... سينمائيًّا وفنيًّا أيضًا، يصعبُ فصلُ قرنٍ من الصراع الدامي المؤسّف في وعلى فلسطين عن جانبه الإنساني والأخلاقي، بل هما جانباه الأهم، وبلا شكٍّ من جانبه السينمائي، مما يُنتج مفردات ثقافته الصراعيّة الفريدة في مناحيه كافةً، بما في ذلك رومانتيكيّة النظر إلى الأرض والوطن والتاريخ والمستقبل مقابل النقيض المتخشّب الدَّهائي.
يمكنُ النظر إلى الضحايا الفلسطينيين بعين، والنظر إلى اليهود بالعين الأخرى، فكلاهما ضحيّةً من زاويةٍ ما، لنقل من الجانب الأخلاقي، الفلسطيني ضحيّة مصالح الحكومة الماليّة والاستعماريّة الصهيونيّة العالميّة، واليهودي العادي ضحيّة الوهم والأسطورة الدينيّة، فالصهيونيّة لم تحتل فلسطين بدايةً، بل احتلت أوّلًا عقل اليهودي العادي، خاصّةً ذاك الذي كان يعيش وقت صياغة أوراق الصهيونية الأولى في وطنه بكل أمانٍ في مختلف البلدان، فتمّ ترحيله منها، إنه استغلالٌ فجٌّ للدين والوهم والدعاية والصورة، هكذا اشتغلت الصهيونيّة ليس فقط عبر حلم الرب يهوه أو وعده المزعوم، بل عبر مساحات تمدّدٍ استعماريّ أخرى إلى جانب الاستعلائيّة الأوروبيّة، ومن ثَمَّ فأوّل احتلالها كان لعقل اليهودي ذاته، من هنا يبدو الخطاب " الإنساني" والسياسي عند اليهود الصهاينة بخصوص فلسطين خطابًا مرتبطًا بالوهم الديني المرتبط بمصلحيّةٍ نفعيّةٍ وصرّةٍ مختلقة، في حين يتوضح ذلك بمفرداته وفحواه عند الفلسطينيين بشكله الروحاني الوطني التضحوي، الأوّل يضحي بالقيم الإنسانيّة والارتقاء الفني أخلاقيًّا عبر تبريريّةٍ نفعيّةٍ دينيّة، والثاني- الفلسطيني يدفع بروحه افتداءً لمعشوقته- جولييت.
أصبحت فلسطين بالنسبة لثقافة اليهودي مكانًا غنيًّا مُنح له من الرب يهوه للاستثمار العنصري وبورك بدعم الدول الاستعماريّة، وسحر المناخ المعتدل والطبيعة الساحرة، أما بالنسبة للفلسطيني فهي تاريخُ حالة حب وذاكرة وهُوية وحلم، اليوم يقاتلُ الصهيوني باعتبارها قوّةَ احتلالٍ مسلّح، ويقاتل الفلسطيني عاشقًا ولهانًا، لهذا يحشد الجهد الصهيوني كلَّ قوّته الثقافيّة والإعلاميّة تجاه الاقتناع بالأساطير والخرافات والوقائع الكاذبة، أما الفلسطيني فلا يفكّر كثيرًا في طرقٍ لإقناع العالم بالأحقيّة، هو يشعر ويدرك باليقين والتلقائيّة بأنّ وطنه هنا ولن يكون له سواه، من هذه القاعدة بدأ اهتمام الصهيوني بالهيمنة على السينما ووسائل الإعلام للترويج باعتباره ضرورةً، ولم يبدأ كذلك بالنسبة للفلسطيني إدراكًا منه لوهج الحقيقة البديهي، هذا هو السرُّ الحقيقي لبقاء الضعيف، لذا لم يضطر روميو بتقديم شرحٍ لدليل حبه لجولييت، في حين يحاول فرانكشتاين منذ أكثر من قرنٍ خلا الهيمنة ماليًّا وتلفيق المعلومات والخبر والرواية والصورة؛ لكي يثبت بأنّه مخلوقٌ طبيعيّ، هنا يكمن الجوهر العميق للمسألة!.
تبدو السينما منتوجًا مناسبًا للجهد الإعلامي المشفوع برغباتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ ترويجيّة، لذا فكلّ ما تمّ إنتاجه من العالم بأسره ويذكر فلسطين حتى وإنْ بشكلٍ عرضيٍّ يبدو حاملًا لفكرةٍ ما، فكرة نتجت أوّلًا بناءً على معلومة- مفردة دينيّة، ثم تحوّلت إلى تاريخ.
بالنسبة للطرح المعلن روّجت الصهيونيّة " لإنقاذ" اليهوديّ من الغيتو الأوروبي، لكنّها في الحقيقة قامت بإغراقه في غيتو القتل سرًّا لخدمة الحلف الإمبريالي العالمي، ومن هنا بدت الحاجة للسينما منذ البداية أمرًا حتميًّا في مقدّمة الأمور الضروريّة الأخرى لتحقيق "دولة رعاع بملمحٍ ديمقراطيّ" مما يوجب حشد المال والمختصين والتقنيات ومواكبة كل ابتكارٍ إعلاميٍّ جديد، بدأ ذلك منذ نهايات القرن التاسع عشر بما فيها محاولاتُ سرقة اختراع آلتي التصوير والعرض من صاحبهما ومخترعها العالم الشهير "توماس أديسون".
فقد سعى يهوديٌّ مرتبطٌ بالحركة الصهيونيّة يدعى "كارل لاملي"، وهو ذات الاسم الذي أضحى فيما بعد صاحب ومؤسّس كبرى شركات الهيمنة السينمائيّة في هوليوود إلى سرقة اختراع أديسون للآلة السينمائيّة والادّعاء بأنّها ملك براءة اختراع حصري له، إلا أنه فشل في مسعاه بسبب شهرة أديسون ومرموقيته وموثوقيته عالمًا، وتعدّد اختراعاته ومكانته العلمية، كان هذا في البدايات، لكن المال اليهودي وجد طريقةً التفافيّةً أخرى بعدها للهيمنة، ألا وهي ضخّ رأس المال لتمويل وترويج صناعة وتوزيع الأفلام وتوجيه دفتها لصالح المشروع، فقام "كارل لاملي" مع مجموعات منظمة بتقليد ونسخ اختراع أديسون للآلة السينمائية ثم نشرها وإرسالها لأصدقاء في أوروبا وعدة ولايات أمريكية. ثم أنشأ وشركاءَهُ اليهود عقب ذلك في الولايات المتحدة شركة تختص بتوزيع المنتجات السينمائيّة، وهي شركة "يونيفيرسال" الشهيرة حتى اليوم!
منذ بداية السينما والهبة الإعلامية، لم تجد الكتلة المالية الصهيونية اليهودية في أميركا وهوليود بدعةً أفضل من إطلاق تهمة المعادة للسامية لمن يغرّد خارج سربها، فإلى جانب الضخ المالي بدعمٍ سخيٍّ من آل روتشيلد والبنوك المرتبطة بما يعرف اليوم في أروقة السينما بحكومة المال، وكما في السياسة، اتهمت الحكومة الخفيّة من يقف في طريق هيمنة اليهود على الإنتاج السينمائي والإعلامي بمعاداة السامية، حتى إن أديسون المسكين نفسه وُصف بـ"كاره اليهود"، وهكذا بدأت حمأة الهيمنة في بواكيرها واتضحت قوة الكتلة اليهوديّة تدريجيًّا بعد فشلٍ وارتباكٍ واضحين في البدايات، إلا أنها احترفت الأساليب والخبرة بسرعةٍ فائقة.
في عام 1923 أسس والت وشقيقه روي ديزني شركة والت ديزني التي تُمثّل إحدى شركات السينما ووسائل الإعلام والترفيه العملاقة على مستوى العالم. كانت قد بدأت على شكل إستوديو لفن الإنيميشن- التحريك- الكرتون، في البداية لم يرضخ والت ديزني للضغوط كما هو معلوم، وعقب فشل الكتلة الصهيونية في إخضاع ديزني بدأت باستخدام تهمة "اللا سامية" الجاهزة في الأدراج، خاصةً عندما أنتج ديزني فيلمًا لا يخلو من براءةٍ كوميديّةٍ بعنوان "الخنازير الثلاثة الصغيرة" إذ إنه أظهر في هذا الفيلم ذئبًا على هيئة بائعٍ يهودي، حيث يقوم البائع بخداع الخنازير الصغيرة المسالمة لإقناعها بفتح باب المسكن - في تشابهٍ مع قصة ليلى والذئب -، كان هذا الفيلمُ مادةً مناسبةً للصدام مع والت ديزني، ولشنّ حملةٍ مشفوعةٍ بعباراتِ العنصرية ومعاداة السامية، ما دفعه مجبرًا لحذف المشاهد المتعلّقة بالبائع اليهودي وأحداثها المتعلّقة بخداع الخنازير الصغيرة البريئة من الفيلم، إلّا أنّ المنظمة اليهوديّة استمرّت في محاربته من أبوابٍ أخرى، فحين قلّص ديزني عمله وخفّض أجور العاملين وسرَّح عددًا من العمّال لديه بعد خسائرَ ماليّةٍ متكرّرة، تم دفع العمال إلى تنفيذ إضراباتٍ واحتجاجات، وقد صرّح هو بنفسه بأنّها من "ترتيب اليهود"، إلى أن ضعف ورضخ للتمويل فيما بعد وتلقى قروضًا وأبرم عقودَ تعاونٍ مع الكتلة اليهوديّة عبر "لوبي السينما".
... انزعج اللوبي من قيام أوروبيين بالتوجه نحو فلسطين مبكرًا لتصوير أفلام فيها، لا سيما من قبل الأخوين لوميير، وهما الفنانان الفرنسيان اللذان أنجزا فيما بعد أوّل أفلام السينما عالميًّا، حيث قاما بتصوير عدة مدن ومعالم حضارية ودينية في فلسطين، لا سيما في عاصمتها القدس ، وسردا عبر الصورة حياة الناس فيها بشكلٍ توثيقيٍّ مدفوعٍ بإيمان مسيحي كونها الأرض المقدسة الساحرة، كان هذا في 1896 أي بعد عام واحد فقط من ابتكار توماس أديسون للكاميرا السينمائية، وقبل ابتكارهما لمفاهيم الفيلم السينمائي المتكامل وأسسه بسنوات، إذ إنهما قاما بعرض أول الأفلام السينمائية في صالات باريس عام 1905، إلا أنّ ذلك بدوره أزعج الحركة الصهيونيّة الناشئة، فقد كانت تروّج بأنّ فلسطين صحراء لا سكان فيها، وهي تنتظر عودة الشعب المختار، وعلى هذا اشترت بمال مغرٍ العديد مما تم تصويره في فلسطين من الأرشيف الفرنسي والبريطاني وأخفتها ثم أتلفته على أرجح تقدير!
إلى جانب قوة وحنكة رأس المال، يعكس ذلك بكل تأكيد ذكاءً وخبثًا عاليين بخصوص إدراك أهمية الصورة المرئية السينمائية مبكرًا من قبل اللوبي الذي لم يكن بعيدًا أيضًا عن المساهمة في الامتداد العالمي للسينما بما فيها السينما العربية.
إبراهيم وبدر الأعمى "لاما" هما مؤسّسا السينما العربية، قاما بإنشاء أول شركة إنتاج في الوطن العربي " كوندور فيلم"، وصنعا أول فيلمٍ سينمائيٍّ عربيّ " قبلة في الصحراء" عام 1926، كما وأول استوديو تصوير، كان إبراهيم في الأصل مصورَ فوتوغراف، ومخرجًا مسرحيًّا، ثم أصبح فيما بعد سينمائيًّا، أما شقيقه بدر فممثّلٌ مسرحيٌّ ثمّ سينمائيّ.
هما فلسطينيان من مدينة بيت لحم، كانا مهاجرين في أميركا اللاتينية، إبراهيم لاما "الأعمى" وبدر، قررا العودة نهائيًّا إلى الوطن، وقد خططا مسبقًا للإقامة في حيفا على الساحل الفلسطيني فحملا كاميراتهما ومعداتهما وتوجّها على متن باخرة ركابٍ نحو الوطن.
ألمَّتْ الحُمَّى ببدر وهما على متن الباخرة، فاضطرا للنزول في الإسكندريّة بمصر، هناك سمعا واطّلعا على ما يحدث في فلسطين من ثوراتٍ واضطرابات، فقرّرا الانتظار في الإسكندريّة ريثما يهدأ الوضع، لكنّهما سرعان ما استقرّا فيها تلقائيًّا وبدآ العمل السينمائي، فوضعا أولى أسس السينما في الوطن العربي. لكن، كان الذئب في المرصاد وليلى على براءتها!
... "توجو مزراحي"، منتجٌ ومخرجٌ يهوديٌّ إيطاليٌّ يعيشُ في الإسكندرية بمصر، قام بعد سنوات من إنجاز الأخوان لاما لفيلمهما الأول بتأسيس إستوديو سينمائي، بعد أن عاد من فرنسا التي مكث ودرس فيها وحصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، حيث بُهر بالسينما أثناء سنوات مكوثه في فرنسا ومشاهدته لمراحل تصوير الأفلام، فقرر العمل في المجال السينمائي، خاصةً بعد أن دأب على زيارة إستوديو "جومون" للتصوير، ذلك الشهير في باريس.
بعد عودته من فرنسا التي مكث فيها عشر سنوات، ولم يزر مصر أو يمكث فيها منذ عام 1920- حتى 1930. أخرج توجو مزراحي وأنتج أول فيلم له باسم "الهاوية" بمجرد عودته لمصر، وهو فيلم روائي طويل (صامت) أُنجز بعد أربعة أعوام من إنجاز لاما لفيلم "قبلة في الصحراء" وعرضه. الطويل الصامت أيضًا عام 1926 وعلى الرغم من ذلك يصر البعض حتى اليوم على تأريخ السينما العربية باستثناء فيلم لاما ويطرح فيلم مزراحي أول فيلم عربي وعلى أنه المؤسس للسينما العربية ورائدها!
كانت أسرة مزراحي من عائلات الثراء المعروفة في الإسكندرية، ما أتاح له الكثير، ثم إنه كان قد عقد اتفاقًا مع شركةٍ عالميّةٍ منحته المال مسبقًا، وهو في فرنسا، وذلك قبل أن ينجز أي فيلم! بل ودربته هناك على الإخراج والتصوير، فعاد إلى الإسكندريّة يحمل المعدّات والمال عام 1930.
تعرف مزراحي بعد حينٍ بالفنانة الصفديَّة الفلسطينية اليهودية الشهيرة ليلى مراد، صنع لها العديد من الأفلام، وهي التي قالت ذات يوم بحسب رواية نجيب الريحاني".. صرحت ليلى مراد على مسمعي بأنها لم تكن تُعرِّف نفسها إلا بكونها عربيةً فلسطينيةً أحبت بلدها كما أحبت مصر حتى التقت بمزراحي وعملت في أفلامه، يضيف على لسانها "فصرت يهوديّةً أوّلًا"!
كما أخرج مزراحي وأنتج فيلم" سلامة" للسيدة أم كلثوم وعدة أفلام كانت مساهمةً بلا شكّ في بدايات السينما العربيّة، لكنّه دونما أدنى شك لم يكن مؤسّس السينما العربيّة عام 1930 وليس قبل عام 1926 بكلّ تأكيد!

