Menu

معركة جنين.. الإعلامُ وتآكلُ الردع الصهيوني

رضي الموسوي

نشر في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

قبل عقودٍ عدّة، رسمَ الفنانُ المبدع الراحل الشهيد ناجي العلي ، حنظلة، وهو يمسكُ بيد الفدائي، والأخير مديرًا ظهره وهو يمشي مبتعدًا. قال له حنظلة: "اشتقنا لك.. ارجع". لقد تجلّى هذا الاشتياق بذرةً طيبةً أنبتت شجرة المقاومة في فلسطين، ومنها مخيّم جنين الذي لا يتجاوز مساحته نصف كيلو متر مربع، لكنّه لقّن جيش الاحتلال درسًا لن ينساه.

استشعر ناجي العلي المشهد قبل أن يقع فأس اتفاق أوسلو في الرأس الفلسطينيّة والعربيّة، وقد مرّت في الثاني والعشرين من تموز الماضي ذكرى إطلاق الرصاص عليه في إحدى أزقة العاصمة البريطانية لندن، بينما كان متوجّهًا إلى مقرّ عمله في صحيفة القبس الدولي، حيث كان ينشر رسمًا كاريكاتوريًّا يوميًّا يعبّرُ فيه عمّا يجيش بدواخل ملايين الفلسطينيين والعرب. وبعد شهر وسبعة أيام، أي في التاسع والعشرين من أغسطس/آب 1987استشهد ناجي العلي.

كما التطريز الذي تتميز به وتبدع فيه النساء الفلسطينيّات في حيفا ويافا وغزة وأريحا وجنين ونابلس و القدس وكل مدينة ومنطقة فلسطينيّة تصب جداولها بنهرٍ ضاربةٍ جذورُهُ في الأرض حتى الكنعانيين، كذلك هي المقاومة ومواجهة الاحتلال. لغزة طبيعتها وعلمها وتقنيّاتها في لجم اندفاعة الكيان العدوانيّة ومقاومته وكسر شوكته وقوّة ردعه وتصنيع صواريخه، وللضفّة الغربيّة بمدنها ومناطقها؛ ما تملك من طاقاتٍ فعّالةٍ تحوّل فيها الإمكانات شبه المعدومة إلى قوّةٍ أسطوريّةٍ تفاجئ الجيش الذي لا يقهر.

هكذا كانت معركةُ جنين التي أراد الصهاينة طمس بطولة ثلّة من المقاتلين المقاومين المؤمنين بعدالة قضيتهم المركزية للأمة، فواجهوا آلة الدمار بقدراتٍ ملائكيّةٍ تشبه المعجزات، عجز عن محاكاتهم جيش الاحتلال المدجج بكل الأسلحة وكل التقنيات وكل العتاد الذي لا يوجد بعضه في جيشٍ آخر سوى الجيش الأمريكي، مقابل عبواتٍ شبه بدائيّة وبنادق ليست من آخر طراز، لكنّها مفعمةٌ بالإيمان بالحق والعدالة وطريق التحرير ومحاربة العدو في كل مكان، فكان الصمود والنصر حليفهم عندما فرضوا انسحابًا صهيونيًّا من مخيّم شبه أعزل إلا من إرادته الفولاذيّة التي أذهلت العالم. فكيف تعاطى الإعلام الصهيوني مع هذا الصمود الأسطوري؟

الإرباك سيّد الموقف:

قبيل العدوان الأخير الذي بدأ في الثالث من يوليو/تموز الماضي، كان الإعلام الصهيوني يمارس عمليّةَ تحريضٍ للمؤسّسة العسكريّة لتقوم بعدوانٍ يفرم مخيّم جنين على خلفيّة كمينٍ أصاب مدرّعةً فيها سبعة من الجنود الصهاينة تعرضوا لإصابات مختلفة، فيما ذهبت بعض وسائل الإعلام إلى أكثر من ذلك، عندما راحت تسلخ في مؤسسة الجيش وكأنها مصابة بعطب جوهري، في تحريض غير مباشر لسحق جنين ومخيمها، وهي العقدة التي دامت عقودًا طويلةً؛ نظرًا لما يشكله هذا المخيم من ذاكرة لدى الفلسطينيين الذين غادروا قراهم وبلداتهم في أراضي الـ48 قبل انقضاض عصابات شتيرن والهاغانا عليهم وتنفيذها لسياسة التطهير العرقي والإبادة الجماعية وتشريدهم من بيوتهم ومزارعهم.

كان وزير الأمن الداخلي بن غفير، ووزير المال بتسلايل سموتريش يقودان الحكومة الصهيونيّة نحو الانزلاق لمستنقع الفاشيّة. سموتريش، عضو الكنيست عن البيت اليهودي المنحدر من حزب المفدال الديني المتطرّف، ينشط بين المستوطنين. يؤمن سموتريش وكتلته، ويعمل من أجل تحقيق حلم "أرض إسرائيل الكاملة" بالاستمرار في الاستيطان للحدود القصوى، وأن أقصى ما يمنح للفلسطينيين كانتونات منفصلة عن بعضها بعضًا، مسيّجة بالمستوطنات والجيش والأمن الصهيونيين ومعزولة عن العالم الخارجي.

هذا الحلمُ الشيطاني يحتاج إلى إعلامٍ يؤجج المعنويات المتردية عند عناصر الجيش وشرطة الاحتلال ومواجهة تداعيات التفكك الذي يتعرض له حاليًّا المجتمع الصهيوني؛ بسبب نزوع نتنياهو ومجموعته نحو الديكتاتورية التي أشعلها في داخله سيد البيت الأبيض السابق دونالد ترامب بتحقيق اختراقات كبرى في مسألة التطبيع مع دول الخليج العربية. كان الإعلام الصهيوني يعبد الطريق للخطوات الجديدة وينظّر لها باعتبارها انتصار على طريق تحقيق ما بشرت به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندليزا رايس التي بشرت بفرض الشرق الأوسط الجديد على رؤوس اللبنانيين الذين كانوا يتعرّضون في تموز وآب 2006 لحمم القصف الصهيوني الذي أُريد منه إعادة الاعتبار للجيش المندحر عن جنوب لبنان قبل ذلك بستّ سنوات.

المعركةُ الإعلاميّةُ التي تتجلّى في جنين اليوم تلخّص السرديّة المقدّمة للمتلقي. ففي الوقت الذي يؤكّد المقاومون في مخيم جنين السردية الفلسطينيّة، ويدحضون بأجسادهم أوهام التسوية البائسة، ويقدمون نموذجًا تحتذي به الجغرافيا الفلسطينية الأخرى في مقاومة الاحتلال، يبدو الإعلام الصهيوني يسقط في الإرباك الشديد إزاء طريقة تعاطيه مع الحالة المتقدّمة للمقاومة التي كيّفت عُصارة تجربة عقودٍ من المواجهة مع الاحتلال. ففي حين كان بعض الإعلام الصهيوني يحرض الجيش وجنرالاته على البطش بجنين، كانت وسائل أعلام أخرى تشكّك في قدرة هذا الجيش على تحقيق أهدافه في بقعةٍ صغيرةٍ يتمركز فيها بضعة مقاتلين بأسلحتهم الفردية وبعض العبوات المحلية الصنع، خصوصًا أنّ هذه العبوات تمكنت من اختراق جسد المدرعات المصفحة التي تعدّ فخر الصناعة "الإسرائيلية". متحدث باسم جيش الاحتلال قال لـبي. بي. سي "لدينا أهداف محددة داخل مخيم جنين، خاصّةً إلغاء الاعتقاد السائد بأنّه مكانٌ آمنٌ للإرهابيين، ويمكن للأمر أن يستغرق ساعاتٍ أو يومًا أو يومين". هذه العمليّة لم تحقّق أهدافها كما ادّعى الاحتلال، الذي زجّ بأكثر من ألف جندي موزعين على فرقٍ ومجموعاتٍ متخصّصةٍ في الحرب غير النظاميّة، وهي العمليّةُ العدوانيّةُ التي وصفت بأنّها "أكبر اجتياحٍ إسرائيلي لجنين، منذ الاجتياح الكبير لها عام 2002".

كان الإعلام الصهيوني مشوّشًا، يقدّم تحليلاتٍ متناقضةً يراد منها التضليل الإعلامي وإرباك المقاومة الفلسطينية وتعطيل قدراتها على اتّخاذ موقفٍ بناء على القرارات التي تتخذها الحكومة الصهيونية، وبالقدر ذاته ربّما كان ذلك تعبيرًا حقيقيًّا عن حالة التيه التي يعاني منها الكيان وإعلامه. لقد عمد الإعلام الصهيوني إلى صرف الأنظار نحو الحدود اللبنانيّة مع فلسطين المحتلة وتسليط الضوء على الخيم التي نصبها حزب الله هناك، فتحرّك الإعلام الصهيوني لينفخ فيها ويبالغ في دلالاتها، بينما كانت التحضيرات قائمةً على قدمٍ وساقٍ للهجوم على المخيّم. كان الاحتلالُ يبحثُ عن عامل المفاجئة، وضخّ الكثير من المعلومات للتأثير السلبي على المقاومين وحاضنتهم الشعبيّة، إلّا أنّه فشل في هذه المهمة، فقد كان تحرُّك المقاتلين مدعاةَ فخرٍ للشعب الفلسطيني، ليس في المخيّم فقط، بل على المستوى الوطنيّ والعربيّ أيضًا.

مهمّةٌ وظيفيّة:

ربّما تفاجأ الإعلامُ الصهيوني بالعبوة ذات الـ 40 كيلوجرامًا، وقد تمَّ تفجيرها عن بعد في المركبة الصهيونيّة فأصابتها بشكلٍ مباشر، فكان التعليق والمتابعة يعانيان من تشوش زاد من ارتباك المتلقي الصهيوني الذي كان يراد له أن يطمأن على قدرة جيشه في مواجهة مقاتلي المخيم بقيادة كتيبة جنين، لكن الإعلام الصهيوني كان متخبّطًا ونقل عن القائد السابق للقيادة المركزيّة غادي شامني قوله: "لقد وصلت جنين إلى مستوى من القدرة يتطلب التفكير والتقييم من قبل الجيش الإسرائيلي، لم تتفاجأ القوات بوجود عبوات في المنطقة، فهي كانت دائمًا موجودة، ولكن هذه المرة نجح الفلسطينيون". وأكّدت وسائل إعلام صهيونيّة هذا القول بالتأكيد على أن "الفلسطينيين كانوا مستعدين جيّدًا؛ ما أدّى إلى هذه النتيجة المؤلمة للقوات الأمنية وسيكون لها تداعيات كبيرة (..) المؤسسة الأمنية بدأت تحقيقًا بكيفية معرفة المقاومين في جنين طريق خروج القوات، حيث وضعت هناك عبوات ناسفة بكميّات كبيرة". ونقلت القناة 12 الهواجس والمخاوف التي تنتاب قادة الجيش والاستخبارات بتأكيدها على أنّ "عددًا كبيرًا وغير معتادٍ من العبوات استخدمت ضد القوات في جنين، إحداها أصابت الجزء السفلي لمركبة مصفحة وأدت لإصابة الجنود الستة، كما علقت مركبات أخرى ما استدعى احضار قوات كبيرة إضافية لإنقاذها"، وزادت وسائل إعلامية أخرى: "الآلية الإسرائيلية التي أصيبت في جنين تضررت رغم أنها أُعدت لمواجهة عبوات وإطلاق نار، ويجري فحص ما إذا كانت العبوة التي ألحقت الضرر بالآلية هي من إنتاجٍ محلّي أم جرى تهريبها إلى المنطقة".

الصحفي الصهيوني ومراسل صحيفة يديعوت أحرنوت لشؤون الجيش والأمن، يوسي يهوشع، قال "ستصبح عملية جنين علامةً بارزةً في الجيش الإسرائيلي، ليس فقط بسبب الوقت الطويل الذي استغرقه الخروج من الورطة (أطول عملية استباقية منذ الانتفاضة الثانية)، ولكن نظرًا للسبب الذي أدّى لذلك: دخول المتفجّرات القويّة التي حوّلت القطاع إلى منطقةٍ شبيهةٍ بجنوب لبنان في سنوات التسعين، حتى لو كانت هذه العبوات أقلّ قوّة من تلك التي رأيناها آنذاك".

خلاصة القول: إنّ الإعلام الصهيوني يعدّ أداةً يوجهها جنرالات جيش الإحتلال وأجهزة أمنه، وهو مطيعٌ مهمته تحقيق الأهداف التي يرنو لها الكيان ومؤسّساته، وهو إعلامٌ مخاتلٌ لا يمكن الركون لمصداقيته مهما ارتفع سقف نقده للجيش والمستوطنين والحكومة. فالمسألةُ الإعلاميّةُ بالنسبة للحركة الصهيونية تعدُّ قضيّةً مركزيّةً لا تقلُّ أهميّةً عن المال والسلاح، وهي بذلك لا يمكن العبث بها أو تركها لغير متخدي القرار على المستوى الاستراتيجي المتعلّق بواقع الكيان ومستقبل مصالحه، ومن ثَمَّ، فإنّ التعاطي مع هذا النوع من الإعلام يحتاج إلى الكثير من الذكاء لاستيعاب ما يهدف إليه، وما يكتبه بين السطور، ويبثه على الهواء أو تحته. وتشير المعلومات إلى أن هناك أكثر من 10 لغاتٍ مختلفة في وسائل الإعلام الصهيونيّة، حيث انتبه مؤسسو الكيان لدور الإعلام قبل تأسيس الدولة العبريّة باعتباره أحد أدوات الدولة ومرتكزاتها الرئيسيّة، وقد أنشأت الحركة الصهيونيّة إذاعةً موجّهةً لليهود، وأصدرت 14 صحيفةً بينها 4 ناطقة باللغة العربية، علما أن صحيفة هآرتس صدرت سنة 1919ويديعوت أحرنوت في 1939، بينما صدرت صحيفة معاريف في 1948.

ويؤكّدُ ديفيد بن غوريون، أوّل رئيس وزراء للكيان، أنّ وظيفة الإعلام الصهيوني تتمثّل في الدفاع عن المشروع الصهيوني ويقول: "في هذه الساعة نحن في حاجة إلى صحافةٍ حرّةٍ ومخلّصة، ولكن علينا الحذر، يجب علينا أن نزن أقوالنا وعدم إعطاء العدو معلومات أو زرع الفتنه والفوضى في شعبنا، وعدم الاستسلام".

بن غوريون شكل، عند إعلان تأسيس الكيان الصهيوني، ما يسمّى بـ"هيئة رؤساء تحرير الصحف" التي ضمّت رؤساء الصحف المستقلّة والحزبيّة كافةً، آنذاك، وقد عدّت من إحدى أذرع جهاز الموساد، حيث قامت بمهام الرقابة، المحكمة على الإعلام الصهيوني، وكانت تتلقّى المعلومات من كبار المسؤولين، كرئيس الحكومة والأجهزة الأمنية، حول ما يجب نشره في الإعلام. لكن هذا الإعلامُ المؤدلج صهيونيًّا منذ الطلقة الأولى سقط في امتحان مخيّمٍ متناهي الصغر اسمه جنين.