلاميّة جزائريّة عن تورّط المملكة في استخدام هذا البرنامج لاستهداف هواتف شخصياتٍ عامةٍ، ومسؤولين سياسيين وعسكريين جزائريين، بما يعنيه كل ذلك من توفير الظروف الملائمة لتموضع صهيوني عبر المغرب على الحدود الجزائرية.
ثانيًا: تعميق اختراق القارة الإفريقية من قبل إسرائيل التي باتت تعوّل على المغرب في تكريس وجودها وتعميقه في القارة الإفريقيّة بشكلٍ عام، وفي غرب إفريقيا بشكلٍ خاص؛ الأمرُ الذي عبّر عنه علنًا أكثر من مسؤولٍ إسرائيليٍّ في سياق الحديث عن أهميّة التطبيع مع المغرب، بما يعنيه ذلك من الاستحواذ والتمركز في العمق الاستراتيجي في الوطن العربي من ناحية، ومحاصرة دور الجزائر في القارة الإفريقيّة من ناحيةٍ ثانية.
ثالثًا: استنزاف الجزائر وإرباكها داخليًّا لتسهيل الانقضاض عليها، ويتبدّى ذلك من خلال تصريح وزير الخارجية "الإسرائيلي" في ندوةٍ صحفيّةٍ بحضور وزير خارجية المغرب، الذي أشار فيه إلى الجزائر من الرباط من دون أيّ ردِّ فعلٍ مغربيّ، وإعلان عمر هلال سفير المغرب لدى الأمم المتحدة عن تأييده الصريح لحق سكان منطقة القبائل في تقرير مصيرهم. وكانت السلطات الجزائرية قد اتّهمت حركة استقلال منطقة القبائل (الماك) بالوقوف خلف الحرائق التي التهمت الغابات الجزائرية في مناطق محدّدة، وذلك بدعم من المغرب. وتجدر الإشارة إلى أن من يقف خلف هدف تقويض الاستقرار الجزائري يسعى إلى تقويض المغرب العربي، خاصة وأن الجزائر باتت الدولة الوحيدة القادرة على تأدية دورٍ ينطلقُ من مقتضيات الأمن القومي العربي في المنطقة وعلى مستوى الوطن العربي.
وإذا نظرنا إلى الموضوع من زاويةٍ أخرى، أي من وجهة النظر المغربية المعبّر عنها في كثيرٍ من الكتابات نجد أنّها تصبُّ في المسار ذاته حتّى وهي تتخذُ طابعًا دفاعيًّا عن الذات، فغالبًا ما توصفُ الجزائر بأنّها نظامٌ عفا عليه الزمن، ولم يعد قادرًا على التطوّر وهو مسيطرٌ عليه من قبل الجيش، ولا يمثّلُ الشعب الجزائري، وأن التهديد الأساس للجزائر ناتجٌ عن عجز نظامها السياسي على التطور.. الخ، لذلك يفضل سياسة الهروب إلى الأمام برفع راية العداء للمغرب. إنّ التدقيق في عمق مثل هذه الأطروحات يكشف أنّها تنضوي على مسألتين: الأولى، تجنّب الخوض في القضيّة الأساسيّة المتمثّلة في استدراج المغرب عبر ملف الصحراء للانخراط في اتفاقيات التطبيع. والثانية، تأكيد تلك الأطروحات على التحريض الداخلي والخارجي على الجزائر، بما يخدمُ هدف استنزاف الجزائر وتقويض استقرارها؛ الأمرُ الذي يتوافق واستراتيجية القوى التي تقف خلف ملف التطبيع. لقد أدّت مشكلة الصحراء الغربيّة دورًا كبيرًا في استمرار الصراع والخلاف بين البلدين، وجاء ملف التطبيع بما ينضوي عليه من استهدافٍ واضحٍ للجزائر ليعمّق الخلافات، ويزيد من مخاطر تحوّلها إلى صراعٍ مفتوحٍ على كلّ الاحتمالات، وبما ينضوي عليه ذلك من مخاطر تمسّ مستقبل الأمّة في العمق، وبات من الجلي صعوبة فكّ ملف الصحراء عن ملف التطبيع، خاصّةً من ناحية المغرب التي استدرجت إلى هذا الموقع.

