Menu

أين تتجه تركيا؟

الانتخابات التركية: بين تحالف الجمهور وتحالف الأمة

موسى جرادات

في الرابع عشر من هذا الشهر، ذهب الأتراك لصناديق الاقتراع، لانتخاب رئيس جديد للبلاد، واختيار ممثليهم في مجلس النواب، تحضيرا للمئوية الثانية من عمر الجمهورية التركية الحديثة.
ومن نافل القول: أن هذه الانتخابات تعدت حدود البلاد، لتصل إلى ترقب إقليمي ودولي بنتائجها. 
هذا الترقب في مسار خيارات الشعب التركي، مرده أن نتائج الانتخابات ستنعكس على دول الإقليم، وبالتالي على مسار التحولات التي تجري عالميا. 
لقد أفضت نتائج الانتخابات إلى جولة إعادة في عملية اختيار الرئيس القادم، وانحسرت المنافسة بين الرئيس التركي الحالي رجب طيب اردوغان ممثلا لتحالف الجمهور، وبين كمال كلشدار أوغلو ممثلا لتحالف الأمة، في ٢٨ من هذا الشهر، فيما نتائج انتخابات مجلس النواب النهائية قد أدت إلى فوز تحالف الجمهور بأغلبية طفيفة. 
الانتخابات التركية قراءة في النتائج 
عكست الانتخابات التركية جملة من المؤشرات العامة، على صعيد بنية النظام السياسي التركي، حيث أظهرت تلك النتائج، حيوية هذا النظام، وقدرته على استقطاب هذا العدد الكبير من المصوتين، حيث بلغت نسبتهم ٨٧ % ممن بحق لهم التصويت، بواقع ٥٤ مليون صوت من أصل ٦٥ مليون ناخب بحق لهم التصويت، وبغض النظر عن مجريات توجهات الناخب التركي، في خياراته الانتخابية، فالأرقام تدلل على اقتناع الناخب التركي بنظامه السياسي، وخياره الديمقراطي، واقتناعه أيضا أن صناديق الاقتراع هي التي تحدد بالنهاية شكل النظام السياسي الذي يريده. فيما تبقى مكونات التحالفات السياسية التي انخرطت في العملية السياسية، العنوان الثاني الذي يظل محط جدل ونقاش عام، ويحمل آراء مختلفة، سيما أن مكونات مختلف التحالفات السياسية التي انخرطت في العملية الانتخابية، هي خليط من القوميين والليبراليين العلمانيين والإسلاميين واليساريين، وإن كانت بنسب متفاوته، فتحالف الجمهور بزعامة أردوغان وتحالف الأمة بزعامة أوغلو، احتشدت تحت مكونات إيديولوجية متعددة، وهذا يظهر أيضا قدرة التجربة السياسية التركية، على بناء تحالفات سياسية بين تكتلات إيديولوجية مختلفة تحت مظلة العنوان العام وهو المصلحة الوطنية العليا. 
وهنا لا يمكن قراءة النتائج الانتخابية ومقارباتها، إلا تحت مظلة التجربة التركية ذات الخصوصية، وأي قراءة أخرى تنم عن عدم فهم لهذه الخصوصية وتنوع مشاريعها ومشاربها، وبغض النظر عن شخصية الفائز في الانتخابات الرئاسية بعد أسبوع، ومدى قدرته على أحداث فروقات نوعية في مسار هذه التجربة، إلا أن حقيقة ثبات النظام السياسي المحمول بأجندات إيديولوجية ومشاريع سياسية وقوى مدنية لها تمثيل شعبي حقيقي، ثبات يؤكد على أن الخيار الديمقراطي هو الخيار الوحيد المطروح اليوم وبقوة، وبهذا تكون تركيا، أمة ودولة، قد رسخت هذا الخيار.
قضايا التنافس الانتخابي 
لم تغفل مختلف التحالفات السياسية المتنافسة، القضايا التي تعتبر من أولويات الشعب التركي، كالملف الاقتصادي، حيث تعيش تركيا أزمات اقتصادية، تعنونت بمؤشرات التضخم، وفقدان العملة التركية قيمتها، وكذلك الزلزال وما خلفه من خسائر بشرية ومادية، إلا أن مسارات ومقاربات  حل تلك الأزمات، اختلفت من تحالف إلى آخر، فتحالف الجمهور بزعامة أردوغان، قدم تصوراته ضمن نطاق ما أفرزته التجربة السابقة في العشرين سنة الماضية، وقدم الوعود بصعود ونمو الاقتصاد التركي على المستوى العالمي في السنوات الخمس القادمة، مستندا إلى عدة مؤشرات فعلية، تتعلق بالاكتشافات النفطية، وحقول الغاز، وكذلك نهضة الصناعات الوطنية، المدنية منها والعسكرية، والتي ستمنح لتركيا فرصة لتخلص من حالة الاستتباع للقوى الدولية، ويضمن للاقتصاد التركي هامش من الاستقلالية، فيما يركز تحالف الأمة على خيارات اقتصادية تتعلق بعقد مصالحة مع القوى الغربية، بعد عقدين من التوتر، حيث يرى هذا التحالف أن المصالحة وتوافق الرؤى والمقاربات مع القوى الدولية الغربية، سيمكن تركيا من نهوضها الاقتصادي، ويضعها في مصاف تلك الدول، وتكشف تلك التناقضات بالرؤى بين التحالفات المتنافسة، على خيارات الهوية، حيث تتوسط تركيا جغرافيا، بين العالم الإسلامي وبين الغرب، حيث تحالف الجمهور يرى ويقدم نفسه ممثلا لهوية العالم الإسلامي، الذي يرى فيه أيضا حاضنته الاقتصادية والسياسية والثقافية، فيما يرى التحالف الثاني تحالف الأمة بأنه امتداد للتجربة الغربية الحديثة، وبدون شك فإن خطوط التنافس المحموم اليوم بين تلك القوى، تجعل من التجربة التركية محط ترقب دولي إقليمي، وعلى أهمية نتائج الانتخابات الرئاسية في جولة الإعادة، ففائز فيها هو الذي يحدد أي الخيارين سينتصر.
ملف اللاجئين في ميزان الانتخابات 
بدون شك تحول ملف اللاجئين وبالتحديد السوريين منهم، إلى ملف انتخابي، لكل القوى السياسية التركية، حيث يستخدم هذا الملف؛ في الحملة الانتخابية، باعتباره قضية مصيرية تتعلق بكينونة الشعب التركي، لهذا لم يشذ عن تقديم الحل لهذا الملف الساخن، أي من القوى المتنافسة، وأن اختلفت آليات الحل، فتحالف الجمهور بزعامة اردوغان، يرى بضرورة العودة الطوعية للاجئين السوريين، فيما يرى تحالف الأمة، أن العودة ملزمة خلال سنتين، في حال فوز أوغلو بالرئاسة، وما بين تلك الحلول المقدمة، نرى أن هذا الملف محمول بمناخات وظروف، يلعب فيها العامل الدولي دورا مؤثرا وحاسما بها، حيث تتشارك تركيا مع العديد من الدول المجاورة ل سوريا في تحمل اعباء اللجوء السوري، وأن أي حل لهذه الأزمة تفترض وجود توافق دولي عليها.
لهذا فإن طرح ملف اللجوء السوري في تركيا، هو مجرد تكتيك آني لكل القوى السياسية المتصارعة، مع الأخذ بعين الاعتبار، أن اللاجئين السوريين في تركيا، يمثلون الأيادي العاملة الرخيصة في الصناعة التركية المتنامية، والتي تصب في خدمة الاقتصاد التركي على العموم، وبالتالي، فإن أرباب العمل الأتراك سيكون لهم الدور الحاسم في تسخين أو إطفاء هذا الملف من أجندات الحكومات التركية المستقبلية، بغض النظر عن شخصية وخيارات الفائز بها. 
بقي الإشارة إلى أن مختلف الأحزاب التركية ومهما كانت مرجعياتها الفكرية، تقدم نفسها وضمن أبياتها المكتوبة، بأنها أحزاب علمانية، منها من يقترب من الإسلام كهوية مرجعية، ومنها من يتصالح مع تلك الهوية، ومنها من يريد الانفكاك، لكن الغلبة تبقى للتصالح مع تلك الهوية، وهذا ما رأيناه من تلك الأحزاب طوال فترة التنافس الانتخابي، ويبقى اليوم الحاسم يوم الانتخابات هو اليوم الذي سيحدد فيه الناخب هوية الفائز وهوية الخيار المنتصر، بعد سقطت كل استطلاعات الرأي في نتائجها الزائفة التي قدمتها قبل الانتخابات.