أسهلُ شخص من الممكن استفزازه مرَّ في حياتي على الإطلاق كان رفيقَ العمل الطويل والزمالة في مجلة الهدف الصديق المثابر أحمد جابر؛ يكفي أن تطرح أمامه فكرة ما، جملةً لا تعجبه لكي يحتدم النقاش ويرتفع منسوب التوتر لديه... فلنقل مثلاً أنك تنتقد مقولة لغرامشي، أو تبدي عدم إعجابك بأداء جوليا روبرتس، أو بفيلم ما حتى ينتفض غاضباً للدفاع...
في أحد الأيام زارنا شاب في مقر مجلة الهدف بمخيم اليرموك، هو واحد من أولئك الذين يبدأون مسيرتهم لدخول عالم الفن والثقافة بإطلاق جدولة لشَعره وتنظيم نسق لحية خفيفة وحفظ أسماء بعض الكتاب والشعراء شفهياً، وما يتطلبه ذلك من ازدراء أعلام كمحمود درويش وغسان ونزار وماركيز وجبرا... أحمد الذي يعمل على الكمبيوتر كان يستمع للشاب الذي صرح بثقة؛ إن الاحتفال السنوي بذكرى غسان كنفاني لا يعد كونه همروجة مبالِغة في المديح والتلميع لكون غسان كاتب عادي وغير مبدع...
شخصياً توقعت بأن يقف أحمد ويسحب كرسي الكمبيوتر ذا العجلات ويبدأ غاضباً بمهاجمة الشاب بغضب حديث التثقف، إلا أنه لم يفعل، فقد فاجأني حين التفَّ بالكرسي مبتسماً وبادره بقوله"هاي أول مرة بدي أهدي حالي... ليش غسان مش مبدع.... شو اللي ما عجبك بكتاباته...".
رد الشاب: كلها.
فتابع أحمد: أعطني مثلاً، ثم ظل يشدد على ذلك حتى اعترف لنا بأنه لم يقرأ لغسان أي كتاب قط!
خرجت من الغرفة ممتعضاً كي لا أخطئ بردَّة فعلي، وظل أحمد يحاور الشاب لأكثر من ساعة.
غادرت المكتب بعد ساعة، وإن هي إلا أيام حتى التقيت أحمد ماشياً على شارع اليرموك وهو يحمل كتباً لغسان، أخبرني بأنه سوف يهديها للشاب ذي جدولة الشعر الذي استفزني قبل أيام...
دافع عن استغرابي لموقفه بأن دفعه للقراءة خير من قمعه وازدرائه، فأجبته ممازحاً بقولي: يعني كيف نزل عليك كل هالهدوء، عموماً هذا جيد وإن شاء الله.. الله بهديك.
رد ممازحاً: لا، بس لأسبوع واحد.
كان النزق الغضوب لدى أحمد جميلاً، ينطلق من تمسكه بقناعات نظرية فكرية ووطنية وفلسفية، لا شيء آخر، فهو يتمسك بالفكرة، يدافع عنها بقوة وصخب شهير، ولا يستهين أو يستكين أو يهادن؛ لا سيما حين يتعلق الأمر ب فلسطين والثورة، لقد سجل خلال حياته نموذجاً للشخصية الثورية المثقفة التي تقاتل من أجل الفكرة، وهو ما يتضح جلياً في مختلف كتاباته السياسية والثقافية والنظرية.
منذ نحو سبعة عشر عاماً على ما أذكر شعر بنقص وتراجع فلسطيني ما بخصوص متابعة شؤون العدو المختلفة، فاستشارني بجدوى تعلم العبرية، مما دفعني لإحضار كتابين شعبيين بعنوان تعلم العبرية وأهديتهما له فاغتبط بهما، وكان ذا إنجليزية جيدة أيضاً؛ فتابع منشورات وكتب العدو وصحافته حتى آخر ساعة في حياته.
نذر أحمد جابر حياته من أجل فكرته وانتمائه وهموم شعبه وقضيته، وظل متمسكاً بقناعاته، لا يزيحه عنها أي لوم أو خطر أو مصلحة شخصية، ولطالماً طلبت منه تخفيف اللهجة في كتاباته مراعاة لتواجده القسري جغرافياً، فلم يختلف في صراحته الشجاعة، ولم يحِد...
غاب رفيقي عن الحياة مؤخراً متمسكاً بذلك النزق؛ نزق أحمد جابر المميز الحقيقي الجميل...

