Menu

كيف نفهم ما يجري في روسيا؟

مسعود أحمد

تابع العالم كله خلال الأيام الماضية ما جرى على جبهة القتال الأكثر سخونته منذ بدء العملية الروسية مطلع السنة الماضية، حيث انسحبت مرتزقة فاغنر من مدينة روستوف باتجاه العاصمة الروسية موسكو، لتشكل هذه الخطوة التحول غير المتوقع في مجرى العملية العسكرية الجارية وأفسحت المجال للتحليلات السياسية والعسكرية وتضاربها وتكييفها بحسب الغايات وربما الأمنيات... أين الخطأ والصواب في تلك التحليلات والتسريبات؟ وعلى ماذا استندت تلك التي اعتبرتها خدعه بوتينية؟  
وللوقوف على كنه الحقيقة علينا استرجاع الأحداث، حيث ارتفع حينها صوت زعيم فاغنر يفغيني بروجين، مطالبا تارة بتعزيزات إضافية وتارة أخرى بتوجيه اللوم للقيادة العسكرية الروسية واتهامها بالقصور والتقاعس وغيرها التي يطلقها صراحة، واستنادا لما يجري على الأرض والفعالية العسكرية الروسية تحظى هذه الدعوات والتهم بقدر من المصداقية ولامست مشاعر قطاع عريض من الشعب الروسي الذين لم يرضيهم إلى الآن الأداء العسكري الروسي.. الأمر الذي أوجد له قاعدة شعبية بدأت في الاتساع وتمددت لتشمل معظم حلفاء روسيا على الصعيد العالمي، بحيث يضع خطوته  في سياق ما ذهب إليه البعض... ورغم ذلك لن ننجرف إلى وصف ما جرى باعتباره مسرحية بوتينية أو إلى تلك  تعتبرها من الخدع البصرية التي يجيدها محترفي السرك الروسي، فالصراع ساخن وإلى حد كبير يتوقف على نتائجه مصير العالم ومستقبله ولا يحتمل هذا النوع من المزاح والتهريج.. وحتى ننفي هذه الخزعبلات.. سنكتفي بطرح سؤالا وحيدا، لماذا لم تستجيب القيادة الروسية لدعوات بروجين المتكررة وتزويده بالأسلحة التي يحتاجها وهو على خط النار، إذا تمت الإجابة العلمية والموضوعية... حتما نقترب من فهم ما جرى بشكل دقيق... وأن النقطة المركزية تتمثل في النظرة الروسية والتي تنطلق من طبيعة فاغنر باعتبارها قوة مرتزقة بصرف النظر عن موقعها في الجهة التي تراهن شعوب العالم على انتصارها.. وهي شبيهة بتلك القوات المأجورة التي ابتكرتها الولايات المتحدة الأمريكية في حروبها خلال العقود المنصرمة تحت عناوين شتى.  
هذا النوع من الجيوش لا يحمل عقيدة وطنية وفي حالات محددة يمكن أن ينقلب إلى النقيض بسرعه البرق ويمكن رصد أهم تحولاته في حالتين.. الحالة الأولى: عندما تتعرض لانتكاسات ميدانية وتنسد أمامها امكانية الانتصار. والحالة الثانية: عندما تكبر قوتها وتتمرس في فنون القتال وأساليبه، حيث تنمو لها مصالح ومطامع مستقله لم تكن متوفرة من قبل.. وهذا ما يفسر التردد الروسي في تزويده بالأسلحة النوعية، رغم مناشدته المتكررة، وذلك تحسبا لهكذا خطوة متوقعة... أما فيما يتعلق بالاستجابة السريعة لوساطة الرئيس البيلاروسي ألكسندر لكاشينكو وطبيعة العقود التي حصلت عليها بعد هذه العملية في تجنيد مقاتلين من روسيا وعدة بلدان أخرى وإسقاط الملاحقات القضائية  والتي أضافت مبررات معقولة لوجه النظر التي تعتبر ما جرى مجرد تكتيك  روسي متفق عليه، فهذا يعود لسببين، السبب الأول: الحكمة الفائقة التي تعامل بها الرئيس فلاديمير بوتين، والسبب الثاني: الأفق العسكري المحدود لقوات فاغنر  في حالة الذهاب إلى خيار المواجهة العسكرية المضادة.. وحتى نستلفي أسباب نفي الخدعة نستحضر تصريح الرئيس فلاديمير بوتين حين اعتبرها طعنة في الظهر.. ثم في ظل الاختراقات الأمنية المتبادلة لطرفي الصراع الرئيسين  الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من جهة، وروسيا من جهة أخرى، لم يعد هناك أسرار كبرى   يمكن أن تخفي حتى يتم التحايل عليها باللجوء لهكذا مسرحيات هزلية  التي وإن صدقت تحدث إرباك في صفوف المقاتلين وتضعف الجبهة الداخلية العريضة؛ وأضرارها أكبر من منافعها وهي على كل حال مستبعدة... وبقدر ما يفهم  بأن الموضوع  يدخل في إطار الخدع السياسي المشروع بقدر ما يؤكد بأن قطاع واسع من قياده فانغر ما زال على ارتباط وثيق بالقيادة الروسية وقد سايرت  تلك العملية إلى منتهاها، وهو ما يفسر تلك البرودة التي تعاطت فيها القيادة الروسية مع هذه الخطوة، وفي شقه الآخر هو إجراء اضطراري لجأت له روسيا في مواجهة المعسكر الغربي الرهيب  في ظل حياد الحلفاء والاكتفاء بالدعم السياسي والمعنوي وتحول بعضم الى مراقبين سياسيين وعسكريين  ومع تطور الأحداث ستتضح الأمور بشكل تام.
تعزو معظم التحليلات الغربية مغزى هذه الخطوة إلى فتح جبهة بيلاروسيا وهو استنتاج مستنتج، وفي كل الأحوال، فإن الاتجاه إلى فتح جبهة بيلاروسيا القريبة من العاصمة الأوكرانية كييف كانت محتملة قبل وبعد هذه الخطوة وهي تأتي ضمن خيارات روسيا الإستراتيجية. أما كيفية الاستفادة من هذه الخطوة في إجراء عملية تطهيرية في صفوف القيادة العسكرية الروسية كما يشاع، فلا شك فإن هذه العملية أكثر من ضرورة إذا اخذ أدائها الميداني معيارا.. ومن الطبيعي أن توفر هذه الخطوة حجج أكبر ستكون أسهل بعد هذه العملية.. وربما هي الفائدة الوحيدة من هذه الخطوة.