Menu

ورحل زكريا محمد "ديك المنارة" الذي كان يذكرنا كل صباح بالنهوض

نصار إبراهيم

أمام هذا الرحيل المفاجئ.. من حق زكريا محمد علينا أن نكتب عنه بما يليق به كمناضل ومثقف وباحث بنى تجربته في دائرة النار الفلسطينية التي لا تخمد، فهو كان وبجدارة إحدى جمراتها التي بقيت تتوهج حتى اللحظة الأخيرة رغم كل عوامل التشويه والانحراف والإغراءات والتهديد.

إنه زكريا محمد (داود عيد) عاشق الحنّون الذي لم يجامل أحدا على موقف أو فكرة أو حقيقة يؤمن بها، كان مسكونا في أعماقه أن مصيدة المجاملة في الثقافة هي حكم بالإعدام على المثقف الفلسطيني أو أي مثقف. لهذا حمل روحه على راحته وراح يدحرجها كصخرة كي تصبح نواتها صلدة وصلبة لا تحيد عن حقها في القول والموقف، في الشعر أو الرواية، في البحث أو المقالة.

زكريا مثقف ومفكر انعجن على دروب الفعل السياسي المقاتل، هناك ولد وهناك كبر وهناك شاب شعره ولم يبدل تبديلا. إنه لم يتسكع على هوامش الحالة الفلسطينية بل كان يقف في دائرة الاشتباك بكل معادلاتها.

لم يكن أكاديميا بالمعنى التقليدي لكنه تفوق على الأكاديميين في البحث والحفر والنقش والعناد والصبر.  أجمل ما في زكريا أنه كان يحاسب حتى البديهيات، فيعيد استجوابها، كان يكره الضحالة والسذاجة واللغة المعلبة الميتة ويحاذر تقديس الأفكار والخطاب الذي لا يقول شيئا. شخصية متفردة ونادرة في زمن يتلطى فيه الكثيرون وراء جدران هابطة، كان يحتقر المثقف الصدى.. ويحترم صهيل الخيول الأصيل التي لم يروضها لجام. لقد أرهقه هذا المبدأ حد التعب.. لهذا كان يجر محراثه وسكته الخاصة ويذهب إلى حيث لم يذهب أحد، فهو عاشق لكل ما هو بِكر، أرضا أو زيتا أو فكرة، فأبدع في الشعر والرواية على طريقته، أبدع وهو يبحث في اللغة والتقاويم والرحيل وراء نقوش الإنسان الأولى في محاولة لإعادة وعي التاريخ وتصحيحه، وفي سياق مغامرته الفذة هذه أعاد صياغة ذاته ووعيه بصورة شاملة.. فكان زكريا الذي لا مثيل له.

لكل هذا لم يكن زكريا محمد ممن يسهل التلاعب بهم أو ابتزازهم أو تطويعهم ضمن ثقافة القطيع.

ومع ذلك يبقى الأكثر أهمية أن زكريا لم يلزم نفسه بأي قيد أي كان، باستثناء الالتزام بفلسطين، هنا لم يكن يراوغ أو يناور أو يجامل. فحين يجد الجد ويشعر أن موقفا أو حدثا يهدد فلسطينه التي يحب كان حينها يمتشق ذاته وينزل للمجالدة، لا يحسب حساب وظيفة أو مرض أو عمر أو رد فعل غاضب من هنا أو هناك. إنه وعلى طريقته الخاصة من ذات مدرسة ناجي العلي وحنظلته المشاكس حتى المستحيل. إنه بحق "ديك المنارة" الذي بقي يواصل الصياح يذكر بالنهوض.

أذكر في عام 2003 عندما قررت بتردد وخوف نشر مجموعتي القصصية الأولى "اغتيال كلب" والتي كنت قد بدأت بها في دمشق عام 1996، قلت في نفسي لكي أتخلص من هذا الخوف والتردد لا بد من ناقد صارم لا يجامل ولا يخاتل.. وبدون تردد قلت هو: زكريا محمد. فإن تمكنت المجموعة من تجاوز أسئلته ومعاييره وكسب إعجابه فإنها حينها تستحق الحياة، وغير ذلك تبقى مجرد تجربة فاشلة.

وانتظرت... وبعد أيام جاءني رد زكريا ومنه أقتطف.. والهدف من ذلك هو إعطاء ومضة عن الطريقة المدهشة واحترام الذات والصراحة التي يتعامل بها زكريا مع الأدب والثقافة، حيث كتب في تقديمه للمجموعة التي صدرت عام 2003 عن مركز أوغاريت للترجمة والنشر- رام الله، يقول:

" أرسل إلي صديقي نصار إبراهيم من "بيت ساحور" مغلفا فيه مجوعة من قصصه يريد رأيي فيها. وأصارحكم القول إنني لم أكن معجبا بفكرة قراءة مجموعة قصصية، فقد قرّ لدي أن ما يُكتب عندنا من قصص لا يقرأ في الأعم الأغلب، فهو شيء ثقيل الظل حدّ أنني أرغم نفسي إرغاما على متابعة ما يصدر من مجموعات قصصية. فوق ذلك ـ قلت في نفسي ـ ماذا يمكن أن يخرج من رجل قضى جزءا لا بأس به من حياته مشغولا بالسياسة والتنظيم؟ كان مشغولا بهذا حتى أنني فوجئت أصلا بأنه يمارس شيئا من الكتابة الأدبية.

في كل حال، أمسكت بالمجموعة، وقررت أن أقرأ واحدة منها لكي آخذ فكرة عنها، وعما يمكن أن يكون هذا الصديق قد جاء به، فإن كانت القصة معقولة أكملت المجموعة خلال يومين أو ثلاثة أيام، وإن كانت من الطراز المعهود فإنني سأجرجر نفسي معها شهرا أو أكثر، إكراما لخاطر الصديق الذي أعزه، فقط.

لكن..

وأصدقكم القول إنني قرأتها كلها في جلسة واحدة!

منذ الصفحة الأولى بدا لي أن الرجل يملك أسلوبا، وأن لغته قوية وجميلة. ثم مضى بي وشدني من كمّي وقال لي: اقرأ، فقرأت. قرأت حتى أنهيت المجموعة في جلسة واحدة، وحين أنهيتها قلت في نفسي: اللعنة، أين كان هذا الكاتب مختبئا كل هذا الوقت؟ ولماذا يخبئ إنتاجه ويخاف من إظهاره؟ ثم لماذا يغرق نفسه في العمل السياسي والحزبي، وقد كان حقه الطبيعي هو الكتابة؟

لكنني جعلت أفكر: لماذا أتساءل هكذا؟ كان الرجل غير مستعجل. كان يريد أن يخمر ذاته ويخمر كتابته قبل أن يقدم لنا شرابه القوي الصافي. لقد أعطى نفسه الوقت لكي يعطينا مفاجأته الممتعة، فلماذا ألومه على ذلك؟ لم يكن يلعب، فالكتابة ليست لعبا. لم يكن عجلا، فالعجلة هي التي ترسلنا إلى الضعف. هكذا قلت في نفسي، عازما على أن أحتفي بهذا النبيذ، بهذه المجموعة القصصية، التي سأدعوها باسم إحدى قصصها "اغتيال كلب"، والتي تعلن مولد كاتب حقيقي".

وبعد،

لقد رحل زكريا محمد بكل أناقته وعنفوانه وترك لنا ما يستحق أن نعيد قراءته ووعيه، فهو أحد حجارة وادي الثقافة الفلسطينية التي لم تغادر واديها. فسلاما على عاشق الحنّون الذي لم يجامل.  الذي بقدر ما كان صارما وحازما بقدر ما كان رهيفا.. فتغريه زهرة برية بالجلوس صامتا يتأمل، وهو يحاول أن يفهم ما تقول.

في النهاية لزوجته صديقة أعمارنا سلمى الوفية وابنه أحمد وابنته رند وعائلته وأصدقائه ورفاقه العزاء والصبر الجميل.