عامانِ بعد العشرين كان عمر "مارك رودين" حين انطلقت الثورة الفلسطينيّة المسلّحة عام 1967، وفي قراءةٍ للمشهد السياسي في ذلك الوقت، العقد السادس من القرن السابق، يتضح لنا حجم التحوّلات والتأثيرات السياسيّة المختلفة، التي تركت تأثيراتها على جيلٍ كاملٍ من الشباب في ذلك الوقت، وأسهمت في تشكيل وعيه الجمعي، فمع أفول عقد الخمسينات كان انتصار الثورة وسقوط النظام الدكتاتوري في كوبا (كانون الثاني 1959) وبعد ذلك بسنواتٍ قليلةٍ كانت النهايةُ المأساويّةُ لأحد قادة هذه الثورة "تشي جيفارا / يوليو 1967" الذي تحوّل إلى رمزٍ ثوريٍّ كبيرٍ منذ ذلك الحين، وحتى يومنا هذا، كما شهد ذلك العقد، بداية الهزيمة العسكريّة الأمريكيّة في فيتنام، التي تكللت بالانسحاب الكامل في آذار 1973. وفي مشهدٍ آخر كانت الانتفاضة الطلابيّة في فرنسا التي سمع صداها في كل أرجاء العالم، خاصّةً بعد استقطابها نحو عشر ملايين عامل جابوا أنحاء البلاد. كل هذا عدا التحوّلات الثقافيّة والفنيّة، التي شهدت ظهور الواقعية الإيطالية في السينما، وتيّار البوب آرت في مجال الموسيقى والفنون التشكيليّة، التي كان لها تأثيرٌ كبيرٌ في مجال الفنون المعاصرة عامة.
لعلنا نقرأ من خلال هذه المقدّمة كيفية نشوء التيارات والحركات ذات الطابع اليساري وصولًا إلى أقصاها متمثّلًا بالفصائل الراديكاليّة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وصولًا إلى اليابان. لقد شكّلت جميع هذه القوى حالةً متقدّمةً من الدعم والمساندة للثورة الفلسطينيّة حديثة التشكّل آنذاك، وأفرزت لاحقًا ما يمكنُ تسميته "بالرفاق الأمميين" وهم الذين التحقوا مباشرةً في صفوف الفصائل، إما كمقاتلين أو مساهمين في العمل الثوري عامةً.
من رحم هذا المخاض الثوريّ كما يقولون جاءت تجربة "مارك رودين"، ذلك الفتى السويسري بهي الطلعة، ابن تلك البلاد التي اتّسمت بسحر الطبيعة، وسطوة المال، فنال من الأولى ما تيسّر له في مطلع عمره وفي آخره، وأما المال فقد حاول في بداية عمله الثوري أن ينتزع بعضًا منه، ليس طمعًا في الثروة، بل دعمًا للثورة، فكانت أول غزواته ضدّ الرأسمال المالي!
مارك رودين في بيروت:
درس مارك رودين الفن الكرافيكي في سويسرا، وبعده انتقل إلى مدينة ميلانو الإيطاليّة، وعمل مع مجموعةٍ من الفنانين في مجال الفن الكرافيكي، وهو الرسمُ على الجدران العارية، والمسطّحات الكبيرة، وهي في طبيعتها وتكوينها تشبه الملصق، إلا أنّ هذا الأخير أصغر حجمًا.
ارتبط مارك بعلاقة صداقةٍ مع بعض الطلبة الفلسطينيين الدارسين في إيطاليا، فما أن رأوا أعماله حتى اقترحوا عليه السفر إلى بيروت، حيث المجالات المناسبة لإظهار أعماله والاستفادة منها؛ لم ينتظر طويلًا واستقلّ أوّل سفينةٍ متّجهةٍ إلى مدينة صيدا الساحليّة "مطار بيروت كان مقفلًا بسبب القصف" وحط رحاله هناك ومنها إلى بيروت.
يصف مارك تلك التجربة في مقابلةٍ صحفيّةٍ نادرة "وصلت إلى بيروت، وسكنت في غرفة بالدور السابع، وكان عليَّ أن أغادرها في كثيرٍ من الأوقات بشكلٍ مؤقت، بسبب القصف الشديد وموقعها غير الآمن. كان ذلك قبل سقوط مخيم تل الزعتر بأيامٍ قليلةٍ حين جاء الرفاق وطلبوا مني تصميم ملصق تحت شعار "تل الزعتر رمز المقاومة ضد الفاشية".
يواصل مارك قائلا "جلست في غرفتي الصغيرة والخالية إلا من أغراضي البسيطة وجالت عيناي في أرجائها، وتوقفت عيناي عند بندقية الكلاشنكوف التي كانت مستندةً إلى الحائط، ومن هنا جاءتني فكرة الملصق الأول".
اتسمت حياة مارك رودين في السنوات التي عاش فيها سواءً في بيروت أو في دمشق بالتقشف والبساطة والتواضع؛ كان باختصار يعيش منسجمًا مع نفسه ومع قناعاته؛ يكتفي بالقليل، ولديه الكثير ليعطي الآخرين، ولم يطلب أكثر ممّا يحتاج، ولا يحتاج الكثير؛ لكي يطلب المزيد. يصف حياته بقليلٍ من الكلام وموجزه "كان الرفاق يدفعون أجرة بيتي ونفقات علاجي حين أمرض وثمن دوائي حين أحتاج، إضافةً إلى مبلغ من المال يكفي لشراء طعامي. أما بالنسبة للملابس؛ فاشتريها من محلات الملابس المستعملة "البالة". كنت أشعر بالسعادة؛ لأنني استطعت أن أهرب من نمط الحياة الغربيّة ذات الطابع المادي".
نعم.. إنه أيقونة الملصق الفلسطيني
ما الذي يدفعنا للقول: إن مارك رودين أيقونة الملصق الفلسطيني؟
الواقع الإحصائي يشير إلى أن هناك المئات من الفنانين الفلسطينيين والعرب والأجانب ممّن أسهموا في إثراء الملصق حتى ما قبل انطلاقة الثورة، وترك الكثير منهم بصماتٍ مميزةً في هذا المجال، ومنهم فنانون وفنانات مشهودٌ لهم في اعتلاء سدة الحياة التشكيليّة العربيّة والعالميّة، ولكن في المقابل، فإنّ الأغلبيّة العظمى من هؤلاء الفنانين، لم يأتوا من خلفيّةٍ متخصّصةٍ في فنّ الملصق ومواصفاته ومتطلّباته، بل إنّهم كانوا رسامي لوحات، لذا نرى أعمالهم الفنية تعرض تارةً لوحةً فنيّةً في أحد المعارض، وفي تارةٍ أخرى ملصقًا على جدار ما، وتلك ليست نقيصة، إنما للملصق مواصفاتٌ محددةٌ تميزه عن اللوحة؛ كالبساطة والمباشرة ووضوح الفكرة وسرعة التلقي؛ الأمر الذي لا يتماهى مع اللوحة الفنية الحاضرة دومًا في الأماكن المغلقة، كصالات العرض أو البيوت والمكاتب وغير ذلك، ومن ثَمَّ فهي تتطلب التحليل والتأمل والقراءة المـتأنية. طبعًا لا يمكن الجزم بأن هناك حدًّا فاصلًا بين هذا وذاك، فغالبًا ما تكون هناك استثناءات؛ تلك هي الطبيعةُ التخصصيّةُ لأعمال مارك رودين، التي وسمت ملصقاته جميعًا وميزتها كأعمال متكاملة تحمل في طياتها روح الدعاية للفكرة والتحريض من أجل الدفاع عنها.
عند الحديث عن الكم المنتج من الملصقات، فإنّ إسهامات "مارك رودين" قد فاقت الحدّ الأقصى لما وصل إليه أي فنانٍ آخر؛ فاستنادًا لإحصاءات أرشيف الملصق الفلسطيني في واشنطن الذي يضم في أرشيفه أكثر من سبعة عشر ألف ملصق من بينها آلاف الملصقات الفلسطينية تتوزع على مئات من الفنانين الفلسطينيين والعرب والأجانب، لمارك رودين وحده مائتان وأربعة عشر ملصقًا تغطي مساحةً زمنيةً تقدر بخمسة عشر عامًا "1971 – 1991".
حاولنا معرفة عدد الملصقات لمجموعة من الفنانين ذوي الحضور الأبرز كمًّا ونوعًا، وذلك بالعودة إلى الأرشيف الذي ذكرناه آنفًا، لنؤكد بشكلٍ موضوعيٍّ أن مارك رودين هو الأكثر عطاءً على صعيد الملصق الفلسطيني.
ونلفت هنا إلى أن هذا المركز الأكبر من نوعه في العالم في مجال أرشفة الملصق الفلسطيني قد نعى على صفحته الرسمية الفنان الراحل واصفًا إياه بالفنان العظيم الذي جسّد قيم التحرر والمساهم الرئيسي في الدعاية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واختتم هذا النعي بعبارة "روح مارك رودين لا تزال حيّة".
الرموز وحواملها في ملصقات مارك رودين:
الكم العددي الكبير للملصقات الذي أشرنا له سابقًا يعكس تعدد المناسبات والأحداث التي غطتها، التي شكّلت حواملَ لطيفٍ واسعٍ من الرموز التي جرى توظيفها لخدمة هذه المناسبة أو تلك؛ فالمرأةُ هي الحاملةُ للتراث والمدافعة عنه، والحجر رمز للانتفاضة وقبضة اليد تعني القوة والكوفية هي المعادل للهوية والسلاسل المحطمة ترمز للحرية وقضبان النافذة الصغيرة تعني السجن. لا نتحدث هنا عن الرمز باعتباره حالةً ثابتة، بل هي متغيرةٌ حسب موقعها وطبيعة المناسبة التي تمثلها. فقد استعمل مارك رودين الكوفية على ما يربو عن السبعين مرة، ولكنها كانت تختلف في كل مرة عن سابقتها، وهذا ما يمكن تسميته بالتوظيف الديناميكي للرمز، أي الرمز في حالته المتغيرة وليس الثابتة، فالكوفية التي تلوح في سماء القدس ليست كتلك المضمخة بدم الشهيد أو تلك التي تلف رأس السجين خلف القضبان، ويمكننا القياس على ذلك عبر مئات المواقع التي شهدتها تلك الرموز.
لا بدّ هنا من الإشادة بحرفيّة مارك رودين العالية وتمكّنه من أدواته الفنية، أو كما يقولون عندنا "ابن صنعه" فهو متمكّنٌ أكاديميًّا من حيث تناسق الألوان، مع أنه غالبًا ما يلجأ إلى عدم الإفراط بها لأسبابٍ اقتصاديّة، فلم يكن يرغب في دفع مبالغَ كبيرةٍ ثمنًا لملصقاته، كما أنه كان بارعًا في إيجاد علاقةٍ مستقرّةٍ بين عناصر الملصق من حيث الكتلة والفراغ والتناسب بينهما، ناهيك عن حرفيّته وتمكنه من رسم العناصر سواءً كانت شخوصًا أو عناصر في الطبيعة.
اللافت في تجربة مارك رودين، أنه غالبًا ما كان يذهب إلى الواقع بعيدًا عن الصورة الذهنية الحاضرة في ذاكرته البصرية، فقد كان قادرًا على رسم المخيّم الذي يعيش فيه، ويعرف تفاصيل بيوته وحاراته وهو جالسٌ في مرسمه، ولكنّه كان يفضل أن يحمل أوراقه وأقلامه ويجول فيه راسمًا عشرات الاسكتشات، كما الحال في ملصق الذكرى السنوية لمجازر صبرا وشاتيلا، حيث اختار إحدى تلك الرسوم، وأضاف شلالًا من الدم يتسرب من بين حواري المخيم. مرات عديدة كان يلجأ للمرآة كي يرسم يده عشرات المرات كي يستخدم إحداها في عمله الفني، وحينًا كان يستعين بأحد الرفاق موديلًا إذا ما أراد تشخيص جزء من الجسد "ملصق اليد التي تحمل المطرقة وظلها يبدو كظل بندقية فوق راية حمراء".
لم تكن مهمة مارك تنتهي بانتهاء تصميمه للملصق، حيث يمتد عمله منذ تكليفه بالعمل وصولًا حتى التأكّد من شحنه لمختلف الساحات، وذلك ما كان أحد منا أو غيرنا يفعله. تلك هي سمته وفرادته. كان يمضي وقتًا طويلًا في اختيار الشعار المرفق بالملصق، ومن ثم في اختيار الحرف المناسب بالعربية والإنجليزية. في البدء كان يلجأ إلى خطاط مجلة الهدف، وبعد إحلال التصاميم الإلكترونية للمجلة، ذهب للبحث عن تجربته الخاصة والفريدة، حيث قرّر القيام بالمهمة بنفسه، فأحضر مجموعة من عيدان القصب "البوص" وقام بنحتها لتصبح مثل ريشة الخطاطين المعروفة، وأصبح يقوم بخط الشعارات بنفسه، مع عدم معرفته باللغة العربية إنّما من خلال معرفته لحروفها، وكان ذلك مثارًا للدهشة والإعجاب.
كان مارك رودين يدرك أهمية الملصق حتى قبل التحاقه في صفوف المقاومة الفلسطينية، فقد اضطلع العالم على موجة الملصقات التي رافقت انتصار الثورة البلشفية، وكذلك انتصارها في الحرب العالمية الثانية في مواجهة النازية وما رافقها من ملصقاتٍ تمجّد ذلك الانتصار، ولكن من خلال عمله مع المقاومة أدرك بشكلٍ مضاعفٍ أهميّة هذا المنتج الفني، فالثورة الفلسطينية انفردت بحالةٍ متميّزةٍ عن كل ثورات العالم، ذلك أنها بشكلٍ واسعٍ كانت ثورةً ذات طابعٍ مديني وليس ريفيًّا، أي أنها كانت تعمل وسط الجماهير الحاضرة في المدن الكبيرة أو في أطرافها، حيث توجد المخيّمات، وليس كما الثورات في أمريكا اللاتينية أو الجزائر أو فيتنام وغير ذلك. وربّما هذا يفسر لماذا انفردت الثورة الفلسطينية بهذا العدد الهائل من الملصقات الذي يعد بالآلاف، فالمدنُ هي الحاضنة الأساسية للملصقات؛ الأمر الذي يندر في الريف. طبعًا هناك أسبابٌ أخرى لظاهرة الكثافة العددية للملصق الفلسطيني، ولكن لسنا بصددها في هذا المجال.
ما نريد الوصول إليه، أن مارك رودين الذي عاش في المخيمات الفلسطينية أدرك أهمية الملصق في عملية التعبئة، والاستقطاب، لذا كانت أعماله قريبة من الناس، من حياتهم، من أحلامهم، وعذاب التشرد، وفقدان الوطن.
حتى النفس الأخير من حياته كان مارك رودين على قناعةٍ كاملةٍ بأن الملصق والفن عمومًا هو جزء من العملية الكفاحية في خدمة الإنسان المضطهد اجتماعيًّا وسياسيًّا، فكيف الإنسان الفلسطيني الذي شملته كل هذه الأشكال من الاضطهاد، مضافًا إليها حرمانه من بلده وحرمانه من وطنٍ حرٍّ ومستقلّ. ولأنّ العملية الكفاحية لا تتجزأ عنده، نراه أثناء الاجتياح الصهيوني في حزيران 1982 على رأس مجموعةٍ من رفاقه يدافعون عن بيروت. لقد كان في الخطوط الأماميّة من ضواحي العاصمة اللبنانية "حي السلم" في عصر اليوم السابع للاجتياح، جاءنا خبر استشهاد جهاد منصور ومجموعته في كمينٍ للقوّات الغازية، فكان لذلك وقع الصدمة علينا جميعًا. وما أن حلّ عصر ذلك اليوم، وإذا به قادمًا وكأنه عائدٌ من الموت؛ كان حزينًا ومنهكًا، وما أثقل على روحه كان فقدان رفاقه في المجموعة.
في مطلع التسعينات، ومع حالة التضييق الأمني على مارك رودين قرر أن يغادر دمشق؛ فوقع في أيدي العسس التركي، وكان أن ذهب إلى "عشريته السوداء" ما بين سجون تركيا والدنمارك، وتقطعت بنا السبل، وحين عادت كان الوقت متأخّرًا.
في يوم ما، قال لينين في وصف رفيقه تروتسكي "لقد كان معنا وليس منا، أما نحن رفاق مارك رودين فنقول: "لقد كان معنا ومنا".

