أبدا لم يلتفت جندي الاحتلال إلى ساعدي الطفلة المقدسية كنز وهي تمتد للفضاء لعل الله يلقي بحضن والدها المقيد بالقيود وبالجنود إليها، لكن جنود الشيطان لم يروها والشيطان لمن لا يدري هو مؤسس العنصرية الأول في هذا الكون، حين رفض السجود لآدم، لأنه مصنوع من التراب، وبالتالي جاء من يفرق بين عرق وعرق أو حسب اللون أو الجنس أو الدين أو الطائفة أو البلد أو الجهة أو الحي وحتى العشيرة.
شيطان العنصرية الذي حرم ساعدي كنز الصغيرة من احتضان والدها والارتماء في أحضانه، منع والد كنز أخرى في مخيم جنين من القدرة على الإفلات من ساعديها طوال فترة الحرب على مخيم جنين ولأكثر من ثمان وأربعين ساعة، لم يتمكن والد كنز الجنيني، رغما عن أنفه بعد أن غادر والده أرضه الأصلية في الجليل مجبرا على يد شيطان ثالث.
كثيرة هي شياطين الاحتلال وشيطناته ليس بنفسه، ولكن باختراعاته ومنها هذا الشيطان الآلي الذي يسميه أهالي جنين ومخيمها بالزنانة، والتي تجوب أزقة المخيم وتقف على شبابيك نوم أهله وتطل على أسرّتهم وخزائن ملابسهم وتدخل كل زاوية، إن لم يكن من الشباك، فبواسطة ما لديها من تقنيات لم تصل للحياة المدنية بعد.
أولئك الذين يتحدثون عن حقوق الحيوان في أوروبا وأمريكا والذين لم توقظهم دماء الأوكرانيين أبدا ما داموا يقاتلون الروس نيابة عنهم ولم تقلقهم حتى دماء فقراءهم، حين أرسلوهم للموت أو للقتل، تحقيقا لمصالحهم وجيوبهم وثرواتهم، هؤلاء لم يقلقهم أبدا أن النساء والرجال في جنين ومخيمها يرتعشون خوفا وهم يخلعون ملابسهم حتى ولو للاستحمام.
مِن دعاة حقوق الحيوان يُعرف أن هناك حقوقا مسكوتا عنها للإنسان الفلسطيني الذي تخضع خفايا جسده لتدخل الاحتلال المتواصل ليل نهار ومنذ أمد ليس قليلا ليس في جنين وحدها ولا في مخيم جنين وحده، ولكن أنى كان الفلسطيني يعيش على وطنه، فالطائرة التي اصطلح أهالي جنين على تسميتها بالزنانة لا تفارقهم ليل نهار ومنذ شهور.
الزنانة أخذت اسمها من الزن أو الطنين الذي تصدره بلا توقف ولمن لم يجربوا ذلك، فليجربوا الجلوس أمام آلة للطنين دقائق معدودة، ليعرفوا: كيف يمكن للحياة أن تستمر؟ وكيف يمكن لطفل فلسطيني أن يمارس اللهو في ظل هذا الصوت؟ وما هي الشخصية التي سيكون أو تكون عليها أطفال جنين ومخيمها حين يكبرون؟
الذين لم يجربوا هذا الطنين ولم يجربوا المراقبة الدائمة والمطلقة لحياتهم ليل نهار، لم يسألوا أنفسهم: كيف يمارس سكان جنين ومخيمها الحب تحت عيون الزنانة هذه ومن يقرؤون رسائلها في الخلف؟ وأي صور سيلتقطون لهم إن هم قرروا الاستجابة لرغباتهم الإنسانية الطبيعية في مجتمع محافظ حتى النخاع؟
كل طفل فلسطيني هنا وكل رجل وامرأة من كل الأعمار بحاجة لأن يعرف معنى الهدوء وهو لا يمكنه مثلا مثل كل عباد الله أن يجلس لحظة هانئا مع زوجته، يرتشف فنجان قهوة وبعض أعقاب سيجارة ويستمع لفيروز وهو يتمتم لزوجته بكلمة حب علنية تحت أعين الزنانة التي لا تفارقهم. إنهم لا يراقبون المقاومين البواسل فقط، وإنما ينغصون حياة الناس الآمنين لعلهم يغادرون الوطن إلى غير رجعة ويتحدثون عن الإرهاب والإرهابيين، دون أن يرف لهم جفن وتساندهم دول العالم أيضا، وكأن الفلسطيني أقل درجة من ذلك الحيوان الذي يؤسسون له جمعيات ويسنون قوانين لحمايته.
الإرهابي من يمنع الحب بحرمان كنز من احتضان والدها ومراقبة غرف نوم الفلسطينيين ومنعهم من العمل والسفر والسكن والتعلم والتطبيب، بل ومنعهم من لحظة هدوء واحدة يحتاجها كل كائن حي، بما في ذلك ليلا هانئا وصامتا للنوم... ففي جنين ومخيمها لم يعد ممكنا النوم الهانئ، فالزنانة لا تنام ولا ينام معها سكان المخيم.
إنهم ينغصون حياة كل فلسطيني على وجه أرضه الفلسطينية لا لشيء، إلا ليغادر ويغتصبوا مكانه ويقيمون على أرض فلسطين أكبر قاعدة للعنصرية والجريمة على وجه الأرض برعاية شيطان الأرض الأكبر أمريكا ومن لف لفها، ولا يجوز أن نستثني أحد، فما دام هناك طفل فلسطيني لا يستطيع احتضان والده وأب لا يمكنه ترك خوف طفلته ورجل لا يستطيع عناق زوجته وشاب لا يجد قدرة على صناعة غده بحرية، فإن الحرية تبقى ناقصة لكل بني البشر ولا يجوز لأحد التشدق بحريته ولا بديمقراطيته إلا على قاعدة واحدة أن العنصرية المنتمية للمؤسس الأول لها الشيطان هي التي تحكم هذا العالم، وليس العدل ولا تعاليم الله بالمساوة بين الناس في كل شيء.
في جنين ومخيمها الحب محرم، وفي القدس الصلاة محرمة، وفي الخليل البيت محرم على صاحبه، وفي بيت لحم يصير الوصول إلى مهد يسوع بأمرهم لا بأمر الله وأهل بيته، وفي نابلس يصير قبرا يدعون قداسته أهم من كل المدينة ومخيماتها وناسها، وفي أريحا تصير عقبة جبر، عقبة أمام حياة سكانه على يد المحتلين، وفي الأغوار يصبح الرعي وخيمة الراعي إرهابا وقتل البشر دفاعا عن دين موسى عليه السلام الذي خانوه قبل غيره.
في جنين ومخيمها يصبح الطعام بنكهة غبار القنابل والرصاص والطرق المحروثة ويغيب الماء باردا أو نقيا ويغيب النوم ويغيب الحب ويغيب الأمان، ثم يأتي من يساوي بين القاتل الغيب والمقتول المقيم في بيته، ويتحدث عن أمن المدنيين من المدنيين، لا من الغزاة، وتتفهم كل دول العالم المارقة احتياجات دولة الاحتلال ولا تلتفت لصراخ الضحية، فأي حديث إذن يجوز عن طهارة هذه الأرض بهؤلاء السفلة الذين يوجهون دفة الأرض، حيث يشاؤون، فتصبح روسيا معتدية يموت في قتالها الأوكران وإسرائيل دولة حضارية لها الحق بقتل الفلسطيني غير الحضاري كما يرغبون.
إن من لا يدافع عن حق الفلسطيني في الحب كباقي البشر، لهو مشارك حقيقي للمحتلين في جرائمهم المتواصلة بلا توقف وبكل أشكال الإبداع في البطش والترهيب، لتدمير حياة الفلسطيني وتحويلها إلى جحيم لا يطاق، وبالتالي لا يجد سبيلا للعيش إلا بالتنازل عن حقه الطبيعي به، ليستجديه في أي مكان آخر، بعيدا عن وطنه الذي يُنهب على مرأى ومسمع من كل العالم الذي يدعي الحرية زورا.

