Menu

دفنُ المخلّفات السامّة في الأرض الفلسطينيّة

د. إلهام شمالي

نشر هذا المقال في العدد 52 من مجلة الهدف الإلكترونية

استغلّتْ دولةُ الاحتلال غيابَ رقابةِ المنظّمات الدوليّة والحقوقيّة على انتهاكاتها المستمرّة في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة لاستهداف البيئة الفلسطينيّة وباطن الأرض بكلّ ما يحتويه من كنوزٍ ومقوماتٍ للحياة الإنسانيّة من مياهٍ وتربةٍ صالحةٍ للزراعة، وعملت على تنفيذ عمليّات طردٍ غير مباشرٍ عبر تلويث التربة والهواء وزيادة الإشعاعات النوويّة المضرّة للصحّة العامّة، فالممارساتُ الإسرائيليّةُ التي ترتكبُها بحقّ البيئة الفلسطينيّة ترتكبُ بشكلٍ يومي، ولعلَّ أصعب ما تتعرّض له البيئة الفلسطينيّة هو دفن المخلّفات النوويّة الصلبّة في عددٍ من المدن الفلسطينيّة كمدينة الخليل أو نابلس، وصحراء النقب، حيث تحولت أجزاءٌ كبيرةٌ من تلك الأراضي إلى مكبٍّ للنفايات الصلبة، التي قدرت نحو 250 ألف طن سنويًّا، تُدفنُ في باطن الأرض، وتلجأ إسرائيل إلى دفن 48% فقط من النفايات السامة للمصانع الإسرائيلية الرسميّة، أما 52% من النفايات الخطرة فلا تعلن دولة الاحتلال أين تدفنها، وهو ما يؤكّد أنّها تدفنها في أراضي الضفة الغربيّة وحدود قطاع غزّة، وخاصّة على الحدود الشرقية من مدنية خانيونس.

تفاقمت مشكلة المخلفات السامة مع قيام دولة الاحتلال في السنوات الأخيرة بنقل 300 من مصانعها إلى المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضي الضفة الغربية، بعد سلسلة من الشكاوي تقدمت بها مؤسّساتٌ حقوقيّةٌ إسرائيليّة؛ بفعل انبعاث غازاتٍ سامةٍ من تلك المصانع، وانتشار بعض الفيروسات المسبب للأمراض التي تصيب الجهاز التنفسي، ومن بين تلك المصانع 29 منشأة  مختصة بإنتاج المواد الكيماويّة، بعيدًا عن المدن الفلسطينيّة التي احتلتها عام 1948م، وتنوعت تلك المصانع ما بين صناعات شديد التلوث للبيئة الفلسطينية والصحة العامة، كونها مصانع تتعلق بالمواد الصلبة التي يصعب التخلص من مخلفاتها، كالألمنيوم والإسمنت والمعلبات الغذائية والمطاط والكحول والسيراميك والرخام ومواد التنظيف الكيماويّة، وصناعة الدهان، والبطاريات والمبيدات الحشرية والأسمدة الكيمياوية والغازات وغيرها، التي تُدفنُ في القرى الفلسطينيّة والمناطق المجاورة لها سرًّا في باطن الأرض، ما يعني تدميرًا واستنزافًا للبيئة وصحة الإنسان الفلسطيني.

    إنّ تزايد حالات الإصابة بمرض السرطان في مناطق جنوب الخليل في فلسطين يرتبط فعليًّا بالممارسات الإسرائيليّة التي ترتكب بشكلٍ يومي؛ الأمرُ الذي زاد من الإشعاع النووي، كما تهدّد عمليات دفن النفايات خزانات المياه الجوفية للمدن الفلسطينيّة، وعلى وجه الخصوص في مدينة نابلس الجبليّة، التي تعد أضخم مصادر المياه العذبة في فلسطين، كما أسفرت تلك المخلفات على البيئة الفلسطينيّة الطبيعيّة، وفقدت البيئة الحيويّة الفلسطينيّة جزءًا كبيرًا من الطيور والحيوانات المهاجرة، التي تقصد الأراضي الفلسطينيّة في مواسم معينة، هذا بالإضافة لتأثير جدار الفصل العنصري على البيئة بشكلٍ سلبي، وصعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم بفعل الجدار، والبوابات الحديدية التي تفتح وتغلق وفقًا لمزاج الجندي الإٍسرائيلي. كما اغتالت الجرافات الإسرائيليّة ما بين 3.5-4.5 مليون شجرة زيتون، منها نحو 800 شجرة معمرة يصل عمرها لآلاف السنيين، أي أكبر من عمر دولة الاحتلال، ويتعمد المستوطنون وقوات الاحتلال انتظار موسم قطف الزيتون للهجمة على أشجار الزيتون، واقتلاعها من أرضها، بالإضافة لملايين النبات البري؛ وذلك تمهيدًا لمصادرة الأراضي الفلسطينيّة وضمّها للمستوطنات، والبؤر الاستيطانيّة في الضفة الغربية والمناطق الحدوديّة في قطاع غزة.

خطورةً أخرى تتعرّض لها البيئة الفلسطينيّة بالاستهداف المنظم، فيما يتعلق بمفاعل ديمونا الذي أنشئ عام 1965م، الواقع فيما سمي بمركز الأبحاث النووية وسط صحراء النقب، والمكون من تسعة مبان وكل منها خصص لنوع معين للأسلحة النووية والكيماوية السامة، ويبعد المفاعل عن أقرب بلدة فلسطينية في الضفة الغربية ما بين 7-15 كم، كبلدة يطا والظاهرية والرماضين وغيرها، وهو الآن من المباني المتآكلة التي تشكل خطرًا استراتيجيًّا؛ بسبب انتهاء عمرها الافتراضي، حيث يتسرب منها الإشعاعات النووية المضرة للبيئة في صحراء النقب، وهو ما أكده الأطباء والخبراء الذين رصدوا تزايد الأمراض والتشوهات وحالات العقم التي لم تكن موجودة، وهو ما يهدد الحياة الإنسانية والتنوع الحيوي ويضر المياه الجوفية. ثمّ إنّ تزايد عمليات مصادرة الأراضي تعني المزيد من استنزاف المياه الجوفية الفلسطينية، ومنحها للمستوطنين، فحسب البنك الدولي، فإنّ المستوطن الإسرائيلي في الضفة الغربية يستهلك أربعة أضعاف ما يستهلكه المواطن الفلسطيني، فإسرائيل تسيطر على ما يقرب من 86% من المياه، وبذلك لم يتبق سوى 13.5% للشعب الفلسطيني فقط، تتحكم به دولة الاحتلال أيضًا، بموجب القرار العسكري الإسرائيلي رقم 291 عام 1967م، الذي عد المياه الفلسطينية ملكًا لدولة الاحتلال، ثمّ إنّ تلك المستوطنات تغرق الأراضي الزراعيّة الخصبة بالمياه العادمة، التي قدرت نحو 40 مليون متر مكعب، يتم تسريبها لأراضي المواطنين، ما أثّر على مخزون المياه الجوفيّة، وزيادة نسبة النترات والأملاح، ما يعني عدم صلاحيّتها للاستخدام الإنساني، وزيادة نسبة ملوحة التربة، ومن ثَمَّ عدم قابليّتها للزراعة، وانتشار ظاهرة التصحّر، والقضاء على الثروة الحيوانيّة والتنوّع الحيوي، فتتحوّل مع الوقت إلى مناطقَ مهمّشة، ومتروكة يسهل السيطرة عليها من قطعان المستوطنين؛ الأمرُ الذي قلّص المساحة المزروعة في الضفة الغربية، ولجأ المزارع الفلسطيني للمخصبات الزراعيّة، ومبيدات الآفات الزراعيّة بشكلٍ كبير، التي كان لها تأثيراتها السلبيّة على الصحّة العامة، وانتشار الأمراض المزمنة كمرض السرطان.

المتابع للانتهاكات الإسرائيليّة بحقّ البيئة الفلسطينيّة لا يمكنه التفريق بين عمليّات التطهير العرقي التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني، مع ما يجرى من تطهيرٍ عرقيٍّ للبيئة الفلسطينيّة، بمحوٍ كاملٍ للقرى الفلسطينيّة التي دمّرت بشكلٍ كاملٍ عام 1948م، وما زالت عمليّات التجريف والمصادرة للأراضي، وسرقة المياه تُمارَس بكلّ حذافيرها دون أي رادعٍ لدولة الاحتلال، التي تسعى عبر اغتيال البيئة إلى تدمير كل مظاهر الحياة الفلسطينيّة؛ بغرض القضاء على مقومات الحياة كافةً للشعب الفلسطيني؛ إلا أن الصمود الفلسطيني عبّر عن مدى قدرت الفلسطيني على مواجهة آلة القمع الإٍسرائيلية.

إنّ الحفاظ على البيئة الفلسطينية مسؤوليّةٌ جماعيّةٌ يتشارك فيها الفرد والحكومة في ضرورة تفعيل القوانين، وضرورة تقديم الشكاوى الدوليّة ضد دولة الاحتلال لما ترتكبه من مخالفةٍ صريحةٍ للقانون الدولي، التي تمنع بشكلٍ صريحٍ نقل النفايات من الدولة المحتلّة إلى الأراضي المحتلة، وهو ما ينطبق على فلسطين المحتلة منذ عام 1948م، فيجب أن تقف وكالة الطاقة الذرية العالمية ووكالات الأمم المتحدة عند مسؤوليتها في هذ الجانب، وعلى السلطة الفلسطينية مخاطبة الجهات الدولية المختصة والخبراء الدوليين، للوقوف عند مسؤوليتهم في هذا الجانب ومراقبة النشاط الإسرائيلي والمنشآت الإسرائيليّة النوويّة.