في هذه القراءة السريعة استعراضٌ لمجموعةٍ من المعطيات التي قد تشكّل صورةً غير مشجّعة، وهنا لا أريد التشاؤم، بل سأحاول أن أُركّب صورةً واقعيّةً وتوصيفًا منطقيًّا في التنافس على قيادة العالم وتغيير منظومة حكمه ودوره في الاقتصاد والطاقة والعسكر في الحرب الجديدة. فالمراقب لما يجري حاليًا يلاحظ أن هناك جملة من الأحداث تؤكّد على وجود مرحلةٍ من الحرب الباردة تدور بين طرفين في العالم؛ أمريكا وحلفاؤها من جهة، والصين وأصدقاؤها من جهة أخرى، والحرب في أوكرانيا هي الجزءُ العسكري وهو جزءٌ مهمٌّ جدًّا، حيث عملية تغيير النظام العالمي قد بدأت وتتجه إلى عالم متعدد الأقطاب بدلًا من الأحادية القطبية الحالية.
إنّ الحرب العالمية الثالثة قد بدأت، لكن لها شكلها المختلف عن الحروب السابقة ولها تنوّعها من حيث أسلحتها الاقتصاديّة والعصب المحرّك لاقتصاديات العالم ألا وهو الطاقة.
اقتصاديًّا:
إنّ الدولار هو العملة الدوليّة الوحيدة القويّة، حيث كل عملات العالم تقيم بالدولار ما عدا عملة الصين خارج هذا التقييم، حيث حافظت الصين على استقلالها النقدي، ولم تدخل في عضوية نظام سويفت العالمي. والصين تحاول استلام القيادة للعالم من الولايات المتّحدة، ولكن لن تستطيع ذلك، في وقتٍ سيستمرّ الصراع بين القطبين، الذي سينتهي كما انتهت كل الحروب السابقة بالجلوس إلى طاولة المفاوضات والاتفاق على النتائج. نحن الآن في الوقت الضائع على طريق الوصول إلى قيادة للعالم متعددة الأطراف.
ما نقاط الخلاف الصيني الأمريكي؟
ببساطة، الخلاف على هيمنة الولايات المتحدة على الإنترنت وعلى الدولار وعلى الملكية الفكرية وعلى التجارة، حيث أصبحت الصين أكبر تاجر في العالم وتفوقت على أمريكا بحجم التجارة الدولية وأصبحت أكبر مُصنّع في العالم.
نحن أمام صراعٍ بدأ اقتصاديًّا وصناعيًّا وتجاريًّا وقد يتطوّر إلى احتكاكٍ عسكري، وخير مثال أوكرانيا التي ستستمر الحرب بين معسكرين وقطبين إلى أن يضطر الطرفان إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، والوصول إلى اتفاق على نظامٍ عالمي جديد متعدد الأقطاب.
من صفات الدول العظمى الاكتفاء الذاتي من الموارد والخامات واقتصاد قوي وعمله قوية. للعلم فقط أن الدولار حركته اليومية في العالم بصفته النقد المتداول دوليا تبلغ 5 تريليون، وهذا بشكل وسطي. إن الولايات المتحدة تملك مطابع العملة وتطبع كميات منها بلا حساب وبلا سقف وتقدر كمية النقود المطبوعة في الولايات المتحدة خلال السنتين الماضيتين ما يساوي كمية النقود التي تم طبعها خلال المئتين السنة الماضيتين رغم أن كل شيء متوقع، ولكن من غير المتوقع إفلاس أمريكا ولا خوف على مستقبل الدولار في المدى المنظور.
من يحكم العالم اليوم؟
نحن اليوم في عالم دون نظام يطبق على الجميع، وكل طرف يمارس ما يستطيع أن يمارسه بيده حيث (كل مين بايدو الو) لا نظام ولا سلطة تسيطر على المنظمات الدولية لوجود قطبين أمريكي وصيني. الأول يرى أنه يجب أن يتمسك بقيادة العالم، والثاني يحاول أن يصل إلى إزاحة القطب الأوحد. لا يوجد قيادة موحدة للعالم، ونحن مقبلون بالتأكيد على قيادة للعالم متعددة الأقطاب والأطراف.
إن الاقتصاد العالمي اليوم نتاج عوامل عدّة أهمها الثورة المعرفية، التي تنتج قفزات هائلة في مجال الاختراعات واستخدام الموارد وصناعة التكنولوجيا، وقد ظهر الذكاء الاصطناعي الذي من المتوقّع أن يحكم العالم ومقدراته. فالذكاء الاصطناعي وصل إلى حدٍّ خلط فيه كل الأوراق حتى بات المرء لا يميّز بين الحقيقة والخديعة.
الحكاية خطيرة ومعقّدة قد تصل إلى فناء البشرية كما يقرّ العلماء، حيث مع هذا التطوّر التقني الهائل أصبح أي خطأ يتسبّب في كارثهٍ جسيمة، إلا إذا وضعت له ضوابط أخلاقيّة، وتم تسخيره لخدمة سعادة الإنسان ورفاهيته، حيث لكل اختراع واكتشاف علمي حسنات وسيئات، لذا يجب النضال والعمل لأجل منع هذا الإنجاز المخيف من الإساءة للإنسان والأخلاق.
المنطقة العربية، وخاصة المشرق والخليج العربي تقوم بدورٍ مهمّ في الاقتصاد العالمي، وحاجة القوى الصناعيّة الكبرى في العالم للطاقة والغاز العربيين، يطرح السؤال المهمّ هل سنشهدُ تنافسًا للسيطرة على المنطقة من قبل الأقطاب المتصارعة؟ وهل موقع المنطقة الجيو سياسي سيسمح بحسم الأمور لصالح قطبٍ معيّن؟
إنّ المنطقة العربيّة تنتج ما يعادل 37 % من إنتاج النفط العالمي ولديها 50 % من الاحتياطي العالمي النفطي وتحتوي جغرّافيتها على مضائق ومعابر مهمّة، مثل قناة السويس وباب المندب وهرمز. والصين دولةً عظمى تعتمدُ على النفط والطاقة المستوردة، فهي تستورد 72% من احتياجاتها للطاقة من الشرق الأوسط، وخاصة السعودية والعراق، والجزء الأكبر من هذه الاحتياجات يمر من الخليج العربي والممرات البحرية الأخرى التي بمجموعها تقع تحت رحمة البحرية والقوات الأمريكية المنتشرة حول العالم، ولذلك بدأت الصين بالاستيراد من روسيا لتخفيف المخاطر المحدقة. وللولايات المتحدة سوابق كثيرة عبر التاريخ في استخدام سلاح النفط ضد خصومها، ولنا عبره فيما فعلت مع اليابان قبيل الحرب العالمية الثانية، حيث كانت اليابان القوة الاقتصادية المهمة والمنافسة لأمريكا حيث فرضت حظرًا نفطيًّا على اليابان قبل الحرب لخنق الاقتصاد الياباني.
لكن الصين تدرك جيّدًا ما تفكر به الولايات المتحدة، وتعدّه أحد أبرز الشواغل الاستراتيجية للصين، من هنا حاولت الصين ومنذ فترة بإيجاد البدائل للطرق البحريّة، وسعت إلى تمتين علاقاتها مع الدول غير الحليفة لأمريكا _ روسيا و إيران _ الغنيتين بالنفط والغاز ويمكن الاستيراد منهما برًّا عبر بناء طرقٍ بديلة، هذا من جهةٍ ومن جهة أخرى عبر مبادرة الحزام والطريق وهي مجموعة من الطرق التي تربط دول العالم بالصين لتأمين مرور الطاقة والمواد الخام من مناطق مختلفة، وخاصة الشرق الأوسط بعيدًا عن سيطرة البحريّة والقوات الأمريكيّة، ومن ثَمَّ قامت بتطوير تقنيات الطاقة البديلة التي لا تعتمد على النفط أو الغاز، ونفّذت مشاريع ضخمة على هذا الصعيد توفّر من اعتمادها على الخارج وأكثر أمانًا للبيئة.
عسكريًّا
أمريكا تتحكم في جميع الممرات البحرية الاستراتيجية بالعالم عن طريق القيادة المركزية المتمركزة في مملكة البحرين ونشر 30 ألف جندي أمريكي في المنطقة للسيطرة على مصادر الطاقة والغاز ولنا خير دليلٍ على ذلك إفادة الجنرال قائد القيادة المركزيّة المسؤول عن القاعدة في البحرين، وذلك في مثوله أمام الكونغرس في 24 آذار 2023 حيث أجاب على أسئلة المتحدثين من النواب حول تحديات الأمن القومي للولايات المتّحدة قائلًا:
في حال حدوث صراع بين الصين والولايات المتحدة يمكن للقيادة المركزية بتوجيه القوات العسكرية لقطع طرق الإمدادات البترولية المتوجّهة للصين، وسنكون قادرين على التحكّم باقتصادهم وتعريضه للخطر من خلال مقر الأسطول الخامس الذي مقره مملكة البحرين. واستعرض بعد ذلك مدى الحضور العسكري الأمريكي بالمنطقة مقارنةً بخصومهم الصين وروسيا، مؤكّدًا تحالف دول المنطقة مع الولايات المتحدة، وتستضيف قواعد عسكرية على أراضيها وعديد القوات في هذه القواعد 30 ألف جندي وسيكون سلاح النفط لخنق اقتصاد الصين.
وعلى الضفة الأخرى الصين وروسيا عملتا بشكلٍ مبكّرٍ على: تشكيل تحالفاتٍ اقتصاديّةٍ مع الدول غير المتحالفة مع أمريكا وظهرت تكتلات مثل منظّمة شنغهاي ومنظمة دول البريكس، حيث تعاونت كلٌّ من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، وحاولت هذه الدول كسر هيمنة الدولار وكسر الهيمنة الاقتصاديّة الأمريكيّة على العالم، وتشكيل نظام سويفت مستقل عن السويفت العالمي والتخلّص من خطر العقوبات التي تفرضها الولايات المتّحدة وإنشاء بنك التنمية الجديد ليكون بديلًا عن البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي من أجل فكّ ارتباط اقتصاداتها بالدولار.
والملاحظ والمثير للاهتمام أن هناك مجموعةً مهمّةً من الدول تطلب الانضمام لهذه المجموعة بعض هذه الدول لها ثقل اقتصادي وثقل مالي وبعضها الآخر له ثقل عسكري وسكاني مما يجعل توسيع عضوية هذه المنظمة يعزز مكانتها على الساحة الدولية قوةً منافسةً لمجموعة السبع الكبرى، حيث تسعى لإطلاق عملةٍ موحّدةٍ بينها تنهي هيمنة الدولار الأمريكي وهناك توجه متنامٍ لدى الدول النامية نحو إيجاد خيارات اقتصاديّة بديلة لهيمنة الدول الصناعية الغربية الكبرى وتحقيق عالم متعدد الأقطاب.
كما الملاحظ أن هناك إشكالية اقتصادية كبيرة، فالمؤسسات الاقتصادية العالمية التي يحركها الاقتصاد الغربي بالدرجة الأولى، وخاصة الولايات المتحدة قد ترهلت؛ إذ مر أسبوع مخاض عسير على الحكومة والاقتصاد الأمريكي وهو العجز عن سداد الدين الذي قد وصل لحد السقف الأعلى للعجز مما يهدد بانهيار مؤسسات مالية كبرى فيها وحول العالم.
خاتمة:
يجري التنافس على قيادة العالم، وسيصبح هناك أكثر من عمله دولية، وسيصبح هناك أقطاب اقتصادية متعددة، وستظهر هناك مؤسسات اقتصادية دولية جديدة؛ لأن التغيير حتمي، وهو الثابت الوحيد ولا شيء يدوم على حاله... نأمل بزمن قادم أجمل خالٍ من الاستغلال والحروب ويشعر فيه الإنسان بالفرح والسعادة.

