في مقابلة موسعة نشرت في موقع "ميدل ايست أي" البريطاني قال المؤلف والباحث الإسرائيلي يعكوف شاريت (ابن موشيه شاريت الذي كان من الآباء المؤسسين لإسرائيل- القاعدة الأمامية للإمبريالية والصهيونية في الشرق الأوسط وأول وزير خارجية لها وثاني رئيس للوزراء في عام 1954-1955) - قال بأنه لا يأسف فقط على تسوية النقب في أربعينيات القرن الماضي، وإنما يندم على المشروع الصهيوني بأكمله.
وتناول التقرير الذي نشر في الموقع قصة قرية عربية تدعى "أبو يحيي" بالنقب. وحكى الباحث كيف طُرد الفلسطينيون الذين عاشوا هناك في نكبة 1948، (حيث مارست إسرائيل سياسات التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني) وفي تلك السنة أي عام 1948 بعد ارتكابها أي الحركة الصهيونية جرائم النكبة، قامت دولة إسرائيل- المشروع الاستعماري الصهيوني الإمبريالي في منطقة الشرق الأوسط.
وفي تلك المقابلة يقول يعكوب شاريت ابن موشيه شاريت بأنه في عام 1946 قامت الحركة الصهيونية بالاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وتم إقامة مواقع استيطانية يهودية في 11 موقعا في النقب، وكان الهدف تأمين موطئ قدم يهودي لضمان سيطرة إسرائيل على المنطقة الاستراتيجية -أي النقب- عندما تندلع الحرب. وهنا نذكر بأنه بموجب قرار التقسيم أي تقسيم فلسطين الجائر الاستعماري الكولونيالي – حدد منطق النقب التي فاق عدد العرب فيها اليهود بشكل كبير- بأن النقب جزء من الدولة الفلسطينية. لكن الإرهاب الصهيوني الكولونيالي الاستعماري الإسرائيلي قام بطرد العرب من النقب وقاموا باحتلال النقب وضمه إلى دولة إسرائيل.
وهنا نذكر بأنه بعد سنة النكبة 1948، والمستمرة حتى الآن أي نكبة فلسطين، وتأسيس دولة إسرائيل سافر يعكوف شاريت إلى الولايات المتحدة ودرس هناك اللغة الروسية، ثم أرسل دبلوماسيا بالسفارة الإسرائيلية في موسكو، ليتم طرده لاحقا متهما بأنه رجل دعاية صهيونية وجاسوس لوكالة المخابرات المركزية الامريكية. وهذه المعلومة بالإضافة إلى معلومات كثيرة أخرى لا مجال لذكرها كلها دليل على أن الأخطبوط الصهيوني العالمي كان له دور في تفكيك الاتحاد السوفييتي، وهنا أذكر بأن أحد كبار مستشاري غورباتشوف كان عميلا للـ CIA وهو الذي كان وراء لقاءات غورباتشوف مع تاتشر وريغان. وعندما وافق غورباتشوف بتفكيك حلف وارسو، التزم ريغان وتاتشر بعدم توسيع حلف الناتو في شرق أوروبا، وهذا الالتزام كان كلاميا ولم يجرِ توثيقه كتابيا، وقد يكون هذا العميل مستشار غورباتشوف- عميل CIA وراء ما حدث.
وهنا أقول بأنه استمرار وجود حركة "ناتيف" الصهيونية في روسيا هو استمرار لوجود الأخطبوط الصهيوني العالمي في روسيا، وهذا الأمر قد يشكل خطر على روسيا من الداخل كما فعلت الصهيونية العالمية داخل الاتحاد السوفييتي، حيث كان لها دور في برنامج المخابرات الامريكية التي وضعت عام 1954 لتفكيك الاتحاد السوفييتي خلال 40 سنة وهذا ما حدث. وهنا أذكر ما كتبه زبغنيو بريجنسكي في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" بأن روسيا ستذعن لتوسيع الناتو عام 1999، ليشمل عددا من دول أوروبا الوسطى، ويقول بريجنسكي إياه بأن أوكرانيا هي الدولة الأكثر أهمية ولذلك يجب تمتين الروابط الاقتصادية والأمنية بكييف من أجل البدء في ضم أوكرانيا التدريجي لحلف الناتو. ويقول بريجنسكي بأن رفض روسيا لهذه الخطة أي خطة ضم أوكرانيا للناتو سيكون معادلا لرفض أوروبا واختيار وجود وهوية يحملان طابعا "أوراسيا" تكون روسيا فيه وحيدة ومعزولة.
ويضيف هذا الأمريكي خادم طبقة رأس المال الأمريكي العالمي ويقول "النقطة المهمة التي يجب أن لا تغيب عن الذهن هي أن روسيا لا يمكن أن تكون في أوروبا ما لم تكن أوكرانيا كذلك. في حين تستطيع أوكرانيا أن تكون في أوروبا دون الحاجة إلى أن يشمل ذلك روسيا أيضا" وما يسعى له حلف الناتو الآن، والنظام النازي الجديد في أوكرانيا- نظام نازية بنديرا – فرض علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية ملزمة وعضوية مع روسيا بهدف أن تصبح روسيا اضطراد جزءا لا يتجزأ من حلف الناتو وعندها تكون أوكرانيا ضمت لحلف الناتو، وهكذا يصل حلف الناتو الاستعماري الإمبريالي الذي يمثل مصالح طبقة رأس المال العالمي حتى جبال الأورال في روسيا، أو ربما إلى أبعد من ذلك. وبموجب الاستراتيجية الإمبريالية العالمية الأمريكية، بعد حصول روسيا "المنهزمة" في حربها ضد النازية على ارتباط أو حتى على نوع من أشكال العضوية في حلف الناتو ستفتح الأبواب لضم الدول القفقاسية الثلاث جورجيا وأرمينيا وأذربيجان- المتلهفة إلى الارتباط الأوروبي. وأذربيجان الآن تربطها علاقات "صداقة" مع إسرائيل القاعدة الأمامية للإمبريالية العالمية في الشرق الأوسط. فدعم النازية في أوكرانيا من قبل الولايات المتحدة وحلف الناتو، والدعم الأمريكي المطلق للصهيونية العالمية وقاعدتها الأمامية إسرائيل هي سياسة تهدف إلى فرض هيمنة القطب الواحد الإمبريالي المتغطرس المتوحش على العالم أجمع. ولكن كاتب هذه السطور متفائل جدا ومقتنع بأن روسيا ستنتصر في حربها على النازية في أوكرانيا. ولروسيا حلفاء استراتيجيون أوفياء كالصين و إيران والعديد من دول أمريكا اللاتينية والدول العربية ومشاركة 49 دولة إفريقية في مؤتمر دعت له روسيا لأكبر مثل على فشل سياسات الإمبريالية الأمريكية المتوحشة التي تهدف الى عزل روسيا لا بل تفكيك روسيا.
ولكن روسيا والشعب الروسي صامد وسيفشل هذا المخطط، وصمود الشعب الفلسطيني ضد همجية وبربرية الاحتلال الصهيوني اعتبره صمود انساني كوني عالمي.
وهنا أريد أن أتطرق إلى دور الحركة الصهيونية كأيديولوجية عنصرية شوفينية تمارس سياسات التعصب "القومي" والعرقية والتي ترتكز على الموضوعة اللاعلمية القائلة بوجود "شعب" (أمة) يهودي عالمي خاص مركزه دولة إسرائيل، صاحبة السياسة العدوانية الكولونيالية العنصرية الشوفينية والموالية للإمبريالية العالمية، وهنا أذكر بأن مصالح الأوساط الحاكمة الإسرائيلية وطبقة رأس المال الكبيرة الصهيونية، متلاحمة مع الأوساط الاحتكارية الامبريالية العابرة للقارات في الولايات المتحدة ودول حلف الناتو وخاصة بريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية.
وهنا أريد أن أذكر بأن ظهور الصهيونية على المسرح التاريخي يتطابق من حيث الزمن مع تحول رأسمالية المزاحمة الحرة إلى إمبريالية. ونشأت وتطورت وتنامت الحركة الصهيونية بحماية وتشجيع طبقة رأس المال العالمي وحكومات العديد من الدول الإمبريالية التي كانت تتنافس فيما بينها في السعي إلى وضع الحركة الصهيونية وأيديولوجيتها العنصرية الشوفينية المتغطرسة في خدمتها. حتى قبل ظهور المنظمة الصهيونية العالمية بزمن طويل، حاكت الأوساط الحاكمة – طبقة رأس المال الطبقة البرجوازية- في الإمبراطوريات الاستعمارية خطط بناء كيان دولة لليهود النازحين في "الأراضي المقدسة" – في فلسطين- (الفردوس – التي أصبحت لاحقا فردوسنا المفقود)، يكون أي هذا الكيان الصهيوني قاعدة ارتكاز للتوسع الاستعماري للغرب الرأسمالي في الشرقين الأدنى والأوسط. (وحرب الناتو والنازية في كييف ضد روسيا تسعى إلى التوسع ليس فقط في أوكرانيا لا بل أيضا وتمزيق روسيا إلى دويلات والتوسع حتى جبال الأورال لا بل أبعد من ذلك).
وهكذا دعمت الدول الإمبريالية وخاصة بريطانيا صاحبة وعد بلفور والولايات المتحدة، بطيبة خاطر وبمثابرة وبدعم مالي وعسكري وسياسي الشعار الصهيوني القائل بإنشاء "وطن قومي يهودي" في فلسطين، لأنهم أدركوا أن الكيان الاستعماري الصهيوني يساعد في تحقيق خططهم واهدافهم الرجعية البعيدة المدى سواء في الشرق الأدنى أم في البلدان التي تعيش فيها طوائف يهودية.
جاء في مذكرة الأركان العامة البريطانية بتاريخ 9 كانون الأول عام 1918: "أن إنشاء دولة يهودية حاجزة في فلسطين (وتأتي غولدا مائير وتقول لم يكن هناك شعب فلسطيني، ويقول ذلك أيضا بعض من يدعي الوطنية والآن موجود خارج الوطن بعدم وجود شعب فلسطيني بل هناك فقط أمة عربية)، أمر مرغوب فيه بالنسبة لبريطانيا العظمى من وجهة النظر الاستراتيجية..".
وفي الولايات المتحدة الأمريكية وضعت في سنة 1919 خطط ترمي إلى تحويل "فلسطين اليهودية" إلى حصن أمريكي في الشرق الأدنى.
الصهيونية أيديولوجية وظاهرة ولدتها الإمبريالية، وهذه الأيديولوجية الصهيونية هي النوع الأشد اغراقا في الرجعية بين أنواع التعصب القومي العنصري الشوفيني وكاتب هذه السطور غير متفاجئ من ظهور يمين عنصري شوفيني إرهابي بربري في وقتنا الحاضر مثل سموتريتش وبن جفير كبير (لا بل الصغير جدا جدا) لأن هؤلاء هم تقيحات وإفرازات هذه الأيديولوجية المستمرة على مدى أكثر من قرن وزادت وحشيتها من خلال استمرار الاحتلال والاستيطان الكولونيالي لفلسطين ومن خلال ممارسة الأعمال الإرهابية الرسمية من قبل دولة الاحتلال، وأغلبية الشعب الإسرائيلي الذي يحمل ويتبنى الأيديولوجية الصهيونية المبنية على الأسطورة (أي شعب الله المختار)، والتي أصبحت أي أسطورة لديهم أي لدى غالبية الشعب في إسرائيل أقوى وأهم من الواقع التاريخي الحقيقي والموضوعي، وخاصة الآن عندما يقوم اليمين الصهيوني المتطرف إلباس هذه الأسطورة ثوب الواقع الذي يحمل أكثر أساليب ومفاهيم العنصرية اليمينية المتطرفة، ولذلك أقول لمن يتظاهر في شوارع إسرائيل من أجل الديمقراطية: بأنه مع استمرار الاحتلال والاستيطان والتنكر للحقوق العادلة للشعب الفلسطيني لا يمكن أن تكون إسرائيل دولة ديمقراطية، بل دولة فصل عنصري دولة أبرتهايد، فشعب يحتل شعب آخر لا يمكن أن يكون حرًا. وهنا بودي أن أذكر بأن الصهيونية من الحركات الأشد إغراقا في الرجعية بين أنواع التعصب القومي البرجوازي اليهودي ومنذ بداية نشوئها كانت وما تزال من أشد أعداء الماركسية.

