Menu

سيكولوجيا السلطة في عالمنا العربي أو "تناذر هوبليس"

اقبال الغربي

يقول رائد الأنوار كانط: أن السلطة تفسد الطبائع وتفسد الأحكام العقلية. ويضيف الفيلسوف الفرنسي آلان: إن السلطة دون رقابة تؤدي إلى الجنون.

ويؤكد علم النفس السياسي أن أي رئيس، لحزب سياسي أو لجمعية أو لدولة يصاب بعد 10 سنن من ولايته بجنون العظمة المرضي. ويرى الخبراء أن تولي السلطة يتسبب في تغيرات في الحالة العقلية والسلوكية للشخص، وأن هذه التغيرات ليست مجرد تغيرات في السمات الشخصية للفرد، بل هي حالة مرضية أطلق عليها اسم (متلازمة أو تناذر هوبريس). وربما لهذا السبب السيكولوجي حدد رجال القانون ولاية الرؤساء في الولايات المتحدة الأمريكية ب8 سنوات.

يكابد عالمنا العربي الإسلامي منذ شيوخ القبائل إلى خلفاء الأمة وإلى يومنا هذا النموذج السلطوي السقيم والعقيم الذي يتجلى في الحكم الفردي المطلق واحتكار الحقيقة الدينية والدنيوية واحتكار الثروة واحتكار صناعة القرار السياسي.

ويستفحل هذا المرض كلما علت درجة السلطة وغابت الرقابة وطالت الفترة الزمنية في كرسي السلطة. ويمكن الحد من هذا المرض إذا توفرت سلطة

القانون والمؤسسات وارتفعت يقظة المجتمع وتمت الاستعانة بمراكز البحث العلمي ومخابر الدراسات المستقبلية والاستشرافية لصناعة القرار السياسي.

وتوجد عدة أعراض لمتلازمة هوبريس نذكر منها:

1 ) هاجس الصورة المثالية و لبحث اللامتناهي عن الشهرة والمجد والإطراء. وهنا نذكر أن عبارات الإعجاب والإطراء تجعل الدماغ يفرز هورمونات السعادة وخاصة مادتى الدوبامين والسيريتونين وهي هرمونات تحفز مستوياتها المرتفعة أحاسيس النشوة والمتعة والسعادة وتعزز الشعور بالرضا التام والبهجة وبالثقة بالنفس، وفي المقابل إذا انخفضت درجة الإعجاب والإطراء انخفض مستوى هورمونات السعادة وشعر المريض بالفراغ وبالقلق وبالاكتئاب وهو ما يجعله يتشبث بالسلطة ويبحث لاهثا عن المجد والشهرة من جديد مثله مثل مريض الإدمان والمخدرات.

2 ) تضخم الأنا والثقة العمياء في الذات و في عبقريتها والذي يؤدي حتما إلي النرجسية والتغطرس والاستئثار بالرأي والارتجال والقرارات الاعتباطية والمندفعة وهي سمات الحكم الفردي الأحادي والهاذي الذي عانت منه أوطاننا وأدخلها في حروب عبثية ومآسي لا تحصى ولا تعد لأنه يهمش آليات التشارك والتفاوض والحوار.

3 ) فقدان المريض تدريجيا صلته بالواقع وبتفاقم هذه العزلة يقع تشويه وحتى انكار الواقع الموضوعي وازدراء موازين القوى الحقيقية وهكذا يعيش المريض في عالم موازي يحكمه الفكري السحري الطفولي الذي يطالب من الواقع إعطاءه نتائج مناقضة لقوانينه العلمية ويعجز عن إنتاج سياسات داخلية وخارجية مرنة تتأقلم وتتكيف والمتغيرات والمستجدات.

مريض الهذيان يستثمر كل طاقاته لتبرير قناعاته ومعتقداته الذاتية، التي تستأثر بكل اهتمامه، الهاذي يصدق قناعاته ومعتقداته ويكذب الواقع والحقائق العلمية والطبية والتكنولوجية والمثال على ذلك المتطرفين الذين ينكرون إلى يومنا هذا حقيقة كروية الأرض وينتجون الكتب والأطاريح في جامعاتنا حول الأرض المسطحة.

4) تدني الشعور بالتعاطف مع الآخرين: التعاطف مع الآخر هو القدرة على فهم رغبات وحاجات ومشاعر الآخر وتفهم وجهة نظره والقدرة على وضع النفس مكان الآخر المختلف. والتعاطف هو أهم عنصر من عناصر الذكاء الانفعالي الذي يمكن

الفرد من تطوير مهارات اجتماعية متقدّمة تجعله قادر على العمل ضمن فريق، وعلى مساعدة الآخرين وتحفيزهم على النجاح والإبداع.

مريض السلطة عاجز عن التعاطف فهو يتعالى على الآخرين ويعتبرهم مجرد وساءل للوصول إلى غاياته وأهدافه، فهو مبعوث العناية الربانية لتخليص الشعوب وقيادتها نحو الأفضل رغم عنها...