الدين هو منظومة من المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والإرشادية حاكت المجتمعات الإنسانية في منطقتنا لتنظيم وتحديد العلاقات المجتمعية بين أفراده وقبائله.
و الدين يعطي السلطة قوة روحية غيبية تمكنها من التحكم في المجتمعات البشرية ولكي تبرر حروبها وغزواتها تحت رايات الحق الإلهي . وحيث ظهر الدين قبل ظهور الدولة الحديثة كانت الحروب والغزوات ترسل عبر القارات للسيطرة وإخضاع التجمعات البشرية لسيطرة القوى الكبرى ونشأت الإمبراطوريات و شنت الحروب فقط من اجل السيطرة وكانت دائما حروب مكلفة للغازي و للمغزو، وحيث أن كل الحروب والنزاعات قائمة على احتكار السلطة وتطويع المجتمعات لسلطة رأس المال فان متطلبات تدوير راس المال تستلزم قوى بشرية لتحويل السلعة لنقد وإعادة تدويره في السوق.. فقد استلزم ان يحصن راس المال واصحابه بقوة روحية تبرر سلوكهم وحروبهم وقتلهم وسبيهم واخضاعهم للشعوب , وهنا نشات الظروف الموضوعية لنشوء الفكرة الدينية والتي يستطيع راس المال ان يسيطر من خلالها على مجتمعاته الضيقة المحيطة ويبرر غزواته للمجتمعات الأخرى تحت عنوان الدين والاستحققات الغيبية ما بعد الممات وكانت دائما مادته الفئات الأكثر فقرا في المجتمعات.. ومع تطور المجتمعات البشرية وتطور راس المال وتمركزه اصبح هنالك ضرورة لتحديد طابع وطني له مرتبط بالمكان , واصبح المكان له اهمية ملموسة ونشأت الثقافات والحضارات التي ارتبطت بالمكان "اليونانية والرومانية والفارسية والهندية والصينية واليابانية والمصرية وبلاد ما بين النهرين و و و" وبدأ التعرف والتعارف على مفهوم الحدود وكانت تاخذ من العوائق الطبيعية محددا لها , واثناء تطور المجتمعات البشرية وتشكل الإمبراطوريات بدأت تتبلور نزعة الهوية وبدأت حروب اخرى ليست ذات طابع ديني وإنما قومي ,ومع تفكك الإمبراطوريات نشأت الحاجة لمفهوم الوطن المرتبط في المكان والزمان من حيث النشأة التاريخية لهذه المجتمعات... ولكي تنظم المجتمعات برزت الحاجة لنشوء الدولة وسلطتها وكانت الدولة ضرورة لرأس المال وتمركزه ,الذي كان العامل الحاسم والمحرك لنشوئها, وانحسر دور الفكرة الدينية وتراجع لصالح فكرة الوطن (والدولة) وكان لنابليون دور حاسم في إخضاع السلطة الدينية إلى سلطة الدولة في أوروبا وإخراجها من دورها الشمولي وحصرها في الدور الروحي، وحينها انطلقت اوروبا في مسيرة التقدم الفكري والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي ومن خلال الحرب والحوار اتفقت ان الاقتصاد هو المحرك للقوة وفعاليته وتبادل منتجاته هو الذي يحدد خريطة تعارض الدول وتحالفها ونقلت صراعها لخارج حدودها الإقليمية, وكانت دائما ما تصل إلى مساومات فيما بينها على حساب مصالح شعوب المستعمرات .
أما في منطقتنا فلم تقم الدولة العربية بناء على متطلبات تطور وحاجة المجتمعات ,وانما بناء على متطلبات وحاجات المستعمر (سايكس - بيكو ) ومع مرور الزمن كان الصراع قائما ما بين مصالح المجتمعات وبين شكل الدولة القائم المرتبط بمصالح المستعمر المباشر أو غير المباشر ومع تعاظم أهمية منطقتنا بعد اكتشاف الطاقة وأهميتها لدول الغرب والشرق كان لا بد من انشاء قوى داخلية وخارجية لاستمرار سيطرة راس المال (الغربي) ، ولذلك فان الموافقة على انشاء دولة اسرائيل هو حاجة راسمالية استحضرت الفكرة الدينية لتجميع يهود العالم لإنشائها.
وأما العامل الداخلي، فكان باعادة انتاج الفكرة الدينية لمواجهة قوى التحرر الوطني على قاعدة انها قوى ملحدة تغيب الدين لصالح القومية والاشتراكية.. حيث كان تناقضها الأساسي مع القوى وبعض الأنظمة التي استقلت نسبيا عن السياسات الاستعمارية كان تحالفها عميقا مع الأنظمة التابعة مع مركز رأس المال وتنتقل معه حين ينتقل مركزه، واخذت عدة تعبيرات حزب التحرير الإسلامي والأخوان المسلمين والوهابية وجميع هذه الاتجاهات تأخذ من المذهب السني مرجعية وتتنافس على أحقية تمثيله.
أما عن المذاهب الأخرى فقد بقيت لمئات السنين منطوية تحت رايات الإسلام ولم ياخذ التعارض بينها حيزاً الا عندما اصبح لها موقف من عملية التحرر الوطني وانخراطها بها، فمثلا فان ايران كانت تلتزم بالمذهب الشيعي على مدار مئات السنين وفي عهد الشاه ولكن السعودية ودول الخليج كانت تقيم معها افضل العلاقات وكان وكيل راس المال الحصري في المنطقة وعندما تغير دورها كدولة ووقفت ضد مركز راس المال تحولت الصداقة الى عداوة في ليلة وضحاها، هذا على سبيل المثال وليس الحصر، وهنا فان دور الاتجاهات الدينية السياسية والمدعومة راسمالياً تدخل في صراع تناحري مع الدولة الوطنية , ودائما تنحى منحى مسالما مع الدولة الكمبرادورية (التابعة).
ودعنا ندقق في سلوك راس المال حيث ياخذ موقف حاسم من تدخل الدين في الدول الغربية نراه يدعمهم ويغذيهم في منطقتنا ، وبحكم تعدد الثقافات والقوميات والأديان والمذاهب فان الفكر السياسي القائم على أساس الفكرة الدينية يكون اقصائيا في حده الأدنى والغائيا في حده الأقصى والفرق بين الأخوان والوهابية وبين النصرة وداعش والقاعدة بكل تفرعاتها هو فرق بين اتجاهيي الأقصاء والألغاء واللذين ياخذان اشكال عديدة من التهجير وعدم السماح للأفكار الأخرى بالمشاركة او حتى الوجود , الى سياسة الذبح والقتل والتهجير والتشريد.
أما عن سياسة راس المال فقد وظف الفكرة الدينية لمحاربة كل ما هو تقدمي ووطني وقومي، واخرج من رحمهم التيارات التكفيرية والإلغائية والتدميرية لينقض على المجتمعات من اجل تفتيتها والغاء شكل الدولة القائم وليقطع الطريق لانتقالها للدولة الوطنية, وتدمير كافة المكتسبات الأنسانية لشعوبنا من تعليم وصحة وثقافة وتاريخ وموارد طبيعية وسرقة ثروات شعوبنا.
هذا ما يحدث في ليبيا والعراق وسوريا و مصر و الباقي على الطريق حتى دول الخليج والتي تظن نفسها انها محمية فالأيام القادمة ستثبت ان تغول راس المال لا يهمه شكل او اسم هذا الملك او ذاك وانما تهمه مصالحه وتراكم ثرواته ولحل مشاكله وازماته فانه ياكل لحم اخيه واولاده فكيف عندما يخص الأمر استمراريته، ولذلك فان الفكر السياسي الديني يتعارض مع الهوية الوطنية والقومية ويفتح الباب امام التعارض والتناقض على أساس أحقية الفكرة الدينية ومن يملك الحق في التعبير الصحيح عنها ويدخل في تناقض وتناحر مع اتجاهات في مذهبه والمذاهب الأخرى، والغاء للطوائف والأديان الأخرى.
وأما عن انخراط الاتجاهات الدينية في حركة التحرر الوطني فانه يخرجها من ثوبها الديني ويضعها في الثوب الوطني التحرري ويجعلها تتعارض مع منشئها الفكري ويضعها امام مفترق طرق بين الوطني والديني ويحكم شرط نجاح استمراريتها ,وعي قيادتها من حيث امساكها للتوازن ما بين الديني والوطني التحرري بحيث يحسم التعارض بينهما لمصلحة الوطني التحرري.
وهذا يضعنا امام الموقف من المشهد في العراق وسوريا و فلسطين وليبيا ، فان الموقف ضد القتل والإقصاء والتهجير على اساس الفكر والدين والمذهب والقومية هو موقف ضد الإنسانية وتنوع ثقافاتها وحضاراتها ولنتذكر ان الإنسانية هي موجودة قبل الأديان، والدين هو فكرة وحيز فعلها الطوعي يشكل جزء من الفكر الإنساني، وفي بعض المحطات الإنسانية ساهم الفكر الديني في تدمير ثقافات وحضارات واخضع شعوب وخيرها بين ترك ثقافتها وحضارتها او تشريدها والغائها .
وفي سياق آخر وقبل اندماج الفكر الديني بحركة رأس المال فقد ساهم ايجابا في التخلص من البربرية وتعميم المفاهيم الأخلاقية التسامحية ووقف الى جانب المظلومين امام سلطة الإقطاع.
وبرأيي ان الانحياز الى الوطن والتعايش والاحترام بين جميع مكوناته هي الصيغة الأكثر انسانية وتفتح الآفاق للتطور والتقدم الإنساني.
اما عن الإلتزام بالفكرة الدينية فان مفاعيلها وظهور نتائجها ليس في حياتنا وانما بعد بعثنا مرة اخرى ولهذا فان معيار الأحقية الإلهية ليست انسانية ولا تملك اي مجموعة استخدام السلطة والحق الإلهي لمحاسبة الآخرين كون الجميع سيخضع للحساب من قبله ( حسب الرواية الدينية) وإذا فعل فانه يخضع السلطة الإلهية إلى السلطة البشرية ويعطي نفسه الصفة الإلهية في الحساب بين العقاب والثواب .

