عندما تجتمعُ الحكومةُ الصهيونيّةُ في نفقٍ تحت المسجد الأقصى في ذكرى احتلال مدينة القدس في تحدٍّ سافرٍ للفلسطينيين والعرب والعالم، فإنّ وراء هذا الاجتماع دلالاتٍ كثيرةً ورسائلَ متعدّدةَ الاتجاهات توجّهها وتتفاخرُ بها حكومةٌ فاشيّةٌ عنصريّةٌ تطبّقُ نظام الأبارتهايد سيّئ الصيت والسمعة. دلالاتٌ تمتدُّ في عمق التاريخ ولا تتوقّف عند النكبة الأولى التي كشفت الكثير من التواطؤ الذي مارسته الأنظمة العربيّة.
طيّرت نكبةُ العرب الأولى أكثر من نصف مساحة فلسطين، وأسّست دولة الاحتلال الصهيوني بمؤامرةٍ بريطانيّةٍ دوليّةٍ تمّ الإعلان عنها منتصف مايو/أيار 1948 وشهدت مجازر بشعة ضدّ الشعب الفلسطيني تُذكّر بجرائم النازية الهتلريّة والفاشيّة الموسيلينيّة بتهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني، وسرقة الممتلكات والاستيلاء على المنازل والمزارع والأراضي. هذه الفاجعة أصّلت النكبة الثانية في الوطن العربي مع إهمال مسببات النكبة الأولى وتناسيها، وترك الجرح الفلسطيني/العربي ينزف طوال 75 عامًا حتى تقيّحت مفاصل الأمّة ووهن جسدها، وأصبح التهجير واللجوء أمرًا مقبولًا في مختلف البلدان العربيّة، وصار إحراق المدن والقرى وارتكاب المجازر من اليوميات الاعتياديّة لهذه الأمّة، حتى تقطّعت الأوصال وأصيبت دولٌ مركزيّةٌ، مثل سوريا والعراق بداءِ التجزئة وتفتيت المفتّت والخراب والاحتراب الداخلي، وعانت دولٌ عربيّةٌ لها اعتباراتها، على المستوى القومي والاستراتيجي، من تردي أحوالها الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة؛ فشاع الفقر والبطالة والمرض، وأضحت كل هذه الدول وغيرها، مثل لبنان و السودان والصومال دولًا فاشلةً غيرَ قادرةٍ على إطعام مواطنيها ولا إيوائهم ولا تعليمهم ولا تطبيبهم، ليعمَّ الخرابُ وينذرَ بزحفه نحو البلاد التي تتمتّع بموارد طبيعيّة، وقد بدأ الزحف في صورٍ شتى، منها البطالة وتآكل الطبقة الوسطى واستفحال الفساد.
في النكبة الأولى، قتل الصهاينة بالتواطؤ والتآمر مع الانتداب البريطاني وبعض الأنظمة العربية أكثر من 10 آلاف فلسطيني، ومنذ ذلك الوقت تمّ قتل أضعافٍ مضاعفةٍ من الفلسطينيين والعرب. فبعد تسعة عشر عامًا تمّ احتلال باقي فلسطين بما فيها شرقي القدس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وشبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية، فيما صار يعرف "بنكسة" الرابع من حزيران 1967، ليشرّع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في إعادة بناء الجيش المصري الذي دمّر الكيان الصهيوني أغلب تشكيلاته في حرب الأيّام الستة، ولتبدأ حرب الاستنزاف التي هيّأت لحرب أكتوبر المجيدة 1973 التي هُزِم فيها جيش الاحتلال الصهيوني وسقطت مقولة "الجيش الذي لا يقهر"، حيث تمّ تحرير بعض الأراضي التي تمّ احتلالها في حرب حزيران.
بيد أنّ انتصار أكتوبر العسكري لم يستثمر سياسيًّا؛ فتحوّل إلى فرصةٍ للكيان الصهيوني استثمرها بحدّها الأقصى على شكل مفاوضاتٍ مع مصر، وهو إعلانٌ صريحٌ على عجز النظام الرسمي العربي وعدم قدرته على إدارة المعركة وعلى تعلم درس النكبة الأولى وفشله في التعاطي مع تبعات نتائج النكبة التي قادت إلى عجز هذا النظام في التعاطي مع القضايا الرئيسيّة والمحوريّة، ليس على المستوى الإقليمي العربي فحسب، بل أيضًا على المستوى القُطري الوطني بجمود برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية وخططهما، وما تلاها من ظواهر البطالة والفقر والمرض وتردي التعليم والصحي والبنى التحتية.
يسجّل التاريخ أن الثامن والعشرين من أكتوبر عام 1973 كان يومًا مشؤومًا باعتباره يؤرّخ للتطبيع العلني الذي قاد إلى اتفاقات كامب ديفيد بين الكيان و مصر وخروج الأخيرة من الصراع العربي الصهيوني، وتحوّلها إلى وسيطٍ بين الكيان والفصائل الفلسطينيّة! لقد حدث ذلك في خيمةٍ تابعةٍ للأمم المتّحدة عند الكيلو 101 على طريق القاهرة - السويس، حيث ترأّس الجانب المصري الفريق محمد عبد الغني الجمسي، بينما ترأس الجانب الصهيوني الجنرال أهارون ياريف. تركزت المباحثات "حول وضع الأسرى والجرحى عند الطرفين، ومسألة تزويد مدينة السويس والجيش المصري الثالث بالمواد الغذائية وماء الشرب، وتحديد المواقع التي يمكن أن ترابط فيها قوات الطوارئ الدوليّة، ورسم خطوط 22 أكتوبر لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي"، وفق ما أشارت له العديد من المصادر المصريّة والدوليّة.
خروج مصر السادات على الإجماع العربي والبدء في التطبيع ضرب مسمارًا في نعش وحدة الموقف العربي، وأدى لنقل مقرّ الجامعة العربيّة من القاهرة المحاذية جغرافيًّا والواقعة على خط التماس مع فلسطين المحتلّة، إلى تونس في شمال غرب إفريقيا والبعيدة جغرافيًّا عن فلسطين، وهي انتقالةٌ لها دلالاتها السياسية والاستراتيجية في عملية الصراع مع العدو الصهيوني. أسست المفاوضات المباشرة بين الكيان ومصر مسببات الغزو الصهيوني الأوّل لجنوب لبنان، وتشكيلًا في الشريط الحدودي مع فلسطين "دويلة لبنان الجنوبي" بقيادة الجنرال العسكري المنشق عن الجيش اللبناني سعد حداد، الذي كان يتلقى الأوامر من جيش الاحتلال الصهيوني، ليبقى شوكةً في خاصرة لبنان وقوات الثورة الفلسطينيّة التي تمركزت هناك بعد مجازر أيلول 1970. ولم يكن غريبًا تزامن الغزو الصهيوني للبنان في صيف 1982 مع التوقيع على اتفاقات كامب ديفيد وتحييد أكبر دولةٍ عربيّة؛ إذ كانت جحافل الغزو الصهيوني وطيرانه تقصف المناطق اللبنانية وتتوجه إلى العاصمة اللبنانية بيروت، بينما كان النظام الرسمي العربي يتفرّج في بعض الأحيان ويتواطأ ويتآمر في أحيانٍ كثيرةٍ على الثورة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة اللبنانيّة. لكن بيروت صمدت أكثر من ثمانين يومًا كبّدت فيها القوات المشتركة خسائرَ فادحةً لقوات الغزو الصهيوني، وقلعةُ شقيف شاهدةٌ على تلك الملاحم كما معارك مثلث خلدة والحمام العسكري ومنطقة السفارة التونسية ورأس النبع وغيرها من المناطق اللبنانية التي طالتها يد الغدر الصهيونية وأعوانها.
لم تنكسر الإرادة المقاوِمة رغم الخذلان الرسمي العربي وتواطئه، ورغم إجبار قوات الثورة الفلسطينية على مغادرة بيروت إلى الشتات. فقد كانت إرادة التحرير متوهجة، وكانت دروس النكبة و"النكسة" تتفاعل مع كيمياء المقاومة، بينما كان النظام الرسمي العربي يهرولُ نحو النكبة الثانية المتمثّلة في التطبيع وعقد الاتفاقات مع الكيان الصهيوني، بعضها تحت الطاولة وبعضها فوقها، والتحالف معه ضد إرادة الشعوب العربيّة، وذلك لتمارس هذه الأنظمة هروبًا شبه جماعيٍّ من تبعات فشلها في إدارة دولها على الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كافةً، بهدر الثروات الطبيعية وغير الطبيعية والعجز البائن في تحقيق الحد الأدنى من التنمية الاقتصادية، وفشها في تحقيق المتطلبات الدنيا للتعليم والصحة والبنى التحتية.
بدلًا من تحقيق الرفاء والازدهار والتقدّم، أغرقت النظم الرسميّة العربيّة مجتمعاتها في جحيم الفشل المتراكم والعجز المتكرّر على حساب إنجاز المهمات الأساسيّة، ويتجلّى ذلك في حجم المديونية المهول الذي رهن بلداننا إلى المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين، حيث تعاني الدول العربية من دينٍ عامٍّ مرعبٍ يبلغ 1.5 تريليون دولار في عام 2022، تتربع مصر على رأس قائمة المديونين العرب بدين عام يبلغ 409.5 مليار دولار، تشكل نسبته 94 بالمئة من حجم الاقتصاد المصري. وتأتي السعودية ثانيًا بدينٍ عام يصل 250.7 مليار دولار، ثم الإمارات ثالثًا بقيمة دينٍ عام بلغت 158.9 مليار دولار، وفق بيانات صندوق النقد الدولي الذي أشار إلى أنّ الجزائر جاءت في المرتبة الرابعة بدين عام بلغ 109.6 مليار دولار، فالعراق بأكثر من 104 مليار دولار ثم قطر بنحو 104 مليار دولار، فالمغرب بأكثر من 102 مليار دولار، فالسودان 89.4 مليار دولار فالبحرين بدين عام متباين التقدير وتسجّله جهاتٌ عدةٌ نحو 58 مليار دولار، ثم سلطنة عمان بدين عام بلغ 48.5 مليار دولار. لم تتوفر لدى صندوق النقد الدولي معلوماتٌ دقيقةٌ عن كل من لبنان وسوريا و ليبيا والصومال، وذلك بسبب الأوضاع الأمنيّة وغياب الإحصاءات المطلوبة.
الدينُ العام ليس سوى مرآةٍ للأداء الاقتصادي الفاشل؛ إذ تعاني أغلب الدول العربية من عجوزاتٍ في موازناتها العامة؛ بسبب الفساد المالي والإداري والمحسوبية والزبائنية، وذلك نظرًا لعدم قدرة هذه النظم على وضع سياساتٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ قادرةٍ على أن تشكل قاطرةً لنقل الواقع من مكانٍ إلى آخر أكثر رحابة، والحقيقة هي أكثر تعقيدًا؛ إذ إنّ عقلية الغرق في النكبة الأولى خلقت مقومات النكبة الثانية التي هي عبارةٌ عن عجزٍ على مختلف المستويات. فالبطالةُ في الوطن العربي تعاني من أرقامٍ قياسيّة، وهذه حقيقةٌ يوجب معالجة مشاكلها، وليس المناكفة في نسبها، وتشير إحصاءات منظمة العمل الدوليّة الى أنّ نسبة البطالة في 2023 سوف تنخفض إلى 8.2 بالمئة من 8.5 بالمئة في 2022، أي أن أكثر من 14 مليون شخص هم عاطلون عن العمل يمكن تحويلهم إلى قنابل موقوتة في أكثر من مكانٍ وجهة. أما الفقر فتشير إحصاءات الإسكوا إلى أن عدد الفقراء في الوطن العربي يصل إلى 130 مليون شخص يشكّلون ثلث عدد السكان، ما يؤكّد على فشل برامج التنمية المستدامة والعجز البيّن في وضع الخطط لتجاوز الأزمات التي تعصف بالاقتصاديات العربية نظرًا للتحوّلات الكبرى التي تحصل في المنطقة العربيّة.
إذن، فالنظام الرسمي العربي الذي هربت دوله من مواجهة نكبة 1948، عندما احتلّ الصهاينةُ أرض فلسطين، ولم تسعَ للعمل على وضع الخطط العلمية والمهنية والوطنية والقومية لإعادة فلسطين للحضن والانتماء العربي، إنّما سعت للتحالف مع العدو، فجاءت اتفاقات إبراهام التي عبدت الطريق لخلق وقائعَ جديدة من التطبيع المخزي والمجاني، الذي أتت نتائجه مخيّبةً لآمال البعض الذي راهن على وقائع جديدة لفرض التطبيع الذي تستميت دولة الاحتلال لفرضه واقعًا قائمًا يمدّد لنكبة ثانية، وذلك من خلال الضغط على الأنظمة في نقاط ضعفها، بما فيها الدول التي تعاني من اختلالاتٍ ديمغرافيّةٍ فجّة، حيث تتسرب النكبة ليست فقط فقدان الأرض ومصادرة الممتلكات تكريس الاحتلال بتخاذل، بل هي أيضًا فقدان العزة والكرامة وغياب إرادة المواجهة والمقاومة، التي بحضورها تكتمل عناصر المواجهة ومسبّبات الانتصار على النكبة.

