في 5 شباط من العالم 2003، وقف كولن باول أمام مجلس الأمن، يشير بأنبوب اختبار صغير يحتوي على مسحوق أبيض، ليؤكد أنه يقدم أدلة وصفها ب "الدامغة" آنذاك عن إخفاء نظام صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل، وأنه يواصل خروقاته المادية لقرار مجلس الأمن 1441 (2002)، ولكن هذا الكاذب، لا بل المجرم، أي باول الذي أعلن ندمه فيما بعد، قال أمام مجلس الأمن آنذاك أن العراق لا يستحق منحه فرصة أخرى، ودعا إلى الاستجابة للتحدي الذي تفرضه المسألة العراقية، متهما نظام صدام حسين بعلاقته مع تنظيم القاعدة.
هذه الكذبة لا بل الجريمة الأمريكية، كلفت العراق الوطن والشعب ثمنا باهظا، لا يزال يدفعه العراق الوطن والشعب حتى اليوم وأيضا في المستقبل، لأن ما ارتكبته أمريكا وبريطانيا وأستراليا وبولونيا وغيرهم من كهنة الحرب في عصرنا من حلف الناتو، سيترك أثره أيضا على المستقبل القريب والبعيد لعراق الوطن والشعب، هذه الكذبة، لا بل المؤامرة ضد العراق الوطن والشعب والتي قامت بها الولايات المتحدة وبريطانيا خاصة، كلفت الشعب العراقي والوطن العراقي صاحب التاريخ الإنساني العريق ثمنا باهظا لا يزال يدفعه حتى اليوم واستمرار وجود بعض القواعد العسكرية الأمريكية في العراق واستمرار وجود عملاء لإسرائيل في شمال العراق وشمال سوريا، لأكبر دليل على أن جرائم الغرب الإمبريالي العالمي والأخطبوط الصهيوني العالمي ما يزالان يمارسان سياسات اِضعاف وتمزيق وتهميش دور العراق في منطقة الشرق الأوسط والأدنى، ولكن صمود الشعب العراقي بكل مكوناته سيعيد وحدة العراق من أجل القيام بدوره الايجابي في منطقة الشرق الأوسط والأدنى.
وهنا أذكر بأنه كان للعراق دور ايجابي في خلق وإعادة العلاقات بين السعودية وإيران وبالتعاون مع الصين التي قامت بدور مركزي في هذه العملية، أي التقارب السعودي الإيراني، وهذا التطور لا يروق لحكام الولايات المتحدة ودول حلف الناتو ولا لإسرائيل، ومثل على ذلك استضافة إسرائيل لابن شاه إيران الذي ارتكب أبشع الجرائم ضد الشعب الإيراني بمساعدة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي العقود الأخيرة شغلت حملة "مكافحة الإرهاب الدولي" المكان الرئيسي في الدعاية السياسية للخارجية الأمريكية، في حين تستمر الولايات المتحدة دعم قوى الإرهاب والانفصال في العراق وسوريا، لا بل واحتلت الولايات المتحدة العديد من آبار النفط، وتقوم بالتعاون مع المنظمات التي تسعى إلى تمزيق سوريا ببيع والتجارة بهذا النفط، الذي يعود للشعب السوري، الذي يعاني ويقاسي من الحصار الاقتصادي المستمر الذي تفرضه الولايات المتحدة ضدها (قانون قيصر)، فالولايات المتحدة في سوريا تمارس سياسة الحصار، والسرقة ودعم الإرهاب.
وفي الغرب الإمبريالي الصهيوني يحاولون بكل الوسائل، وخاصة في واشنطن وإسرائيل طي "مآثر" وكالة المخابرات المركزية الامريكية وحليفتها الاستراتيجية المخابرات الاسرائيلية والصهيونية العالمية وخاصة منظمة "إيباك" وكهنة الحرب المحافظون الجدد، طي "مآثر"، لا بل طي الأعمال الاجرامية لهذه المؤسسات التي تخدم طبقة رأس المال المتوحش - طبقة وشركات صناعة السلاح وتجار النفط، الذي ينطبق عليهم اسم التجار بدم الشعوب، ولكن الدراسة والتأمل بدقة في أحداث الماضي يساعدنا على كشف خيط غير مرئي للوهلة الأولى، لا بل سلسلة من جرائم الإمبريالية العالمية، وخاصة الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل القاعدة الأمامية للإمبريالية العالمية في الشرق الأوسط ،لا بل وفي العالم أجمع، والكشف مؤخرا عن ما يُدعى "خورخى" المنظمة التي تدخلت بشكل تخريبي في انتخابات 30 دولة لأكبر مثل على ذلك.
وهنا بودي أن أعود إلى الوقائع وإلى تلك الأزمنة التي خطت فيها وكالة المخابرات المركزية خطواتها الأولى في مجال "الدبلوماسية السرية". هكذا يسمى الإرهاب الدولي بحياء لدى أباء وكالة المخابرات المركزية في منطقة الشرقين الأوسط والأدنى.
إن منطقة الشرقين الأوسط والأدنى الغنية بالنفط والشديدة الأهمية من الناحية الجيوسياسية الاستراتيجية، أصبحت محط اهتمام كبير لدى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية حال تأسيسها في عام 1947. وأعير في البيت الأبيض في نهاية الأربعينيات، اهتمام خاص لتوطيد مواقع الولايات المتحدة في العراق التي توجهت إليها أنظار احتكارات النفط الأمريكية المتعطشة لدى انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وكان من الضيوف الدائمين لبغداد في ذلك الوقت هوارد بيج "الدبلوماسي النفطي" مندوب شركة "ايكسون"، الذي كانت وزارة الخارجية الأمريكية تحصل منه على المعلومات الأساسية عن الوضع الداخلي في بلدان الخليج العربي. وكان عدد أعضاء مكتب وكالة المخابرات المركزية لدى الممثلية الأمريكية قليلا، وقد خطى في العراق خطواته الأولى منشغلا بتجنيد عملاء محليين وإدخال "رجاله" في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية للبلاد، وهذا ما تقوم به المخابرات الأمريكية أيضا الآن في العالم العربي، وكذلك المخابرات الإسرائيلية، الذي صرح مسؤولها كوهين بأن المخابرات الإسرائيلية تسعى لتهدئة الوضع في السودان ، هذا إن لم تكن تفعل غير ذلك.
وهذه السياسة تُمارس بحنكة وخُبث، وهنا أذكر ما قاله رجل المخابرات الأمريكي ويلبر ايفلاند، متذكرا في كتابه "قصور من الرمال: اخفاقات أميركا في الشرق الأوسط": "أن عدد موظفي مكتب وكالة المخابرات المركزية، الذي عمل في العراق تحت الستار الدبلوماسي كان قليلا إلى درجة أن كلا سكرتيريه اضطرا حتى إلى الانشغال بتنظيم الاتصالات واللقاءات مع العملاء في شقق سرية".
وللأسف ما زال عمل الولايات المتحدة، وكذلك إسرائيل تعمل في الدول العربية (مثل السودان والعراق ولبنان)، وهنا أيضا من خلال عملاء محليين يمارسون أعمالهم في الشرق الأوسط، وراء قناع دبلوماسيين ومدرسين جامعات وعلماء آثار وحتى تحت ستار منظمة "اجتماعية" هي "جمعية أصدقاء أميركا في الشرق الأوسط".
"جمعية أصدقاء أمريكا في الشرق الأوسط"، منظمة أميركية تأسست في عام 1951، وكانت لها فروع في مصر وسوريا والمغرب وتونس وليبيا والأردن، وكان "الأعضاء النشطاء" في هذه الجمعية يقومون بأعمال التخريب والتجسس، بحجة تعزيز العلاقات الثقافية بين الولايات المتحدة والبلدان العربية، وكان كيرميت روزفلت عميل المخابرات المركزية رئيسا لهذه الجمعية.
وقد مارس هؤلاء العملاء في العراق خاصة، نشاطا هداما ضد حكومة هذا البلد. يكفي أن نذكر دور حكومة نوري السعيد وتعاونه مع الحركة الصهيونية من أجل تهجير يهود العراق إلى فلسطين (هذا الموضوع يجب أن تكون له دراسة خاصة).
ووضع رجل المخابرات ديك كيرين رئيس فرع وكالة المخابرات المركزية في العراق ملفات عن ضباط الجيش العراقي لتجنيدهم فيما بعد وتتبع بدقة المثقفين ذوي الميول المعارضة. وبقدر ما تطورت وكالة المخابرات المركزية بثبات، تحولت هذه المؤسسة من جهاز مخابرات للدولة إلى أداة فعالة للإرهاب الدولي الذي أصبح جوهر "دبلوماسية القوة" للولايات المتحدة.
(يتبع)

