يكادُ مصطلحُ الثقافة الفلسطينيّة يقترب من مصطلح الثقافة العربيّة في صعوبة تقرير مستوى الخصوصيّة ودقّة الاستقلاليّة. بمعنى أنّه لو وجّهنا سؤالًا لأيّ مثقّفٍ يؤمنُ بالقوميّة العربيّة وطالبناه بوضع ملامح للثقافة العربيّة لما وجد غير اللغة قاسمًا مشتركًا، بيد أنّ اللغة العربيّة ليست المعيار الذي يُصطفى لنسمي مثقّفًا بأنّه مثقّفٌ عربيّ، استنادًا إلى كثرة المفاهيم ذات الصلة بـ (الثقافة)، وهذا ينطبقُ على ماهيّة الأدب العربي، هل هو المكتوبُ باللغة العربيّة أم المعالج للقضايا العربيّة. ولجوءًا إلى التعميم يمكننا القول إنّه مثلما هناك سياساتٌ عربيّةٌ واقتصاداتٌ عربيّةٌ توجدُ ثقافاتٍ عربيّة، أي هناك ثقافةٌ معيّنةٌ لكلّ قطر ٍ عربيّ، وفي داخل كل واحدٍ ثقافاتٌ متكوّنةٌ نسبةً للعرق واللغة والدين والانتماء والمذهب، ففي الدول الطائفيّة هنالك ثقافاتٌ للطوائف، وفي الدول التي تقطنُ فيها أقليّاتٌ، مثل الكرديّة والشركسيّة والأرمنيّة، هناك ثقافةٌ لكلّ عرق، وداخل كلّ عرقٍ هناك ثقافاتٌ أخرى بناءً على المذهب والانتماء الوطني والحضاري. أما الدول التي تحتضنُ أديانًا رئيسةً، كالمسيحيّة والإسلاميّة، فيمكننا ملاحظة وجود ثقافتين مسيحية وإسلامية، وداخل كل دين هناك ثقافة، كالثقافة السنّية والشيعية والثقافة المارونية والكاثوليكية وهكذا.. ويمكننا اقتناص مفرداتٍ وأفكارٍ تؤكّد ما ذهبنا إليه، لا سيّما أنّ المؤسسة الرسميّة الحاضنة والراعية للثقافة تتقاضى ثمن ذلك بطريقةٍ أو بأخرى، ولا نعني بالرسميّة الحكوميّة، فالأحزابُ قد تكون رسميّةً طالما تمّ تمثيلها في الحكومة، فكيف إذا كان لديها ميليشيات تحمل السلاح، ولديها انتماءاتٌ خارجيّة.
وبناءً على ما تقدّم، هل يمكننا القول: إنّ مصطلح الثقافة الفلسطينيّة، بتشعّباتها وانتماءاتها الأيديولوجيّة وتمثيلها للتنظيمات المسلّحة وغير المسلّحة، تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ مصطلح الثقافة العربيّة؟ سؤالٌ قد يبدو خطيرًا ومعقّدًا وجريئًا للغاية، ورغم ذلك، علينا أن نتعامل مع هذه الفرضيّة بجديّةٍ وصدقٍ كبيرين.
ثقافاتٌ فلسطينيّةٌ ومرجعيّاتٌ متعدّدة:
عودةً سريعةً إلى بدايات الثورة الفلسطينيّة، سنجدها قد تشكّلت من تنظيماتٍ تبنّت أطروحاتٍ فكريّةً متباينة، ومنها الليبراليّة والإسلاميّة والاشتراكيّة والشيوعيّة والقوميّة والديمقراطيّة وغيرها، وكان مصدر هذه المنظومات الفكريّة من الأقطار العربيّة الداعمة للتنظيمات، مثل الاتّجاه القومي والاتّجاه البعثي القومي الاشتراكي، واتّجاه الإخوان المسلمين وأطيافهم. وترجم الكتّاب والأدباء المنتمون تلك الأفكار في خطاباتهم السياسيّة والأدبيّة والاجتماعيّة. ففي الوقت الذي لم تكن لدينا دولةٌ بعد، كان الخطاب الفلسطيني يتحدّث بأسلمة المجتمع، أو بليبراليّته، أو بدكتاتوريّة البروليتاريا، أو شيوعيّة الملكيّة، فكان أن وضعنا وبشكلٍ مبكّرٍ العربة أمام الحصان. وظلّ هذا الخطاب سائدًا إلى أن تمَّ توقيع اتفاقية أوسلو وتشكّلت السلطة الفلسطينيّة، فأصبح لدينا ثقافةٌ سلطويّة، وثقافاتٌ تحمل ملامح مرجعيات التنظيمات والحركات والأحزاب الأخرى، مع اشتداد نبرة الخطاب الإسلامي، نظرًا لعسكرته وارتباطاته بطموحات أحزابٍ كبيرة، مثل تنظيم الإخوان المسلمين والسلفيّة، وهؤلاء يغلبون الدين على القوميّة والوطنيّة، مع الإبقاء على التيّارات الماركسيّة ال لينين يّة والشيوعيّة والاشتراكيّة، حتى أن أحدهم سمّى نفسه ماركسيًّا سلفيًّا. وبما أنّ القوّة هي التي توجّه الفكر، فقد أصبحنا أمام اتجاهين رئيسيين، الأوّل الاتجاه الإسلامي، والثاني الاتّجاه الليبرالي. الاتجاه الأوّل يعمل بجدٍّ ونشاطٍ ويستميتُ في ترجمة ثقافته الدينيّة على السلوك اليومي للناس والشارع ويطمحُ إلى إنشاء مجتمعاتٍ شبيهة، والثاني المفترض أنّه ليبرالي وديمقراطي، إلا أن الخطاب السلطوي تمكّن منه، وبات يمارس ثقافةً تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ ثقافةَ الأنظمة المجاورة لفلسطين. ولو تداعينا في التوصيف، سنقول: إن الكيان الصهيوني لديه ثقافةٌ رئيسةٌ واحدة، ولتكن اليهودية، ويعلن خطابها بوضوحٍ في المنابر المحليّة والعالميّة، وفي المقابل، لم نجد لدى الفلسطينيين خطابًا يواجه الخطاب اليهودي المتطرّف، والخطاب الإسلامي في جوهره، الذي يرفض أن يتبنى القوميّة الوطنيّة، ولو إلى حين، يكاد لا يواجه الخطاب اليهودي، ويرى في العالم كلّه وطنًا، ويسعى إلى نشر الإسلام في المعمورة، مع قناعة أصحاب الاتجاه بأنه تكليفٌ إلهي. وقد سمعنا أكثر من مرّةٍ تصريحاتٍ مسرّبةً على ألسنة قياداتٍ إسلاميّة، أن فلسطين (مثل نكاشة الأسنان، وهدفنا يتجاوزها)، وبذلك تكون الثقافة الدينية قد هربت من المواجهة الوطنية مع العدو، الذي من المفترض، أن يكون عداؤنا معه يكتسب أولويةً قصوى. هي نتيجةٌ صعبةٌ جدًّا؛ القول: إننا لا توجد لدينا ثقافة المواجهة، ولا يكفي أن نكون مقتنعين بحقّنا في وطننا الأصلي كي نبني ثقافة مواجهة.
غياب الاستراتيجيات الثقافيّة أدّى إلى غياب مشهدٍ ثقافيٍّ فلسطينيٍّ واضح المعالم:
وعلى الصعيد الداخلي، بعيدًا عن وجود الآخر العدو، ولو بحثنا عن الاستراتيجية الثقافيّة للسلطة الفلسطينيّة، بصفتها الممثّل الرسمي للشعب الفلسطيني، فلن نجد سوى برامج لتنظيم فعالياتٍ ثقافيّة، وليس استراتيجيات مواجهة، قصيرة أو طويلة المدى، برامج لفعاليات مهرجانٍ سينمائيٍّ ومَعرِض كتاب ومَعرِض تشكيلي ومهرجان مسرحي وغيرها، تعود لوزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب، وهما وجهان لعملةٍ واحدة لم تستطيعا استقطاب المثقف الفلسطيني أو توحّده، أو خلق حالةٍ ثقافيّةٍ وطنيّةٍ فلسطينيّةٍ متماسكة، أو مشهدٍ فلسطيني واضح المعالم والصفات. وفي المقابل هناك تشرذمٌ خطيرٌ في الساحة الثقافيّة الفلسطينيّة، فكلُّ تنظيمٍ له مكاتبُ تنظيميّةٌ أدبيّة، ولا تلتقي هذه المكاتبُ في أي فعاليةٍ ثقافيّة، كأن الثقافة الفلسطينية تحوّلت إلى جزرٍ نائية. أمّا المثقف الفلسطيني المستقل غير المنتمي إلى أي مكتبٍ حركيٍّ أدبي، يبقى يعاني من الإهمال والمصادرة وعدم الاعتراف بنتاجه الفكري والثقافي والأدبي والفني، ومن استطاع المحافظة على استقلاليّته كان قد استقلّ اقتصاديًّا ولم يعد في حاجةٍ إلى داعمٍ مادي.
الوحدة الثقافيّة تتحقّق بالوحدة السياسيّة:
إنّ ما يحزّ في النفس ويجرح المشهد الثقافي الفلسطيني وجود ثلاث بيئاتٍ رئيسةٍ للثقافة الفلسطينيّة، بيئة ما أُطلق عليها فلسطين الـ 48، وهي البيئة التي حافظت على جذورها في فلسطين ولم تهاجر إلا أنّها تماهت شيئًا فشيئًا مع "المجتمع" الإسرائيلي لضروراتٍ معيشيّةٍ وأخرى مستترة، والخطاب الثقافي لهذه البيئة له خواصه وملامحه. وهناك بيئة السلطة الفلسطينية، وهذه منقسمةٌ إلى بيئتين جرّاء الانقسام السياسي، بيئة سلطويّةٌ في الضفة الغربيّة، وبيئةٌ في قطاع غزة، ولكلّ بيئةٍ معطياتُها وحيثياتُها وظروفُها وتشعباتُها. وهناك بيئة الشتات، وهذه تنقسم أيضًا إلى أقسام، وأهمُّها، الشتات الغربي والشتات الشرقي، ففي الأولى خطاب أقرب إلى الثقافة الفلسطينيّة الموحّدة، وفي الثاني، أي الثقافة الفلسطينيّة في الشتات، فإنها تجمع ملامح البيئة السلطويّة وبيئة اللجوء، ويتداخل فيها التشدّد مع الليبراليّة، حتى إن بينهما نزاعٌ مسلّحٌ بين الحين والآخر يهدفُ إلى السيادة والهيمنة، ولكل واحدةٍ من هذه البيئات خطابٌ يختلف عن الآخر.
الوحدة الثقافية لن تتحقّق إلا بالوحدة السياسيّة، وسيبقى التشرذم ملمحًا رئيسًا لإيقاع المشهد العام، ما يدعو إلى التساؤل بحرقةٍ: هل الفلسطينيون مجبولون على الانقسام؟ وهل هي نتيجةٌ للسياسات المتخبّطة الفاشلة؟ أم نتيجةٌ لسياسات مدروسة؟ هناك من يقول إن هدف تجهيل الشعب الفلسطيني في الشتات يأتي ضمن مؤامرةٍ جليّة، فمن هم أطرافها؟ هل هي وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين، الأونروا؟ أم التنظيمات الفلسطينيّة؟ أم الدول المضيفة؟ ومشروعيّة التساؤل تنبثق من تراجع نسبة المتعلّمين بين اللاجئين في الدول العربية، وتزايد نسبة أنصاف أو أرباع المثقفين، ناهيك عن تراجع القيم الإنسانيّة والتآزر الوطني بين الأفراد، وانتشار آفة المخدرات. ويعود كل ذلك بسبب غياب الجهود الفعالة للتنظيمات واللجان الشعبية، ولا دخل للدول المضيفة. فالمخيمات الفلسطينية تطوّرت من حيث العمران فقط، وانتشرت البنايات ذات الثلاث طوابق، بينما تراجعت ثقافيًّا وأخلاقيًّا ووطنيًّا وتربويًّا. أليس هذا نتيجةً لغياب البرامج الثقافيّة الحقيقيّة، ونتيجة الانشغال بالمهاترات والحروب الجانبيّة؟
جبهة ثقافيّة مقاومة:
على المثقفين والمفكرين الفلسطينيين دقّ ناقوس الخطر قبل أن تتحوّل المجتمعات الفلسطينية في الشتات إلى بؤرٍ للجريمة والانحراف، وأخص بالذكر المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان. وعلى وزارة الثقافة الفلسطينيّة أن تدرك مسؤوليّاتها تجاهَ الشعب الفلسطيني في الشتات والداخل، وأن ترسم استراتيجيّةً قابلةً للتنفيذ يكون هدفها الإنسان الفلسطيني بعيدًا عن الانتماء الحزبي والتنظيمي والديني والمذهبي، وأن تكون الثقافة أولوية، الثقافة بمعنى تعزيز أساليب الحياة المدنية الحضارية، وتأهيل الإنسان الفلسطيني على العيش في سلامٍ مع محيطه الشبيه والمضيف، وأن تقام قنوات فعالة بين الداخل والخارج تكون عابرة للتناقضات والخلافات السياسيّة.
الشعب الفلسطيني بما يملك من تراثٍ شفويٍّ ومكتوب، وإمكانات إبداعيّة عالية في الشعر والرواية والقصّة والرسم والتمثيل والغناء وكل الفنون التعبيرية، إضافةً إلى المشغولات اليدويّة، يستطيع أن يشكّل جبهةً ثقافيّةً صلبةً في مواجهة الاحتلال، ومقاومة الجهل، ومحاربة الآفات الاجتماعيّة. فقد آن الأوان لقيام هذه الجبهة الثقافية، التي إن نُفّذت بإخلاص، ستكون الواجهة الحضاريّة الأنقى للشعب الفلسطيني، عندها تكون الحرب الحقيقية قد بدأت، متسلّحين بحضارتنا العريقة وبمثقفينا ومبدعينا ومفكرينا في العالم أجمع.
المثقّف الفلسطيني قادرٌ على رتق الخلافات وردم الفجوات السياسيّة، ورسم صورة الشعب المتلاحم الموحّد المنتمي لوطنه بكل جوارحه، إذا ما مُنح الاستقلالية. الشعب المؤمن بالحريّة وقدرته على مواجهة التحدّيات، وصولًا إلى الاستقلال الفعلي، الذي يبدأ بالاستقلال الثقافي، وبناء مشهدٍ خالصٍ لوجه فلسطين.

