Menu

مخيم جنين ومدينته

حاتم استانبولي

مخيم جنين ومدينته تختصران ٧٥ عامًا من المقاومة المستمرة التي اتخذت أشكالًا متعددة عبر الزمان والمكان، تخلله الانتظار والمراوحة، ومن ثم بعدها الانطلاقة، ومن ثم المقاطعة التي فُرِضَت بهدف فصل المخيم عن مدينته. لكن في كل مرة يحاولون فيها قطع أوصال المخيم عن مدينته ينتفض المخيم ليوقظ مدينته عند كل فجر جديد، ليذكرهم أنهم في تلاحم وتداخل لا يمكن فصلهم وتمزيق أوصالِهم لو أحضروا كل جَرافاتهم وحَفاراتهم التي يريدون بها أن تصل إلى جذورهما المتشابكة على مدى ٧٥ عامًا.

دائمًا كان لِلمخيم دور في إيقاظ البعد التاريخي لدور المكان عبر الزمان، هذا المكان الذي احتضن أبطال الجيش العراقي الذي دافع عن المدينة التي حافظت على رفاتهم الذي تداخل مع جذور المدينة ومخيمها.

المفارقة بين زمانين ومكانين:

المشهد الأول: اعتداء المستوطنين على القرى الفلسطينية، حرقوا المنازل والأملاك وبحماية من جيش الاحتلال الإحلالي في حوادث تعيد إلى الذاكرة الهجمات الإجرامية من قبل المنظمات اليهودية الصهيونية على القرى الفلسطينية ما قبل النكبة، هذه القرى الفلسطينية المكشوفة لا تملك أية حماية إلا صدور مواطنيها الذين طالبوا المقاطعة بأن تحميهم وإذا لم تستطع فعليها أن تسلحهم.

المشهد الثاني: الاعتداءات على المخيم المستمرة عبر الزمان وتحت أعين المقاطعة التي كانت دائمًا تتركه وحيدًا، كان دائمًا جاهزًا للدفاع عن نفسه وعن قضيته، ليعيد للذاكرة أن أصل القضية وجوهرها هي الخيمة التي ترمز إلى المكان المُغتصب الذي أسقطته المقاطعة من جدول أعمالها.

مخيم جنين يعيد الاعتبار إلى الفكرة التي حولت خيمة لجوء إلى خيمة مقاومة وبذات الوقت يسقط فكرة المقاطعة ويعيد الاعتبار إلى المخيم وفكرته التي تتناقض مع الطبيعة العدوانية والاحلالية لليهودية الصهيونية التي تجمعت من كل أنحاء الأرض من أجل العدوان والقتل والاغتصاب والتشريد.

مقاومة مخيم جنين يجب أن تكون إشارة إلى ضرورة إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية وإلغاء مصادرتها لصالح المقاطعة، لكي تعود كمظلة ورافعة للمخيمات الفلسطينية، حيثما تواجدت هذه المنظمة التي ارتبط تأسيسها بالمخيم وقضيته.

مخيم جنين ومدينته ومقاومته أسقطت فكرة المقاطعة التي تريد أن تفصل المخيم عن مدينته.

مخيم جنين أعاد الاعتبار لفكرة المخيم التي تحمل رمزية الزمان والمكان.

المقاطعة عليها أن تحسم خياراتها وأن توقف العبث الذي تقوم به من اتصالات عبثية يريد المحتل الإحلالي منها تعميق الهوة بين المقاطعة والمقاومة والشعب الفلسطيني بكل فئاته الذي لا يفهم الاتصال (الذي حدث بين زمنين حرق ترمسعيا واقتحام مخيم جنين ومدينته) بين الوزير حسين الشيخ وبين غالانت وزير جيش الاحتلال الصهيوني وناقش التهدئة الذي صرح أنه أبلغ البيت الأبيض بعدوانه على المخيم قبل ١٠ أيام أي قبل لقائه بالوزير حسين الشيخ.

إن التصريحات الإسرائيلية حول ضرورة الحفاظ على المقاطعة ودورها المتفق عليه بضبط حركة الجماهير الفلسطينية المناهضة للاحتلال وأدواته، يجب أن ترد عليها بشكل واضح لا لبس فيه، حول دور الأجهزة الأمنية الفلسطينية وعقيدتها التي ترى أن دورها ومسؤوليتها يجب أن يتحول من مدافع عن المصالح الأمنية الإسرائيلية إلى مدافع عن مصالح الشعب الفلسطيني وقضيته.

هذا الموقف يجب أن يعلن الآن ويترافق مع طلب من جماهير شعبنا في كافة أماكن تواجده من أجل الخروج وإعلان موقف مع مخيم جنين ومدينته وشهدائهم وجرحاهم.

في ظل هذه الهجمة الصهيونية المسعورة لحكومة الاحتلال الإحلالي وإعلانها بوضوح عن مخططاتها بضم الضفة وتوسيع الاستيطان والاعتداء على القرى الفلسطينية والقتل اليومي الميداني واستمرار الاعتقال والسجن والاعتداء على الأسرى والمعتقلين، على ضوء كل ذلك على المقاطعة أن توضح موقفها وتلغي وتسقط فكرة المقاطعة وتعيد الاعتبار لفكرة المخيمات ومدنهم وإلغاء المقاطعة لصالح منظمة التحرير الفلسطينية ومقاومتها في غزة ووضع الأنظمة العربية أمام مسؤولياتهم القومية وإخراج القضية الفلسطينية من أجندتهم في سوق المقايضة النفعية مع المؤسسات المالية والاقتصادية.

مخيم جنين ومدينته مع باقي المخيمات ومدنهم لا يطالبون هذه الأنظمة بالقتال عنهم، بل تطالبهم بوقف إعطاء الاحتلال الصهيوني الإحلالي صكوك براءة ووقف تمويل مؤسسته العسكرية، عبر إبرام العقود العسكرية والاقتصادية من أموال الشعوب العربية التي طالما عبرت عن عدائها للاحتلال الإحلالي وبذات الوقت دعمها اللامحدود للقضية الفلسطينية التي اعتبرتها قضية عربية قومية.

إن إصدار بيانات الإدانة أصبحت أسطوانة مشروخة، خاصة عندما يتبعها عبارات بعض وزراء الخارجية حول ضرورة إحياء عملية السلام التي لم يتبقَ منها سوى معنى لونها الأبيض الذي حوله الاحتلال الصهيوني الإحلالي من سلام إلى استسلام.