Menu

أحمد مصطفى جابر.. الكاتبُ الغاضبُ الذي لم يهدأ

أيوب الشنباري

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة الهدف الإلكترونية

قدّمَ كثيرٌ من العلماءِ والباحثينَ تعريفاتٍ كثيرةً حولَ مفهومِ الكتابةِ قديمًا وحديثًا، وكلُّ هذهِ التعريفاتِ – على اختلافِها وتنوّعِها – تتشابَهُ إلى حدٍّ كبيرٍ في المعنى الروحي لها، فضلًا عن تشابُهِ معناها الاصطلاحيّ إلى حدٍّ ما؛ لأنَّ الكتابةَ عمومًا إنّما نلجأُ إليها لسدِّ حاجةٍ – أيًّا كانت تلك الحاجة - في حياتِنا اليوميّة، فحين تكتبُ عن الوطنِ خارجَ حدودِهِ فأنتَ تسدُّ نقصَ شعورِكَ بالاشتياقِ له أو بحبِّك أو بولائك... وحين تكتبُ قصيدةً في الحبّ؛ فذلك لأنَّ شعورَك بالحبّ يطلبُ المزيد. ومن خلال فهمي المتواضعِ لمفهومِ الكتابةِ وإحساسي بها على نحوٍ خاصٍّ في ضوءِ تجربتي، أقول: إنّ الكتابةَ فعلٌ إنسانيٌّ خاضعٌ لتأثيرِ الظرف، ونشاطٌ يتفاعلُ مع ضروراتِ النفسِ الكامنةِ تعبيرًا عمّا يختلجُ في مكنونِها؛ تتشابكُ فيها رؤيةُ العقلِ مع رؤيةِ الروح، ورؤيةُ القلبِ مع رؤيةِ الواقع.

أما الكتابةُ لدى كاتبِنا الغاضب الممتلئ بالإنسانيّة، فهي كتابةٌ من نوعٍ خاص، تحملُ الغضبَ بحملِه، وتجازيه بمثلِه، تتلاحمُ فيها مشاعرُهُ الإنسانيّةُ المتناقضة؛ إذ فيها يتجلّى غضبُ الثائر، وحبُّ العاشق، وحزنُ المفجوع، وشوقُ المُنتظِر، وأملُ الحالِم، وترقُّبُ الحارس... متداخلةٌ فيها المشاعرُ في أروقة نفسه رغمَ مشقّتها وعنفوانها - كونه لاجئًا فلسطينيًّا – فهو صاحبُ القلعة التي لم يهدأ أبدًا حين بدا غاضبًا في وجه التاريخ. وإذا ما أردنا أن نصفه وصفًا دقيقًا، فإنّ أصدق الوصف فيه ما قاله صديقُهُ الأصدق، ورفيقُهُ الأوفى، رئيسُ تحرير مجلّة الهدف وبوّابتها الدكتور وسام الفقعاوي، في مقالٍ كتبه بعنوان: (أحمد جابر.. الرصيد الهائل السائر بنا نحو الهدف)، عن انطباعه الأوّل عنه: "كان كما تصوّرت وأكثر؛ الإنسان الكريم، الودود، الصادق، المخلص، الوفيّ، مرهف الحسّ، الحالم، المطمئنّ إلى خياره، القلِق بين أسئلة الحاضر والمستقبل، المتوتّر بين رهاناته التي لم تكن خاسرة. لقد كان ذاك الفلسطينيّ النموذجيّ في بحثه عن ذاته وسط قضيّته/هدفه، وسعيه أن يترجم أبجديّات الوصل بين الثقافة والسياسة إلى فعلٍ ثوريٍّ جماعيٍّ تحرّري... لذا لم ينحسر إنتاجه يومًا، بل منحنا رصيدًا هائلًا؛ كي لا نتوه أو نحيد عن الهدف".

لقد كان أحمد مثقّفًا مشتبكًا مطّلعًا على الإنتاج الإخباري والتحليلي، ورصده باهتمامٍ ودقّةٍ لدى عدوّه وعدوّ الإنسانيّة جمعاء، في محاولةٍ للردّ على الرواية الصهيونيّة المخادعة في إطار معركة كي الوعي الممنهجة، مؤمنًا بضرورة النضال بأشكاله كافةً؛ الفكري، والعسكري، والاجتماعي، والنفسي.. متيقّنًا بأنه ما استجدى أحدٌ حقَّهُ إلا هان في عين عدوّه؛ إنّما يُنتزعُ الحقُّ انتزاعًا بالأسنان!

أحمد مصطفى جابر، صاحب قلعة الحارثي، والمحرّر التنفيذي لمجلّة الهدف التي أحبَّها من شغاف قلبه وأحبّته بوفائها المتجدّد، ومسؤول قسم العدو في بوّابتها الإخباريّة، لم يكن سوى جندي يحرس حدود الفكرة، ويدافع عن شرف الانتماء لفلسطين، متمترسًا حول قناعاته الثورية والفكرية بكلّ ثبات، لا يعرف الرمادية فيها، ولم يكن صاحبَ لسانٍ معسول، أو قلمٍ أصفر، أو وجهٍ متلوّن، بل كان يؤمنُ بأنّ قضيّته أسمى من مداهنة اللفظ، وأعظم من أن تضيع في الحدّ الفاصل بين الرفض والانتهازيّة؛ آمنَ بقوّة الكلمة الثائرة وحتميّة انتصارها، فهي مصدر الخلود بعد الموت في عُرْفِ الثائرين، ومصدر الإلهام الثوري للأجيال الحيّة، التي تكافح من أجل خلاصها من العبودية والاحتلال، فندَر نفسَهُ لفلسطين شمعةً تحترقُ من أجلها؛ لتظلَّ قلعة الحارثي منيرةً على الدوام؛ تسألُ تارةً عن صاحبها، وتبكي تارةً لطولِ الشوقِ وبُعْدِ اللقاء؛ لا تحزني يا قلعة الحارثي، فهو الآن حيٌّ في حجارتِكِ القديمة؛ يُطلُّ كلَّ صباحٍ من شرفاتِكِ الشاحبة، يبتسمُ ل قطر ات الندى العالقة على ورقات الشجر حولك، يرسم خارطة فلسطين على جدرانِكِ بمسك دمه؛ ينتظرُ خيول العاشقين كلَّ لحظةٍ وهم يحملون بيارق النصر، يهفو لسماع الأطفال وزغاريد النساء يهلّلون ويمجّدون بفرسانِك يا قلعة الأحرار!

إنّ تراكمية الوعي لدى أحمد تدلُّنا عليها مقولتُهُ الباحثةُ عن الحياة: "إنّ المعرفةَ تتطلّب جهدًا استثنائيًّا"؛ فهذه التراكميّة لديه، بشكلٍ عام، وفي الشأن الصهيونيّ بشكلٍ خاص، أسهمت في تعزيز الحالة المعرفيّة لدى كثيرٍ من الباحثين والمهتمّين بهذا الخصوص، التي من شأنها تصليبُ الحالة النضاليّة، باعتبارها الحلَّ الوحيدَ لمقارعة العدوّ ودحره، من خلال الاطّلاع الدائم على نمطيّة التفكير لدى العدو؛ انطلاقًا من جدليّة الصراع القائم على الوعي، ليس بين الثورة والاحتلال وحسب، بل بين الحضارات على مرّ العصور؛ لأنّ الثائرَ الحقيقيّ غيرُ منفصلٍ أو منسلخٍ عن تراكميّة الوعي السياسي والنضالي والاجتماعي..، فالثائرُ عدوٌّ للجهل؛ لأنَّ الجهلَ لا يصنع ثورةً، والجاهلَ لا يقود ولا يثور ولا يحقّق نصرًا، فالثائرُ الحقيقيّ في عيون أحمد هو ذاك الذي يبحث عن هُويّته الثقافيّة بين دفتَيْ التاريخ كما يبحث عنها بين زخات الرصاص، منغمسًا فيها ومنغمسةً فيه؛ تؤهّله لوضع الاستراتيجيّات، والقدرة على المناورة والتكتيك، ويبذلُ أقصى جهدٍ من أجلها؛ لأنّها تمثّل كيانَهُ ووجودَه، وتقيسُ له مقدار غضبه على الواقع، وتحدّد له سبيل الوصول إلى الهدف؛ إنّها هُويّة الذات الثائرة!

لم يكن المشهد الصهيوني، تحديدًا، بعيدًا عن مِجهر أحمد، بل كان يغوص فيه تمحيصًا وتحليلًا وردًّا على روايته المزيّفة أوّلًا بأوّل؛ لتبقى فكرتُهُ حيّةً؛ القاضيةُ بأن تبقى جذوةُ الثقافةِ مشتعلةً في صراعنا مع عدوٍّ يقتلُ الكلمة، ويعتقلُ الحقيقة؛ لذلك لم يتردّد لحظةً عن مواصلة إيمانه العميق بأهميّة الكلمة وخطورتها، مؤمنًا بأنّ المعركة تحتاج إلى كلمةٍ تمهّد لها طريق الوصول إلى النصر؛ وأن البندقية لا بدّ لها من كلمةٍ لتصيبَ الهدف؛ فكرّس حياته ووقته كلّه دون كللٍ أو ملل، رغم ظروفه وظروف شعبه الصعبة، فكَنَزَ لنا كثيرًا من المعرفة والوعي في إطار معركتنا الشاملة مع الإمبريالية الكولونياليّة الاحتلاليّة؛ معبِّدًا لنا بوعيه المتفتّح ورصيده الهائل طريقًا أكثر وعيًا وتضحيةً نحو الهدف، وتاركًا لنا روحَهُ النقيّةَ لتمنحنا هالةً من نور الإرادة والعزيمة على مواصلة الدرب ذاته، ولتحثّنا على مراكمة الوعي النضالي بجميع أشكاله؛ لأنّ الجهلَ في ذاتِهِ احتلالٌ للعقل، وهذا ما كان يرفضُهُ أحمد، فسخّر عقلَهُ درعًا، وقلمَهُ سلاحًا، وقلبَهُ قلعةً محصّنة؛ يذودُ بنفسِهِ عن حياضِ وطنِهِ بكلّ ما فيه من ألم، متهيّئًا لرحيلٍ أبديّ لجسدِه المثخنِ بالجراح، ومتيقّنًا بعزيمةِ الأجيالِ من بعدِهِ على حمل لوائه، لذلك كان يكرهُ الرّثاء؛ لأنّه وقوفٌ على الحزن والجراح، وأحمد يدعونا إلى التقدّم والإقدامِ وعدمِ التوقّفِ أو الرجوعِ حتّى نصلَ إلى الهدف!

رحلَ أحمد ولم ترحل فكرتُهُ معه أو يرحل غضبُه، بل بقيت حاضرةً معنا وبيننا تدعونا كلّ لحظةٍ إلى مواصلة الدرب، من أجل قلعتِهِ الحزينة، وعشقِهِ العميق لوطنه، وتضحياتِهِ الكبيرة، من أجل أن تحيا الأجيالُ بكلِّ وعيٍّ وإصرارٍ حتّى التحريرِ والاستقلالِ والعودة!

وداعًا يا رفيق الكلمة والانتماء.. وداعًا يا صاحب القلعة الشمّاء.. وداعًا أحمد مصطفى جابر..