لا تختلف فلسطين – وإن كانت قبلا قضية فقط لوطن مفقود بالاستيطان - عن بقية البلدان العربية عن إرث الصراع الأيديولوجي عن القرن العشرين الماضي، حيث تحتوي مختلف الاتجاهات السياسية التنظيمية والحزبية السياسية اليسارية واليمينية والوسطية، وبعد توقيع اتفاقية السلام (الاستسلامية) مقابل استقطاع رقعة ضئيلة من الوطن الأم ويكون الوجود الفلسطيني الشعبي مرهون بيد الآلة الحربية العنصرية الفاشية لسلطة الحكم الصهيوني الإسرائيلي – كانت بداية طحن الموروث النضالي للقضية الفلسطينية بالقضاء على صيغ المقاومة المسلحة والانتفاضات الشعبية لاسترداد (الحق في الوطن) المنزوع جبرا بالغطاء الدولي والإرادة الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية – حيث تمثل الدولة الصهيونية إبرة غربية مغروسة لوجود تسيدها (المخفي) على المنطقة العربية والشرق الأوسط إقليميا يصل فيها القبض على كل من تركيا وإيران – كان شرط الخديعة بحل القضية الفلسطينية كقضية شعب وحقه بوطن يمثل وجوده.. ولكن بقبول طبيعة التعايش السلمي لدولتين – إسرائيلية وفلسطينية - على ذات الجسد المعروف جغرافيا بفلسطين – أي حل النزاع بالحق أحدهما مدني الوجود بهوية المنطقة أو الرقعة والأخر المتذرع به ب (الحق التاريخي) من الأزل القديم بكون أرض فلسطين هي موطنا خاصا لليهود منذ الأزل – تجاهلا تافها ملموسا بكون أن هذا الحق لم يكن له وجودا قبل سايكس بيكو وفرض وجود دولة صهيونية بغطاء الأمة اليهودية في موطنها (المستعاد!!!) فلسطين.
كانت آلة الطحن – لمشروع الكفاح المسلح الفلسطيني لاسترداد الوطن المفقود في مواجهة المشروع الاحتلالي والاستيطاني الصهيوني – قد طالت تحديدا القوى الثورية الوطنية التحررية (اليسارية) – تحت خديعة تحولها إلى صيغ المقاومة السلمية بتفتيت أجنحتها العسكرية بمخططاتها لمقامة الاحتلال.. كإرضاء لتحويل آلة القبض الغربية عن نظرها حول المقاومة الفلسطينية كقوى إرهابية ونشاط إرهابي منظم ضد أمن اليهود والدولة المقامة جبرا بعد 1916م – بينما أبقت تغاضيا على الأجنحة اليمينية المسلحة والفرق الانتهازية من القوى الوسطية، بما يمنح (المجلس الغربي الاستعماري الحديث) ذريعة الحماية المستديمة للنظام الإسرائيلي وتعزيز آليته العسكرية التفوقية وتبرير سلوكياتها الفاشية البربرية الوحشية لامتهان الفلسطينيين – أكانوا أولئك الموجودين في ظلال سلطة حكمها تحت مسمى الدولة الإسرائيلية أو الموجودين في ظلال المستقطع الضئيل الممنوح لمسمى الدولة الفلسطينية في رقعتي الضفة الغربية وغزة، فبقدر ما يكون الفلسطيني تحت الهوية الإسرائيلية فاقدا لحق المواطنة حتى من الدرجة الثالثة وفق التمييز العنصري بين اليهود داخل نطاق دولة نظام إسرائيل، بقدر ما تبرر ردود الفعل المسلح لتلك القوى على أساس عرقي لأي جانب من الفرق تحت مظلة فتح أو حماس أو الجهاد.. كرد إسرائيلي تدميري وقتل وحشي جماعي وذريعة للتوسع الاستيطاني دوما بادعاء حماية الوطن الإسرائيلي وأمن المواطنين الإسرائيليين (من همجية البربرية العربية المعلمة دما بالفلسطينيين).
فمنذ التوقيع على معاهدة الاستسلام (العربية) تحت موهم فلسطيني – إسرائيلي سرت ذات الآلية للأجندة (الأمريكو- غربية ) المشتركة بتفتيت قوى اليسار – لقبولها كقوى ديمقراطية – مع انماء الدولة العسكرية العميقة كقوة سلطة مطلقة يدور الشعب في فلكها وقطع خيط الربط بينه وبين تلك القوى التي لم تعد ندا لسلطة الحكم الدكتاتوري البوليسي، يشاركها واقعا لإنهاء قوى اليسار قوى اليمين الديني المتطرف عبر الغطاء الروحي للمجتمع ومن خلال خلايا الإرهاب الدموية المحسوبة عليها والتي يتم إيقاظها وقت الاحتياج لتصفية ما يتبقى من روح تلك القوى الوطنية شعبيا.
إذا، ما الذي يفرق حاجة بين الفلسطينيين والعرب في بلدانهم المختلفة؟ وهل القضية هي واحدة – كما تربينا عليه بأن القضية الفلسطينية هي قضية كل العرب؟
هذا ما سنراه وفق زعم مبحثنا الاستقرائي تاليا.
قبل الخوض لبحث إجابة ما سبق أعلاه، نجد أولا ضرورة الكشف عن (رهنية الخديعة العربية الواحدة المشتركة)، التي باعتقادنا ستكشف بوضوح فارق تلك الحاجة (وطنيا) بين الفلسطينيين وسائر العرب في مجتمع بلدانهم في المنطقة. فالبلدان العربية – التي كانت تسمى بالتحررية عن نظم الانتداب لبلدان الاستعمار الاستيطاني الغربي القديم.. أو بلدان الملكيات السلطانية الإماراتية العربية – جرت أقدامها بانقياد ساذج لوهم (الوطن) كإرث تحرري للأولى وإرث ممنوح غربيا ضمن لعبة التوازن العالمي لقوى النفوذ القطبية، بحيث انعكست ظلال ذلك الوهم (داخليا) بصراع دموي غير متوقف بين القوى المختلفة أيديولوجيا على (سلطة نظام الحكم المطلقة) على المجتمع – صراع يفرض عدم الاستقرار السياسي المجتمعي، يمزق الروح المجتمعية الواحدة للامة ويفتتها رقعا متنازعة تحت مختلف المعبرات العصبوية، وبقدر ما يفرخ واقعا تولد الأزمات بقدر ما يلتهم أية مكتسبات – ولو ضئيلة – حققت في فترات ماضية قريبة – صراع تتوهم كل قوة أو طرف أحقيته أو أحقيتها بسلطة الحكم كأمين مستحق (وطني) لحماية الوطن وإنسانه وكرامته – بغض النظر عن إطار التذرع النظري الأيديولوجي السياسي أو الديني الوضعي – فالجميع يدعي برمزيته الوطنية – الحقة – دونا عن غيره، بينما جميعهم المنتصرين بسلطة الحكم بين الفترات المختلفة من الصراع.. كرروا ذات معادلة الهدم لبلدانهم وضياع الروح الوطنية (الأصيلة مجتمعيا) لتستبدل بوطنية التابع الانقيادي للحاكم أو التابعة لرمزية قوى الأطراف المقابلة لسلطة نظام الحكم القائم، بما ينتج واقعا لوجود مشوش لمفهوم الوطنية باعتقاد اجتماعي باستلاب ذاتي في الأفراد على أساس مذهب القوة بترسيخ لعودة متجددة لطابع المجتمع الابوي التاريخي – بصوره المتجددة – ما ينتج في الأخير تغلب روح الانقياد لمراكز التحكم الخارجي الدولي على الداخل المجتمعي لبلداننا، والتي تتثبت واقعا برهن مختلف قيمنا المادية والروحية عبر سلطة نظام دولة الحكم أو معارضيها.. تحت وهم تعزيز قوة الوجود الداخلي لها من خلال الخارج – الغرب – أو عبر سياسة الإرضاء تجنبا لمواجهة عدائيته أو توجيهه لسلطة نظام الحكم للإجهاز عليها كقوى وأحزاب معارضة – وهذا ذاته ما جرى على القضية الفلسطينية، حيث تحولت الوحدة المجتمعية بمختلف قواها السياسية الأيديولوجية المقاومة من أجل قضية (استرداد الوطن المسلوب – فلسطين) إلى قوى متنازعة على مستقطع مجزوء ضئيل من مساحة الوطن الأم.. من أجل السلطة النافذة المطلقة على موهم مسمى (الدولة أو المجتمع الفلسطيني)، لينتهي تاريخ نضال مرير لاستعادة كامل الوطن الفلسطيني نحو متحول للمبادئ الضيقة ب: - منع التوسع الاستيطاني، قضية عودة المهجرين، قضية عودة المهجرين من 1948 و1967م، قضية المساجين والأحكام العنصرية الفاشية للدولة الإسرائيلية، وقضية لا إنسانية القمع والبطش الإسرائيلي على المواطنين الفلسطينيين – داخل إسرائيل أو خارجها – وقضية استلاب ملكيات الأفراد من أصول فلسطينية أو تدميرها تذرعا بالعبرة في إظهار قوة بطش الآلة العسكرية الصهيونية لكل من تسول له نفسه بالوقوف ضد مشيئة نظام الحكم الإسرائيلي – هذا غير رفع الحصار المتسلط على حياة المجتمع الفلسطيني وإنسانه داخل مسمى وهم مشروع الدولة الفلسطينية في كل من الضفة وغزة.
باختصار، يختلف الواقع الفلسطيني عن واقع البلدان العربية المختلفة، فهو في جوهر أساسه متمثل برهنيته بوجود الآلة العسكرية الفاشية للنظام الصهيو – إسرائيلي الوحشي المتسلطة عليه، بينما ظاهرة المنخدع فيه هو صراع الاختلاف الأيديولوجي بين سلطة فتح وسلطة حماس في مجزئي الهبة المعطاة بمسمى بلد دولة فلسطين المؤمل قيامها – ولم تقم بعد – بينما قضية الواقع الأساسية لمختلف البلدان العربية تبنى على أساس صراع القوى المتقاتلة على سلطة الحكم، وهو الصراع الذي كتب له ألا يحسم مطلقا إلا بمشيئة الخارج، ما يثبت واقعا تعميق الانقياد المجتمعي للخارج.
وعليه، فإن الفلسطينيين تجتمع حاجتهم الرئيسية الجوهرية بمحمول الضرورة (الجازمة أو الحتمية)، فطالما المجتمع الفلسطيني الممزق بين داخل إسرائيل والقطاعين الموهوبين كوطن معطى لتلك الهوية – هذا غيره الذين في الشتات – وطالما أنه واقع تحت آلة حرب متوحشة فاشية – عنصرية يمثل القمع والبطش والإذلال طبيعة نظامها المتبع تجاه الفلسطينيين، فإن حاجة الإنسان الفلسطيني رفع رداء الصراع الأيديولوجي على سلطة الحكم بين القوى الفلسطينية المختلفة، لعودة تخندقها (المبدئي) كقوى مقاومة واحدة لقضية واحدة تتمثل بالوطن فلسطين وحق شعبه العيش بأمان واستقرار فيه وبحماية كل المواثيق الدولية، لا تقل طبيعة (الوجود المسلح) بذات الدرجة لطبيعة الوجود السياسي المعتدل بحل قضية النزاع بشكل عادل بين دولتين يحاصر فيهما نزعات العداء وتأسيس مبدأ التعايش السلمي المتجاور – ففاشية الآلة الحربية الصهيونية (المطلق عقالها غربيا ومن أمريكا) لن يخفض وهممها بمطلق قوتها وتصرفاتها المجنونة تجاه الفلسطينيين أو العرب أو حتى على قوتي رأس الإقليم الأوسطي.. إلا بتعزيز وجود القوة العسكرية المواجهة لها – إن لم تكن قادرة على هزمها فهي تمتلك قدرة إقلال لها وضج مقعدها وقدرة تفتيت توزعي لقوة إسرائيل العسكرية على مختلف المساحات والأبعاد الجغرافية – كاحتياطات أمنية – وهو ما سيفرض واقعا مغايرا لبدايات تهشم القبة الحديدية والآلة الحربية للنظام الإسرائيلي الفاشي، حيث يحتاج متحد قوى المقاومة الفلسطينية إلى وجود حليف ندي مقابل لهيمنة الولايات المتحدة والغرب الاستعماري الحديث، وهذا الحليف ينبغي بناء العلاقة معه استراتيجيا في لعبة التوازن العالمي القادم، والمتمثل بكل من روسيا والصين، وعليه سيكون على طرف اليسار الفلسطيني مهمة بناء هذه العلاقة وتحويلها إلى حقيقة واقع – كفصائل جبهتين حبش ونايف حواتمة والحزب الشيوعي – وترك دور حماس والجهاد لربط العلاقة مع إيران – وجميعها على شريطة ألا تكون وكالات حرب تابعة داخل الجسد الفلسطيني، ولكن على أساس حل القضية العادلة للحق الفلسطيني في الأرض وإقامة دولته المستقلة على ترابه المسترد – بقدر ما يكون التواصل على تحقيق أسس لوجستية لنيل الحق، يكون عليه تعميق التدريب المسلح والالكتروني والصناعي الحربي وإن كان سريا، وأرى ضرورة بحث علاقة ربط نفعي عسكري بين الجناح المسلح الفلسطيني (السري) بقوة فاغنر وحزب الله شريطة لا تطال تلك العلاقة الوطن الفلسطيني وقضيته لصالح ما هو خارجها وعلى حسابها – حيث الآلة الحربية الصهيونية الوحشية بسند غربي فاشي للولايات المتحدة الأمريكية والناتو لن يقابلها غير ما ذكرناه سابقا، فهو ما يهدم مطلق التجبر العنصري للنظام الإسرائيلي، وهو ما سيفكك قواعد الانتهاك الاستيطاني الممتد من بعد 1916م حتى اللحظة، وما سيعيد للقضية الفلسطينية وجهها الحقيقي ولإنسانها وجوده وعيشه الكريم كحق غير قابل للتجاهل أو التمويه فيه.

