Menu

أبو علي مصطفى حضورُك باقٍ فينا

د. طلال ناجي

نشر هذا المقال في العدد 53 من مجلة الهدف الإلكترونية

بعد نكبة فلسطين عام 1948، عاثَت العصابات الصهيونية فيها فسادًا؛ فارتكبت المجازر، وطردتَ البشر، وهوّدت الأرض واقتلعت الحجر، وقطعت الشجر، ودمّرت المساجدَ وعبثت بالكنائس، دنّسَت المقدساتِ وانتهكت الحرمات، اعتدت على الكبار، واغتالت براءةَ الأطفال. زوّرت التاريخَ وزرعت الأساطير، وشوّهت ماضينا المجيد، واستوطنت حاضرَنا وصادرت مستقبلَنا. وحولت شعبنا من شعبٍ موحّد آمن، يعيش بسلامٍ في مدنه وقراه إلى شعبٍ مشتّتٍ ولاجئ هائم على وجهه في دول الجوار العربي وفي المنافي والمغتربات، حيث حاولوا قتل الحلم الفلسطيني، ودفن آماله وتطلّعاته وفرض وصايتهم عليه، فعاش بلا وطن، بلا كرامة، بلا قيادة توجه، وبلا سلاح يحرر، وبلا سند يحمي.

قاسى شعبنا من آلام الفرقة وعانى من التشتت والضياع، ومُنع من التطلع نحو لمِّ الشمل وإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، باعتبارها حاملًا لمشروعه الوطني الهادف لتحرير الأرض ودحر الاحتلال الصهيوني عن أرضه المحتلة، وتحقيق حلمه بالعودة إلى مدنه وقراه.

إنّ ظروف اللجوء الفلسطيني إلى دول الجوار العربي، والنزوح إلى داخل الأراضي المحتلة، وما صاحب ذلك من تعقيدات وصعوبات في ظروف العيش الجديدة، جعلت الوحدة الوطنية مطلبًا ملّحًا لتشكيل كيانٍ فلسطيني، تدين له الجماهير الفلسطينية بالولاء، ويحمل مشروعًا وطنيًّا فلسطينيًّا جامعًا، يحافظ على الثوابت الوطنيّة الفلسطينيّة، ويحصّن الشعب الفلسطيني من المؤامرات الخارجيّة، ويحميه من مخطّطات الصهاينة الرامية لتكريس الانقسام والتشرذم، الذي يحوّل الشعب كلّه إلى لقمةٍ سائغةٍ سهلة الابتلاع، ويقضي على آماله بالتحرّر من براثن الاحتلال. ولكن قبل أن تتحقّق آمال شعبنا الفلسطيني بالوحدة الوطنيّة تمكّن العدو الصهيوني بحربٍ خاطفةٍ من إكمال سيطرته على ما تبقى من فلسطين في عدوان عام 1967، وأدخل أفواج جديدة من أبناء شعبنا الفلسطيني متاهة التشرد ومأساة اللجوء، وفقدان السند. ومن هنا جاءت فكرة تأسيس جبهةٍ فلسطينيّةٍ موحّدة تضمّ في صفوفها مختلف الفصائل الفلسطينيّة، ردًّا على هزيمة حزيران وتداعياتها المؤلمة على المشروع الوطني الفلسطيني الذي أصيب بنكسةٍ كبيرة.

كان تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في 11 كانون أول 1967، نتيجة التحالف على أساس البرنامج التحرّري المشترك بين جبهة التحرير الفلسطينيّة بقيادة أحمد جبريل، وبين منظمتي أبطال العودة والجبهة القوميّة لتحرير فلسطين (شباب الثأر) المرتبطتين بحركة القوميين العرب، كما تم وضع برنامج سياسي ولائحة علاقات داخلية لها، توصلنا بعد جهد كبير، إلى ضرورة إقامة وحدة، تكون نواة لتحقيق حلم الوحدة الفلسطينية الشاملة، وتعمل على تهيئة الساحة الفلسطينية، من أجل البدء بحرب التحرير الشعبية وعلى رأسها الكفاح المسلّح ضد الاحتلال الصهيوني، لإزالة آثار العدوان المدمّر الذي أصاب المشروع الوطني التحرري، وإنجاز هدف التحرير عبر دحر الاحتلال الصهيوني عن كامل أراضينا المحتلة، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجّروا منها، والوقوف في وجه المشاريع الصهيونية والأمريكية في المنطقة.

لقد كان لنا شرف المشاركة في تأسيس الجبهة الشعبيّة، حيث تعاملنا مع القادة العظام جورج حبش وأبو علي مصطفى ووديع حداد وتقاسمنا معهم أفراح النصر ومرارة الخسارة، وقمنا بإرسال السلاح والكوادر المدربة إلى الأراضي المحتلة، عبر سورية إلى الضفة الشرقيّة ومنها إلى الضفة الغربية، وقاتلنا سوية كتفًا بكتف في معركة الكرامة ضمن الجبهة الشعبية الموحدة، ونسقنا مع قيادة الجبهة الشعبية في معارك أيلول الأسود وأحراش جرش وعجلون عامي 1970، و1971 التي كان للشهيد أبو علي مصطفى دور كبير فيها.

وعندما انتخب "أبو علي" نائبًا للأمين العام للجبهة تشاركت معه في عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفي المجلس الوطني والمجلس المركزي، فكان رحمه الله على قدر المسؤولية، رغم فداحة المسؤولية وعظمها، وصعوبة الظروف وقسوتها. شاركته في جلِّ الحوارات الوطنية، فوجدته جامعًا، موضع احترام للجميع، هدفه فلسطين، وبوصلته القدس ، محافظًا على الثوابت والحقوق الوطنيّة.

مُذْ عرفت "أبو علي" وجدته مدركًا قوّة العدو الصهيوني، ومشروعه الصهيوني الاستيطاني الإجلائي للفلسطينيين والاحتلالي لليهود، ودوره الوظيفي في خدمة الدول الإمبرياليّة الطامعة في وطننا العربي. فكان يطلق التحذيرات من أجل نصرة فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني التوسّعي الإجلائي الذي أخذ بالتمدّد والانتشار في جسد الأمة العربيّة.

أخي أبو علي، أمامك تنحني الهامات، وترفع القبعات، وتضرب التحيات، إجلالًا لروحك ولعطائك الكبير، وإرثك الوفير، لحبك لفلسطين الجريحة، ووفائك ل مصر الأبية، وزعيمها الكبير جمال عبد الناصر، ولأنك جعلت فلسطين قرة عينك، حملت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونلت الشهادة، وحفظت القضية.

لقد شكلت معركة سيف القدس، التي خاضتها الفصائل الفلسطينية، في العاشر من أيار 2021 لحظةً فارقةً في تاريخ الصراع الفلسطيني مع الاحتلال، فقد تفرّدت عن باقي حروب غزة، بأنّها المعركة الأولى التي تتم بتوقيت المقاومة، دفاعًا عن القدس ونصرة للأقصى. فقد رسخت هذه المعركة الوحدة الوطنية الفلسطينية وعمدتها بانتفاضة عارمة عمّت الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 كافةً، والأراضي المحتلة عام 1948، وكان من نتائجها توحيد الأرض والشعب والقضية وإزالة الحواجز الجغرافية داخل فلسطين المحتلة، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني رسختها معركة سيف القدس. كما استنهضت معركة سيف القدس المقاومة الشعبية على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي الشتات والمنافي، وفي المهاجر والمغتربات. ونجحت في إسقاط نظرية الردع الإسرائيلية والحروب الخاطفة التي اتبعها الكيان الصهيوني.

نغتنم هذه الذكرى؛ لنؤكد لروحك الطاهرة: بأن سيف القدسِ ما زال مسلولًا ومعادلةَ الردع «القدسُ مقابل تل أبيب» ما زالت مفروضة، تحوّلتْ إلى "جنينَ مقابلَ تل أبيب"، وحوَّلَتها حركة الجهاد الإسلامي إلى «وحدة الساحات» عام 2022، التي تجلّتْ بوحدةٍ فلسطينيّةٍ في الميدانِ مع التفافٍ شعبيٍّ حولَ خيارِ المقاومة، مع ترحيبٍ بالعملياتِ الفرديةِ البطولية؛ التي ضربت المدنَ الكبرى المحتلة: ديزنغوف وسط مدينة تل أبيب، بئر السبع، الخضيرة، بني براك، إلعاد بالقرب من تل أبيب؛ التي نفذها أبناءُ شعبِنا البطل: رعد فتحي حازم، والبطل محمد أبو القيعان، والبطلان: خالد وأيمن إغبارية، والبطل: ضياء حمارشة والبطلان أسعد يوسف الرفاعي وصبحي عماد أبو شقير، وعملية القدس التي نفذها البطل أمير صيداوي والعملية البطولية المزدوجة التي نفذها الأسطورة البطل عدي التميمي. أصابتْ هذه العمليات الاستشهادية العدوَّ الصهيونيَّ ومستوطنيه بالرعب، وخلَّفتْ خسائرَ ماديّةً ومعنويّةً جسيمة، حيث سقط (31) صهيونيًّا عام 2022، مع شعورٍ بالهزيمةِ لدى الجانبِ الصهيوني.

لقد تصدّت الكتائب المسلحة التي شكلها أبناء شعبنا (عرين الأسود) وكذلك الكتائب التي شكلتها فصائل المقاومة الفلسطينية (كتيبة جنين، كتيبة نابلس، كتيبة طولكرم، كتيبة طوباس، وكتيبة جبع)، وكذلك تصدت الأجنحة العسكرية التابعة للفصائل الفلسطينية، لاقتحامات جيش الاحتلال لمدن الضفة الغربية ومخيماتها خلال عام 2022، وأسفرت هذه الاعتداءات عن ارتقاء 230 شهيدًا في عموم الأراضي المحتلّة عام 67، ارتقى منهم 171 شهيدًا في الضفة الغربية منهم 56 شهيدًا في جنين، 33 شهيدًا في نابلس، و53 شهيدًا في قطاع غزة؛ الأمرُ الذي أجّج المعركة وأدخل عليها أبعادًا جديدة، تمثلت بوحدةٍ ميدانيّةٍ لفصائل المقاومة مع التفافٍ شعبي منقطع النظير حول الكتائب المسلحة.

ومن أبرز الشهداء الذين ارتقوا في الضفة الغربية خلال عام 2022، شهداء جنين: صائب عباهرة، خليل طوالبة، يوسف صلاح، براء لحلوح، ليث أبو سرور، وفاروق سلامة.  وشهداء العرين: محمد الدخيل، أدهم مبروكة، محمد عزيزي، عبد الرحمن صبح (أسد الاشتباكات)، إبراهيم النابلسي، إسلام صبوح، تامر زيد الكيلاني، وديع الحوح (مؤسس العرين).

أما المشهد الفلسطيني عام 2023، فد بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين منذ بداية عام 2023، 221 شهيدًا برصاص جيش الاحتلال، بينهم 40 طفلًا، وست سيدات.

لقد حاول الكيان الصهيوني جاهدًا إسقاط عملية الردع الفلسطينية، وشطب إنجازاتها وإعادة الاعتبار لجيشه الذي مني بهزيمةٍ كبيرة، ورفع معنويات مستوطنيه، بالاستفراد بحركة الجهاد الإسلامي عبر اعتقال الشيخ القائد بسام السعدي في جنين، واغتيال القائد الكبير تيسير الجعبري، مسؤول المنطقة الشمالية في سرايا القدس واغتيال القائد الكبير خالد منصور، مسؤول المنطقة الجنوبية، معلنةً انطلاق معركة بزوغ الفجر؛ بهدف تصفية حركة الجهاد وجناحها العسكري". جاء الرد من قيادة الجهاد الإسلامي في 5 آب 2022 خلال معركة "وحدة الساحات" التي حافظت من خلالها حركة الجهاد على ثوابت معركة سيف القدس، واعتبرتها محطةً من محطّات جهاد شعبنا ومقاومته المتواصلة، على طريق تحرير فلسطين كل فلسطين، وتطهير القدس والمقدسات كافةً من دنس الاحتلال.

إنّ القدرة العالية لقيادة الجهاد الإسلامي، وانضباط سرايا القدس ومجاهديها واستبسالهم في معركة وحدة الساحات، لجمت جيش الاحتلال وأجبرته على طلب وقف إطلاق النار، بعد أن أطلقت 1000 صاروخ وقذيفة خلال خمسين ساعة، وكانت المفاجئة امتلاك السرايا للصواريخ المضادة للطائرات والمسيرات. ونقل المعركة إلى قلب مدن العدو، وتوسع مفهوم «غلاف غزة» ليشمل مساحة الـ 48 بأسرها.

بعد اغتيال الشهيد القائد خضر عدنان في سجون، وردة الفعل الهزيل والمحدود على هذا الاغتيال، التي اقتصرت على إطلاق مجموعات من القذائف الصاروخية على المستوطنات الملاصقة للقطاع. قامت طائرات الاحتلال باستهداف قطاع غزة واغتيال ثلاث قادة ميدانيين من حركة الجهاد الإسلامي في 10 أيار 2023، هم: جهاد الغنام، خليل البهتيني، طارق عز الدين، ليلتحق بركبهم ثلاثة شهداء قادة آخرين هم: علي حسن بالي، أحمد محمود أبو دقة، إياد الحسني. ولكن رغم الخسارة الجسيمة إلا أن صواريخ المقاومة لم تتوقف عن الانطلاق، حتى أخر لحظة من إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بعد خمسة أيام من المواجهة ومن القتال المشرف.

لقد حاول العدو جاهدًا فكّ ارتباط ساحات المقاومة عبر الاستفراد بالجهاد الإسلامي في معركة ثأر الأحرار، إلا أن نتائج هذه المعركة أثبتت فشل الاحتلال وعجزه عن تفكيك استراتيجية التلاحم بين غزة والضفة الغربية التي رسختها معركة سيف القدس، وتنامت مع تأسيس حركة الجهاد للكتائب المسلحة في الضفة الغربية ما أربك عمل جيش الاحتلال وأرعب مستوطنيه.

خمس وخمسون يومًا الفاصل بين معركة ثأر الأحرار ومعركة بأس جنين، التي استمرت ثمان وأربعين ساعة، حاولت خلالها قوات كبيرة من جيش الاحتلال مدعومة بالطائرات والجرافات، الدخول إلى مخيم جنين؛ بهدف القضاء على كتيبة جنين، وعلى كتائب المقاومة الفلسطينية الأخرى. مهدت الطائرات للقوات المقتحمة للمخيم بقصف أهداف، قالت إنها مقرات للمقاومة الفلسطينية، وتعد هذه العملية العسكرية الأكبر التي تُشن على المخيم، منذ اجتياحه عام 2002 أثناء معركة السور الواقي.

بعد انسحاب قوات الاحتلال تحت ضربات المجاهدين الذين واجهوا جيش الاحتلال وأصابوه بمقتل دون أن يحقّق أيّ هدفٍ من أهدافه، فقد حافظت كتيبة جنين على بنيتها ومجاهديها، كما حافظت على حاضنتها الشعبيّة.

بعد انتصار مخيم جنين وكتيبته المجاهدة في معركة بأس جنين، زار الرئيس محمود عباس جنين، ودعا إلى اجتماعٍ للأمناء العامين في مدينة العلمين في القاهرة، بعد أن اطلع على هول الدمار الذي حلّ بالمخيم.

قبل انعقاد المؤتمر بأيام فوجئنا جميعًا، بأن أجهزة أمن السلطة اعتقلت عند بداية الاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين عددًا من قادة كتيبة جنين، وعددًا من المجاهدين من كتيبة جبع، وتنفيذ اعتقالات في مناطق أخرى على خلفيةٍ سياسية. ومن ثَمَّ فقد علمنا بأن الأخوة في الجهاد الإسلامي قد أعلنوا مقاطعة المؤتمر؛ بسبب الاعتقالات السياسية التي قامت وتقوم بها السلطة الفلسطينية.

أجرينا لقاءً سريعًا مع الأخوة في قيادة الجهاد وطلبنا منهم إعطاءنا الفرصة للاتصالات بالقيادة الفلسطينية، والطلب منهم إطلاق سراح بعض المعتقلين غير المحكومين، والمقرر إطلاق سراحهم، إلا أن رئيس السلطة الفلسطينية رفض إطلاق سراحهم بادرةَ حسن نية، مع علمه بأنّنا - الجهاد الإسلامي، والقيادة العامة، والصاعقة ستقاطع المؤتمر ولن تذهب إلى القاهرة؛ ما سبّب لنا خيبة أمل كبيرة.

الغياب الإيجابي للفصائل الثلاثة المقاطِعة؛ الجهاد والقيادة العامة والصاعقة، يمكن البناء عليه، خصوصًا بعد الفشل الصريح للمؤتمر، بدفع أطراف الانقسام لمغادرة مربع الانقسام والانحياز إلى المربع الوطني، الذي عملنا على تحقيقه على مدار أكثر من عشرين عامًا من جولات الحوار المكوكيّة.

تتزامن هذه الذكرى مع انتفاضةٍ فلسطينيّةٍ عارمةٍ في عموم الضفة الغربيّة مسنودةً بمقاومةٍ مسلّحةٍ في قطاع غزة، قادرة أن تفرض معادلة ردع مع المحتل، تمنعه من العدوان على القدس والمقدسات وفي مقدمتها المسجد الأقصى.

كما تتجلّى أهميّة هذه الذكرى بتعاظم قدرات المقاومة الفلسطينية المسلحة في الضفة الغربية التي عمل الشهيد القائد "أبو علي مصطفى" على تثويرها، التي تستند على محور المقاومة الذي تقوده الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرورًا بالعراق الأشم و اليمن السعيد وسورية الصمود ولبنان (حزب الله) المجاهد، وصولًا إلى فلسطين المقاومة وفصائلها المسلحة، التي تشكّل ركنًا أساسيًّا من أركانه.

إنَّ تصاعد عمليات المقاومة في الساحة الفلسطينية شكّل تطوّرًا نوعيًّا في مواجهة العدو وإدارة الصراع معه، فبعد الانتصارات المتكررة التي أنجزتها الفصائل الفلسطينية في حروب غزة الثلاثة في 2008-2009 والثانية في 2012، والثالثة في 2014، التي تكللت بانتصار معركة سيف القدس في أيار 2021، خلق انتصارًا في الوعي الفلسطيني، مقابل كيّ الوعي الصهيوني، الذي يبذل قادته قصارى جهدهم لمنع تطور الأحداث إلى مواجهةٍ عسكريّةٍ مع قطاع غزة.

لكن ما بات مؤكّدًا، أن هناك حقائق لا يمكن تجاهلها، ثبّتتها معركة سيف القدس، وكشفتها الأحداث الجارية، أبرزها: تراجع قوة ردع العدو، وربط الساحات الفلسطينيّة، ودخول وإطلاق محور المقاومة الصواريخ من الجولان وجنوب لبنان على شمال فلسطين المحتلة، والقدس والمسجد الأقصى في مركزها، وتعزيز شرعية تمثيل المقاومة الفلسطينية للشعب الفلسطيني، ما سيرسم ملامح المشهد الفلسطيني والصراع مع العدو في المرحلة المقبلة.

إنّ نجاح أبناء شعبنا في تطوير أساليب المواجهة عبر نجاحهم في تنفيذ عمليّات نوعيّة في العمق الصهيوني، ردًّا على التصعيد الصهيوني، يؤكّد أنَّ شعبنا الفلسطيني مصمِّمٌ على الدفاع عن نفسه وتحرير أرضه، وأن كل اللقاءات الخيانية والقمم التطبيعية لا يمكن أن تعطي الأمان للعدو، ولن تثني الشعب الفلسطيني ومن ورائه محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن مواصلة الجهاد والمقاومة حتى زوال هذا الكيان العنصري، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة الكاملة السيادة، وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم.

لقد أثبتت انتفاضة سيف القدس التي انصهرت خلالها الجبهة الداخلية في بوتقةٍ واحدةٍ من غزة إلى الضفة وصولًا إلى القدس والأراضي المحتلّة عام 1948، أن شعبنا يأبى الانكسار والخذلان، ومصمِّمٌ على دحر الاحتلال، وأنّ الفصائل الفلسطينيّة المسلّحة، أصبحت قادرةً على تغيير مسار المواجهة مع العدو الصهيوني لصالحها سياسيًّا واستراتيجيًّا، كما كرست معركة سيف القدس للمرة الأولى سياسة الردع وتوازن الرعب، فتل أبيب وكل الأرضي المحتلة أصبحت في مرمى النار، ما أربك حسابات القيادة العسكرية والسياسية الصهيونية وضاعف من تخبطها؛ وإنّ حجم الضغوط التي تواجهها داخليًّا يكشف بوضوح حالة الاستنزاف والانكسار والهزيمة والعجز التي يعانيها كيان الاحتلال الغاصب. واليوم في ذكرى استشهاد القائد الكبير أبو علي مصطفى نؤكد للأمتين العربية والإسلامية، أن بوصلتنا ستظل صوب فلسطين، رغم محاولات التحريف والتغييب وتزييف الوعي.

فالقضيةُ اليومَ لا تقتصرُ على فلسطين والقدس، بل تتهددُ مصيرَنا جميعًا. من هنا نؤكّد أهميّةَ العمل المقاومِ باعتباره عاملًا أساسيًّا في ظلّ ما يشهده العالم العربي، من فقدانٍ للأمن والأمان، وانقلاب المفاهيم، وسيطرة الجهل والتكفير. من هنا نؤكد أيضًا أهميّةَ التلاقي بين إيرانَ والعراق وسورية واليمن ولبنان المقاومة وفلسطين الصامدة وكل شرفاء العالم على قاعدة مقاومة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية والرجعية العربية، وترسيخ ثقافة المقاومة والشهادة والفداء في مواجهة مخاطر المشروع الصهيوني، والانحياز الأمريكي السافر لجانب الكيان الصهيوني، والتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية وأهمية القدس بالنسبة للأمتين العربية والإسلامية، ووجوب تقديم كل أشكال الدعم المالي والعسكري لها.

كان أبو علي من كبار رجالات فلسطين المحترمين، فبفقده خسرت فلسطين وخسرت الأمة العربية وخسر المحرومون والمظلومون نصيرًا وسندًا متينًا، أما نحن أخوته ورفاقه في فصائل المقاومة الفلسطينية، فقد آلمنا فقده وعزّ علينا رحيله، فما أحوجنا إليك في هذه الأيام الصعبة التي نرى فيها قوى إرهابية وتنظيمات تكفيرية تدّعي الإسلام، متحالفة مع الكيان الصهيوني ومدعومة من الإمبريالية الأمريكية، ومن الغرب الاستعماري، ومن الرجعية العربية، تناصب العداء للدول المنضوية في محور المقاومة الممتد من إيران إلى لبنان، مرورًا بالعراق وسوريا، حيث تحاول هذه التنظيمات التكفيرية تغييب قضية فلسطين عن المشهد العربي والدولي في ظل انتفاضة الشعب الفلسطيني المجيدة، نصرةً للأقصى، الذي يتعرض لأكبر عملية تهويد وتدنيس. ونحن اليوم بأمس الحاجة لموقفك الذي حمَل فلسطين قولًا وعملًا، وحمَل قضايا المحرومين فكان سندًا وعونًا ومعينًا.

كان إيمانه بالقضية الفلسطينية من منطلق إيمانه بالهوية القومية العربية، لذلك عمل على تمتين العلاقات وحشد الطاقات العربية، وتحديد البوصلة باتجاه فلسطين.

تأتي هذه الذكرى هذا العام في ظروفٍ استثنائية، تتهدد القضية الفلسطينية برمتها وتتعرض لمخاطر كبيرة بالشطب والتصفية، عبر الانحياز الأمريكي السافر للكيان الصهيوني، والعجز التام للنظام الرسمي العربي عن نصرة القضية الفلسطينية والتفريط بالحقوق الفلسطينية المشروعة، عبر الموافقة على مبادرات التسوية ومشاريعها والترحيب باتفاقات "سلام أبراهام" التي فرضها ترامب على بعض الدول العربية مع العدو الصهيوني في واشنطن، على اعتباره أحد مخرجات صفقة القرن الأمريكية التي نتج عنها الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية إليها، وشرعنة الاستيطان والمستوطنات وضم مساحات واسعة من الضفة الغربية والأغوار. 

في ذكراك أبا علي، ها هي فلسطينُ تمتطي دربَ الفداء، تقدم آلاف الشهداء، قرابين دمٍ يطهِّرُ الترابَ والحجرَ ويغسل العار، شهداءٌ من جنين القسام ومن خليلِ الرحمن ومن القدس وجبلِ النارِ يقودُون انتفاضةَ الضفة؛ فلسطينُ الآنَ يذبحها دواعش بني صهيون، ويصلبها على العامود الخائنون، ويتاجر بها النخاسون والأفاقون، ويفرط بها المهزومون، وملوك الغاز والبنزين، ضد هؤلاء انطلقت صرخة مدوية، من طفل شهيد، إلى شهيد رضيع، زلزلت أركان الإرهاب، وعرّت الأعراب، وبيّنت الفرق بين الذهب والتراب.

أبا علي، كنْ راضيًا، فروحُك أوقدتْ شعلةَ الحريةِ والدمِ والحياة في طولِ البلادِ العربية.

"رحل القائد الكبير "أبو علي" وانطوت صفحة جهاده، بعد أن شغلها بإنجازاته وعملياته البطولية النوعية، لكنه باقٍ فينا مادام رفاقه المؤمنون بفكره الجهادي المبثوث في العراق واليمن وسورية ولبنان وفلسطين، ما زالوا يحملون راية الجهاد والمقاومة، ويقودون المسيرة معاهدين الله والشعب، على الاستمرار على خطى القائد المجاهد، حتى تحرير فلسطين والأراضي المحتلة، وتطهيرها من رجس الإرهابيين والصهاينة المغتصبين.

فنم أيها الشهيد القائد المجاهد قرير العين، فروحك ما زالت ترفرف فوق ربا فلسطين، ودمك الذي اختلط بدم إخوانك وأبناؤك المجاهدين أوقد شعلةَ الحريةِ والجهاد في كل فلسطين، فهم مازالوا على العهد، يحملون الأمانة، ويتشوقون للشهادة، ويرفعون راية الجهاد خفاقة، ويكملون مسيرتك بعزيمة واقتدار، ويقولون كلمتهم بأن الكيان الصهيوني الغادر لا يفهم إلا لغة القوة، وأن زمن استباحة الضفة قد ولى، وأن "لا دخول إليها دون اشتباك"، وأن لا خيار أمام شعبنا الفلسطيني إلا خيار المقاومة والكفاح المسلح، بعد أن سقط خيار المفاوضات والتنازلات.