في الوقت الذي تحلق فيه عقول الشعوب الأخرى في رحاب الاكتشافات وصولا إلى بثّ الذكاء في المادة وهو ما يسمى بالذكاء الاصطناعي، ما زالت عقول بعضنا في الوطن العربي عالقة عند الفتاوى التي تجتمع كلها حول إلغاء دور العقل والاستكانة للأقدار قولا:
بأن "من تمنطق (أي أعمل العقل) تزندق، وبأنه..."ليس في الإمكان أبدع مما كان"، وهكذا مازال بعضنا يتساءل هل ندخل البيوت برجلنا اليمني أم برجلنا اليسري...؟ أو يجادل حول الطريقة التي يجب أن يُقتل بها من أخطأ في حركات الصلاة الإسلامية عند خشوعه أمام الخالق، مهما كان صادقا في خشوعه، حتى وإن اختلفت بعض حركاته عن الحركات التي يريد أن يفرضها بعض المتزمتين على "الجميع"، كأن يسدل المرء يديه أو يجمعهما عند أداء هذه الصلاة؟
وهكذا ولمن يعرفون التاريخ فقد حرمتنا مثل هذه الفتاوى الزائفة من محاسن المطابع الحديثة لمدة قرنين كاملين من الزمن، أضعنا فيهما فرص التقدم، لأنه كان يقع خلال ذينك القرنين التساؤل حول استعمال المطبعة الحديثة: أهو حلال أم حرام؟
كما لم يقع تحليل استعمال الهاتف إلا بعد أن وقف شيخان في هذا الطرف والآخر وتمكنا أثناء المكالمة من سماع صوتيهما يقينا، حتى يعلنا بعد ذلك أن "الشيطان" لم يدخل معهما في تلك المكالمة... (تصوروا)!
وهكذا كان الأمر مع كل اكتشاف جديد... حيث يوضع كل اكتشاف موضع التساؤل، ولا يتم الاعتراف به وجعل استعماله حلالا إلا بصورة متأخرة... مع ما ينتج عن ذلك من تخلف وتقهقر...
وها نحن وصلنا إلى عصر اخترع فيه الآخرون "الذكاء الاصطناعي" موضوع كلامنا، فالخوف كل الخوف أن نعيش مع هذا الاختراع نفس "الهواجس القديمة"... والرأي الصواب هنا وحسب اجتهادنا هو أنه من المشروع أن يثير هذا الاختراع بعض المخاوف، لأنه كغيره من الاختراعات سلاح ذو حدين حسب طريقة استعماله، إذ من المعلوم مثلا أن الطائرة التي سهّلت تنقلنا بيسر بعد صعوبة بين البلدان هي ذاتها التي عبّأها "بعضنا" من المجرمين بالقنابل المميتة، ثم ألقوها على غيرهم من البشر الآخرين... بغاية إبادتهم... فلم ينف هذا البتة محاسنها الجمّة والكثيرة في حياة الإنسان.
وهكذا وبالقياس، فإن المخاوف من الذكاء الاصطناعي لئن كانت مطروحة ومشروعة في حدود، فلا بد أيضا من التفطن إلى ما فيها من مبالغات، وهي المبالغات التي لا بد من إبرازها... فليس متوقعا مثلا - إلى حد الآن على الأقل - أن تكتسب الروبوتات استقلالية كاملة في مجال التزود بالطاقة... فذلك ما سيُبقيها خاضعة لإرادة صانعها الإنسان... وإن التنبيه إلى هذا منذ الآن يعتبر أمرا جيدا... ولكن زرع المخاوف من خلال ذلك بغاية لجم إرادة الإنسان في التحرر والتقدم يدخل لا شك في باب هذه المبالغات، فالترهيب أصبح هو الآخر صناعة تسهر عليها دوائر امبريالية لم تعد خافية مراميها... ولعل ما يدل على عملية زرع المخاوف هذه المشار إليها هو تركيز بعض الدعايات على "الخطر الصيني" الاحتماليّ في هذا النطاق، وإهمالها الحديث تماما عن "السيليكون فالاي" الأمريكية، وما يحاك فيها من مشاريع تدخل في هذا النطاق أيضا، وهي المشاريع التي هدفها تأبيد هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على أرض الإنسان... وعلى خيرات الأمم والشعوب... فهذا ما يمكن أن يُدخل النقاش حول هذا الموضوع في باب الصراع بين الأقطاب القديمة، مثل الدول الاطلسية وتلك الصاعدة مثل دول " البريكس"... فعلى الإنسان إذاً أن يعمل العقل فرزا للغث من السمين في كل ما يُقال ويُنشر حول هذا الموضوع الشائك.

