Menu

من جنين إلى بنت جبيل: لنا جبروت

بوابة الهدف الإخبارية

خاص بوابة الهدف

في تموز من العام 2006 عايشت الجماهير العربية محطة لافتة في مسار لتحول تاريخي، لقد دمرت المقاومة العربية الكثير مما بنى عليه الكيان الصهيوني مناعته، أولئك الغزاة الذين حصنوا أنفسهم لأكثر من 70 سنة بالأساطير، كانوا على موعد مع هزيمة عسكرية وسياسية كبرى، ومع طحن لأساطيرهم واحدة تلو أخرى استمرت فيها المقاومة طيلة شهر من القتال.

هذا المسار لم يولد مع انطلاق عملية "الوعد الصادق" بل سبق ذلك بكثير، وسجل محطات كثيرة على طريق بناء منظومة قتال عربية ناجعة وقادرة على هزيمة العدوان في معارك عسكرية مباشرة، هزائم موثوقة وموثقة وليس ادعاءات بالانتصار، ولكنه أيضًا وليد لحظة انطلاق المقاومة اللبنانية أواسط الثمانينات، أو حتى الثورة الفلسطينية.

نعود بالتاريخ لنجد ملامح لهذا في جنين، في أحراش يعبد، قربها، حيث سال الدم النقي لشيخ سوري من جبلة جاء ليفدي أرض العروبة وأمتها في فلسطين ويقارع الغزاة الصهاينة، ويبنى مثال عن قيمة الحشد والتنظيم والتعبئة والقتال، ليحمل عبد القادر الحسيني شعلة يحاصر بها مستوطنات الغزاة شهور طويلة، ولكن هل هذا شأن عربي يرتبط فحسب بالصراع مع الغزو الصهيوني؟

ما أنتجته الشعوب العربية من منظومات للمقاومة طيلة القرن الماضي قد يكون السمة الملازمة لجوهر الصراع البشري في هذا القرن، مشاريع استعمارية شتى صعدت؛ أرسلت غزاتها وجيوشها وصنعت الاحتلال والقهر والقمع، بالنار وقوة السلاح، ولم تكن منظومات السلطة مؤهلة إطلاقًا لمواجهة نيران الغزاة وقيادة الشعوب للصد أو التحرير، فكان جواب الشعب هو إطلاق منظومة حربه الخاصة، لم يحتج عبد القادر أو القسام لمعايشة تجربة فيتنام، أو قراءة ماوتسي تونغ أو خوض حرب تحرير الجزائر رفقة أبطالها، فقد سبقوا هذا كله، فهذا الجواب أي التنظيم الشعبي المسلح والمقاتل والمحاط ببنى شعبية داعمة وحاضنة لم يكن وصفة مبتكرة تم تناقلها بفعل العدوى الأيديولوجية، ولكن استجابة محددة أثبتت نجاعتها ضمن تجارب الشعوب المغلوبة في محاولتها للتحرر.

نعم لقد كان التعميق النظري لهذه الممارسة والنماذج إضافة مهمة، ولكنه بالتأكيد ليس أهم من فعل أبطال الكورنيت في وادي الحجير حين دمّر طوابير العدو المدرعة، وهنا لا بد من وقفة، لماذا يحب العربي الكورنيت وبندقية القنص وصواريخ ستريلا ومضادات الطيران المحمولة كتفًا، ويمقت الطائرة والدبابة؟

إنها ذاكرة هذا النموذج والمسار التاريخي للشعوب المكافحة، فلم يكن قتالنا وفعلنا نتاجًا لتعاظم منظومة إنتاج وصناعة عسكرية ضخمة تسعى لبيع أدوات القتل وأسلحة الغزو، لم نكن جزءًا من شراكة الفولاذ والمال والجشع.. نحن أبناء الشعوب والإنسانية والعروبة؛ أكوام اللحم وسواعد الشجعان وأفئدتهم المرهفة المنتمية، نتقن الغارة بما خف من السلاح وسهل حمله والتنقل به، نحن غارة الصبح وكمين الليل؛ نحن سهام الشعب تمزق كبد الفولاذ.

تحية الشهيد غسان كنفاني في ذكراه لا يمكن فصلها عن ذكرى أبطال حرب تموز، وأبطال معركة جنين منذ أيام، أو ذكرى عملية الوهم المتبدد، أو عن شهداء اشتبكوا بالمسدسات مع فرق النخبة الصهيونية حتى آخر رمق وآخر طلقة؛ فهؤلاء أبناء تجربة وسياق بَشرَّ به غسان حين درس تجربة القسام وثورة ١٩٣٦، وصلة كل هؤلاء ببعضهم وبعماد مغنية ومحمد الضيف ووديع حداد وفتحي الشقاقي؛ أعمق مما يمكن أن يفهمها العدو أو عَبِيده، هذا صوت الشعب وسلاحه الملقّم بالأرواح الشجاعة.