تعودنا دائما أن لا نسأل عن موقف بلد ماوتسي تونغ من القصية الفلسطينية، فالأمر ظل بالنسبة للشعب الفلسطيني تحصيل حاصل، فهي الصديق الأقرب للشعب الفلسطيني ولطالما تنافست مع الاتحاد السوفييتي على تمتين العلاقات مع الثورة الفلسطينية وفتحت أبوابها على مصراعيها لفصائل الثورة الفلسطينية جميعا، بما في ذلك حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس وحركة الجهاد الإسلامي، ولا زال الاعتقاد سائدا أن عدو عدوي صديقي وأن الصين هي العدو اللدود للولايات المتحدة، وبالتالي من المفترض أن تكون الصديق الحميم ل فلسطين وشعبها والعدو اللدود لدولة الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية.
صحيح أن الصين لا زالت تعلن تأييد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وتعلن تأييدها في كل مناسبة، وحيث يمكنها وتستقبل الرئيس الفلسطيني وتتحدث عن دور الوساطة بعد أن كانت تقوم بدور الحليف، فصين اليوم ليست على الإطلاق صين الثورة، بل صين طريق الحرير وصين السلع المنتجة لصالح الغير وحجم تبادلها التجاري مع الولايات المتحدة، ذلك أن حجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة وصل في العام 2020 إلى 586 مليار دولار، وأن الصين تملك من سندات الخزانة الأمريكية حوالي 860 مليار دولار في مطلع العام 2023، بينما كان حجم التبادل التجاري بين الصين ودولة الاحتلال في العام 2020 أكثر من 17 مليار دولار. ونقلا عن واشنطن بوست، فإن الصين عبر شركاتها تشارك وتشغل عديد الأنشطة في البنية التحتية في دولة الاحتلال بقيمة 4 مليار دولار، وأن الصين تملك واحدة من أبرز وأهم الشركات الإسرائيلية وهي شركة تنوفا، وكذا واحدة من أبرز شركات التجميل وهي شركة أهافا، التي أنشئت في قلب المغتصبات المقامة على أراضي الضفة الغربية المحتلة، والتي لا تعترف الصين باحتلالها.
لا شيء سوى الكلام إذن والدعم اللفظي، ليس من الصين وحدها، بل عديد الدول التي لا زالت تعلن أنها صديقة للعرب وللشعب الفلسطيني، لكن واقع الحال يقول خلاف ذلك، فلغة المصالح تبين حجم التبادل التجاري وحتى حجم مشتريات السلاح مباشرة أو بواسطة وسطاء من دولة الاحتلال، وبما في ذلك دولا عربية وإسلامية، وأن حجم صادرات إسرائيل من الأسلحة في العام 2022 بلغ 11,3 مليار دولار.
لا يفعل العرب شيئا على الإطلاق، فرغم الفارق الهائل بين الدول العربية ودولة الاحتلال، من حيث الثروات وحجم السوق والقدرات المالية، إلا أن أحدا في العالم لا يعنيه استرضاء العرب، وقد يكون السبب أن أحدا في العرب لا يعتقد بأحقيته بذلك، وأن هناك شعورا خطيرا بالدونية يجعل العرب باحثين دوما عن رضا الآخرين عليهم، ولذلك تراهم يقدمون التنازل تلو التنازل للآخرين وبلا مقابل، وقد يكون استقبال سيد البيت الأبيض للبعض هو أقصى أحلامهم ولا شيء أكثر، وأن يشرفهم يوما بزيارته ليبتزهم كيفما يشاء.
لكن الخطورة تأتي من أولئك الذين لا زال الاعتقاد بصداقتهم قائما، فمن هو المسئول عن تطور علاقة الصين وروسيا بدولة الاحتلال على حساب علاقتهم بالفلسطينيين وقضيتهم وتراخي التأييد الثابت لحقوق الشعب الفلسطيني، وعلى العكس ففي واقع الأمر انحازت الصين عمليا إلى جانب دولة الاحتلال، فهي تبنت رسميا فكرة أن دولة الاحتلال تمثل الحضارة اليهودية، وهي بذلك أيدت فكرة يهودية الدولة، وتأكيدا لذاك فإن وزير الخارجية الصيني، تشيان تشي تشن، في أول خطاب رسمي صيني، على تطبيع العلاقات عام 1992، قال، "أؤمن بأن الأمة الصينية والأمة اليهودية دولتان عظيمتان قدّمتا إسهامات ملحوظة في الحضارة الإنسانية، وستكونان قادرتين على تقديم مساهماتٍ جديدة للسلام والتنمية العالميين".
هذه هي الصين الصديق الخارق الأول حتى لقرارات الأمم المتحدة حول مقاطعة شركات المغتصبات كشركة أهافا ومقاطعة أوروبا لشركة تنوفا وكلاهما أصبحتا ملكا للدولة الصينية، ولم تعد المقاومة الفلسطينية حقا مشروعا وعادلا للشعب الفلسطيني في نظر صين اليوم، بل وعلى لسان المتحدثة بلسان وزارة الخارجية أثناء الحرب على غزة عام 2012، حيث قالت أن الصين تعارض "جميع أشكال الإرهاب، وتدين أي أعمال تضرّ بالمدنيين الأبرياء". وفي إمعان أسوأ تابعت تقول "الصين تحث الأطراف المعنية في كل من إسرائيل وفلسطين على وقف استخدام العنف لتجنب تصعيد التوترات مرة أخرى في المنطقة".
وفي التصعيد العسكري عام 2014، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية آنذاك، هونغ لي "نعتقد أن القوة والعنف لن يحلا القضية، ولكنهما سيؤديان فقط إلى تفاقم الكراهية بين الطرفين". وفي 2021 على إثر معركة سيف القدس ، قال وزير الخارجية الصيني، وانغ يي "الصراع المتصاعد بين إسرائيل وفلسطين أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين عديدين، وهناك حاجة ماسّة لوقف العنف، وعلى الجانبين وقف الأعمال العدائية".
والسؤال يبقى هل نذهب إلى الصين؟ أم نأتي بها إلينا من بوابة فلسطين؟ وهل نستطيع إغلاق المعابر التي فتحت على مصراعيها بين الصين ودولة الاحتلال؟ وهل الأمر يقتصر على الصين فقط؟ أم هناك ما هو أسوأ؟ وإلى أين يمضي قطار صمتنا ومهادنتنا وتوسلنا إن واصلنا الحال على ما نحن عليه؟
فقد لا نجد غدا على الأرض من يحمل رايتنا، إلا أطفالنا ولا نجد، إلا صوت الشفقة إن بقي لها وجود، فلا أحد يقف إلى جانب الضعيف الصامت القابل بقدره وهو ما نحن عليه في تعاطينا مع كل دول العالم أعداء وأعداء، فلا أصدقاء بالمطلق اليوم لفلسطين وشعبها، والأمر لا يخص الغائبين من العالم، بل الصامتين الغافلين منا.

