رغم كل التأكيدات من الجهات الحقوقية والوطنية، فالسلطة تصر على عدم وجود اعتقال سياسي. لا يمكن لرفضها هذا أن يغير من الحقائق شيئاً: إن الاعتقال السياسي موجود وموجود ويمس في الصميم السلم الأهلي، وقبل ذلك يلحق الضرر في العمق بالنضال ضد المحتلين، ولا يمكن فهمه إلا استجابة لالتزامات اتفاقية أوسلو.
محامون من أجل العدالة، القوى والفصائل الوطنية، المؤسسات الحقوقية، حركة الجهاد الإسلامي والنشطاء على شبكات التواصل، أهالي المعتقلين، كلها وغيرها تؤكد وجود الاعتقال السياسي، وتندد به، علماً أنه تم تداول وجود اتفاق برعاية كتائب شهداء الأقصى مع الأجهزة الأمنية بعدم التعرض للمقاومين في جنين، فيما قامت الأجهزة باعتقال ستة من مقاومي الجهاد الإسلامي كما أكد بيان للجهاد.
واللافت أن الاعتقال السياسي تم على مرحلتين، الأولى عقب انتخابات مجالس الطلبة في الضفة الغربية، وخاصة على ضوء نتائج مجالس الطلبة في بيرزيت والنجاح في اقتران زمني يؤكد الارتباط بين نتائج الانتخابات غير المرضية لحركة فتح والاعتقال السياسي للطلبة النشطاء، أما المرحلة الثانية فعقب انسحاب الصهاينة من مخيم جنين بفعل الصمود البطولي للمقاومين، حيث تم اعتقال ستة من مقاومي حركة الجهاد.
ربما نكون أمام لوحة تعج بالغرائب. من جهة، فقيادات السلطة تتحدث عن مرحلة جديدة بعد معركة جنين البطولية ستبدأ تحديداً باجتماع الأمناء العامين، فيما يتم (تدشين) تلك المرحلة و(التجهيز) للقاء الأمناء العامين بتشديد الاعتقال السياسي!!! وقد بلغت حماسة المتفائلين حد اعتبار الدعوة لاجتماع الأمناء العامين والزيارات القيادية لمخيم جنين تحولاً في النهج السياسي للسلطة السياسية، أمام ما أبرزته قدرات المقاومة وصمودها وبطولتها، من حيث فرضها أمراً واقعاً لا يمكن القفز عنه، وأمام حكومة اليمين الفاشي الصهيونية التي أعلنت عن تسونامي استيطاني في القدس والأغوار، والأهم أمام انسداد آفاق التسوية.
يصعب فهم هذا الكم من التفاؤل. من ناحية سياسية استراتيجية، فاتفاقية أوسلو والنظام السياسي الذي نشأ عنها أفرز بنى اجتماعية وسياسية واقتصادية، وشبكة علاقات ومصالح وامتيازات، تربط بين النخب الفلسطينية الحاكمة ومن خلفها رأس المال المطبع والمهيمن اقتصادياً، وبين دولة المشروع الصهيوني، بحيث يغدو من السذاجة تصور أن تحولاً جذرياً في نهج السلطة يمكن أن يتم بين عشية وضحاها. هذا من الناحية الاستراتيجية، أما من زاوية الوقائع المادية على الأرض في الوقت الحالي، فلا شيء يؤشر لتغير في نهج قيادة السلطة. اشتداد وتيرة الاعتقال السياسي، عدم تنفيذ العديد من القرارات والتي اتخذت على مدى سنوات وبحضور الأمناء العامين ومؤسسات المنظومة، والتي تنص على سحب الاعتراف بإسرائيل ووقف فعلي للتنسيق الأمني والتحلل من اتفاقية باريس، وكل ذلك عنى شيئاً واحداً، لا على المستوى الفصائلي فحسب، بل على المستوى الشعبي: عدم الثقة مطلقاً بالقيادة وقراراتها.
عدم الثقة هذه والملموسة شعبياً، عززه في الآونة الأخيرة الالتفاف الشعبي الهائل حول ظاهرة المقاومة في شمال الضفة، الأمر الذي يعني تعميق الهوة أكثر فأكثر بين الشعب والقيادة الرسمية، وظهور مقاتلي المقاومة وفصائلهم كقيادة من نوع آخر، تستحق الالتفاف حولها، ناهيك أنه يطرح خياراً آخر للعلاقات الوطنية، غير الخيارات الرسمية المكرورة والتي لم تؤتِ ثمارها وباتت لا تحظى بالقبول الشعبي، بل تحظى بالتندر، ونعني بهذا الخيار الآخر جبهة المقاومة الميدانية الوطنية التي تجسدت في المواجهات المتكررة في جنين ونابلس، وعبّرت عن نفسها فعلياً وما زالت في الغرفة المشتركة في القطاع، وفي التنسيق بين مقاتلي الفصائل في المواقع المشتبكة، لذلك كان لافتاً المؤتمر الذي عقدته تلك الفصائل وضم الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة في جنين: فتح والجهاد وحماس والشعبية.
لا يمكن حل مسألة العلاقات الوطنية ولا الانقسام بالأمنيات الطيبة، أمنيات العجائز الطيبات التي تعوّل على اللقاء، محض اللقاء. هذا لا يصلح في عالم السياسة، خاصة أن اللقاءات تعددت ولم ينتج عنها شيء اللهم بيانات تلحق ببيانات وتصريحات تلحق بتصريحات، فيما لا خطوة فعلية على الأرض.
وقف الاعتقال السياسي تماماً والإفراج عن المعتقلين، وقف فعلي لا لفظي للتنسيق الأمني، سحب الاعتراف بدولة إسرائيل، التحلل من التزامات اتفاقية باريس والتوجه الفعلي لبناء اقتصاد الصمود والمقاومة، الترتيب لانتخابات المجلس الوطني كمدخل لإعادة بناء المنظمة، وعلى قاعدة إعادة الاعتبار لميثاق المنظمة وخيار المقاومة، بديلاً لنهج التفاوض؛ تلك مداخل لجعل لقاء الأمناء العامين المدعو له نهاية الشهر ذو قيمة فعلية، لا لقاءً مثل كل اللقاءات السابقة، ينعقد لينفض دون أية تأثيرات؛ غير ذلك لا قيمة للاجتماع.

