Menu

في طبقيّة النضال الوطني التحرّري وذكرى اغتيال الشهيد نزار بنات

د. عصام حجاوي

نشر في العدد 51 من مجلة الهدف الإلكترونية

في الرابع والعشرين من حزيران الحالي يكون قد مضى عامان على اغتيال الشهيد المغدور نزار بنات على أيدي أجهزة أمن سلطة أوسلو، حيث ما تزال مهزلةُ محاكمة المتهمين المباشرين الأربعة عشر باغتياله مستمرةً، ولا يتوقّع لها أن تنتهي قريبًا أو أن تصل لنتائجَ حاسمة، خاصةً وأن عائلة المغدور وأصدقائه يطالبون بكشف الغطاء عن المتورطين باغتيال نزار، ومن أصدر أمر اغتياله، التي تطال قمة الهرم الأمني والسياسي لسلطة أوسلو لتشمل محمود عباس ورئيس حكومته اشتيه، بالإضافة لرئيس جهاز الأمن الوقائي زياد هب الريح ومدير جهازه في الخليل ماهر أبو الحلاوة.

رأس المال الفلسطيني المتصهين وقضيّة تبييض التمور:

لم يتسنَّ لي معرفة الشهيد المغدور شخصيًّا، ولكن جمعتنا قضية نضال شعبنا، وإن اختلفت المواقع والاهتمامات، وهكذا وفي سياق تصدي نزار لفساد سلطة أوسلو وإفسادها، فقد تحدّث في حلقةٍ له قبل أشهرٍ من اغتياله عن قضية اعتقالي، وتلفيق تهم الإرهاب لي في بريطانيا في شهر آب ٢٠٢٠؛ بحجة إقامة علاقات مع الجمهوريين الأيرلنديين في شمال أيرلندا المحتل، حيث ما زلت أخضع للكفالة بانتظار المحاكمة.

في تلك الحلقة تحدّث نزار عن السبب الحقيقي لاعتقالي من قبل أجهزة الأمن البريطانيّة، الذي كان إطلاقي لحملة مئويّة إعلان بلفور في الثاني من تشرين الثاني عام ٢٠١٧، التي طالبت بملاحقة بريطانيا قانونيًّا، وإجبارها على تحمّل تبعات جريمتها المستمرة تلك من كل الجوانب كافةً.

وفي سياق حديثه في حينه فضح نزار وبجداره توجهات المليادير منيب المصري، الذي كان قد رفع قضيةً جزائيةً على بريطانيا على خلفية إصدارها لإعلان بلفور المذكور في محكمة بداية نابلس، مشيرًا لحقائق وارتباطات إمبراطورية منيب المصري الاقتصادية بعجلة الاقتصاد الصهيوني، وتناقض ادّعاءاته الوطنية مع تلك الحقائق، فكيف يستوي ذلك الارتباط العضوي مع ضرورات النضال الوطني وتبعاته؟

وارتباطًا بذلك يغيب عن قصد وسبق إصرار قضية وطنية من الدرجة الأولى تحاول سلطة أوسلو دفنها منذ أن فاحت رائحتها النتنة قبل أكثر من عامين، التي تعرف بقضية تبييض التمور الصهيونية، المتورط بها رجال أعمال ووزراء سلطة أوسلو وأزلامها.

حقائقُ اقتصاديّةٌ تفضح حجم الجريمة والمتورطين بها:

تتلخّص القضيّة باختصارٍ بقيام بعض التجار ومالكي شركات التمور وبشراكة فاضحة مع مسؤولي السلطة ووزرائها بتزوير شهادات منشأةٍ فلسطينية لتمورٍ من إنتاجٍ صهيوني على أنها تمور من إنتاج فلسطيني، وتصديرها على هذا الأساس. فحسب الأرقام والتقديرات الرسمية لوزارة سلطة أوسلو، يقدر إنتاج التمور الفلسطينية ب ١٢ ألف طن سنويًّا من محافظات أريحا والأغوار وطوباس، وهي في أغلبها من نوع المجهول، الذي ينتج فقط داخل فلسطين التاريخية والمغرب فقط، ويتم استهلاك ما يقارب نصف ذلك الإنتاج السنوي محليًّا؛ أي أن كمية المتاح للتصدير لا يتجاوز الـ ٦ آلاف طن سنويًّا تصدر لـ ٢٦ دولة حسب الوزارة نفسها، بينما يتعدى إنتاج الكيان الـ ١٢٠ ألف طن من نحو ٢٥ مستوطنة زراعية في الأغوار المغتصبة تدر عليه أكثر من ١٠٠ مليون دولار سنويًّا.

وفي سياق حملة مقاطعة الكيان، وفرض العقوبات عليه - حملة ال BDS صدمنا ومنذ سنوات من حجم التمور المعروضة في محلات التسوق في أوروبا والمغلفة على أنّها إنتاج فلسطيني ممهورة بالعلم وبتسميات فلسطينية مقدسه يهتز لها ضمير كل وطني شريف، حيث أفاد أحد المستوردين الذي يقيم في بريطانيا عائدًا من زيارة له لمزارع التمور في الأغوار أنّه قام هذا العام فقط باستيراد ما يربو على ٢00٠ طن من التمور من شركات تصدير فلسطينية ممهورة بشهادة منشأة فلسطينية!!! فمن أين أتت تلك التمور؟ ‪ ومن هم المتورطون بهذه الجريمة الوطنية؟ ولماذا تتعامى سلطة أوسلو عن الموضوع وتعيق الإجراءات القانونية في المحاكم منذ أكثر من ٣ سنوات؟

لقد قام الائتلاف من أجل النزاهة والمسألة - أمان- بتسليم هيئة مكافحة الفساد ملف - تبييض التمور - منذ سنوات عدّة، ولم تقم الهيئة بتحويل الملف للنيابة العامة إلا بعد تأخير غير مبرر ورغم ذلك ما يزال الملف يقبع في ملفات المحاكم رغم اكتمال كل عناصر الجريمة، ولكن هناك على ما يبدو من يحاول إغلاق الملف نهائيًّا، وخاصّةً من قبل متنفذين كبار في وزارتي المالية والزراعة لسلطة أوسلو.

القانون الفلسطيني:

ينصّ القانون الفلسطيني رقم (٤) لسنة ٢٠١٠ على “الحبس مدّة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات وغرامة مالية أو إحدى هاتين العقوبتين لكل من تداول منتجات المستوطنات، وكل من شارك أو أسهم في تداولها أو ورد سلعة أو خدمة للمستوطنات” كما “يمنع القانون أي دائرة حكومية من تسجيل أي وكالة أو علامة تجارية إذا كان موضوعها يتعلق بمنتجات المستوطنات، ودعوا لشطب تسجيل أي شخص وأي وكالة تجارية إذا تداول منتجات المستوطنات أو استخدم وكالته لتداولها“ وعليه فإن سلطة أوسلو وجهازها القضائي مدانون بأجوبة وإجراءات شافية لأكثر من خمسة آلاف مزارع وعامل فلسطيني في الأغوار يشاهدون يوميًّا ومنذ سنوات شاحنات محملة بالتمور تخرج من المستوطنات الصهيونية تجاه شركات فلسطينية للتصدير قبل إعادة تصديرها منتجًا فلسطينيًّا تحت سمع وبصر بل ومشاركة وتغطية من أزلام سلطة أوسلو ومرتزقتها.

دم نزار وعود على بدأ:

على مدار ٧ سنوات من نشاطه المُحرض قبل اغتياله من قبل أجهزة السلطة، أولى نزار اهتمامًا خاصًّا بفساد السلطة على كل المستويات مستندًا لحقائق ماديّة كان يصعب على السلطة مواجهتها فكان قرار التخلّص منه بأبشع الطرق لإسكات صوت الناس والحقيقة، وقد أدرك، وخاصّة في الأشهر التي سبقت اغتياله، أن رأسه أصبح مطلوبًا للتصفية من قبل تحالف المستفيدين من بقاء السلطة وأجهزتها الذين يدركون أنّهم ليسوا سوى شخوص بامتيازات تمنحهم إياها سلطات الاحتلال الصهيوني، وليسوا شخوصًا بصلاحيات وطنية تتناسق مع المصالح الوطنية لشعبنا وبرنامجه ومشروعه الوطني في التحرير والعودة وتقرير المصير ونحن - الشعب الفلسطيني - لم ولن نكون استثنائيًّا بين الشعوب التي خاضت تجارب معارك التحرير، فكل تلك الشعوب شهدت وعاشت تجارب تحالف بعض رأسمالييها مع سلطات الاحتلال خدمة لمصالحها الذاتية التي تتعارض مع المصلحة الوطنية، إلا أنه وفي حالتنا الفلسطينية وبعد أكثر من قرن ونيف من النضال التحرري؛ ما زالت بعض الفئات المجتمعية تستسيغ مقايضة الدم بالدينار؛ لتؤكد مرارًا وتكرارًا أن حرية الشعوب لن ينتزعها سوى من لهم مصلحة حقيقية في النضال والكفاح على اعتبارهم مزارعي النخيل وعماله في الأغوار الصامدين بحقولهم في مواجهة مستوطني الكيان، وليس تجار الدم وشركائهم ممن يزورون شهادات منشأة إنتاجهم… إنّها طبقيّة النضال الوطني؛ فلا نامت أعين أصحاب المال المتصهين ومرتزقتهم.