"سوف يبقى عددُ السكان والنسب بين الأعراق وبعض الجماعات الإثنيّة عند مستوى 2005؛ لأنّ القسم الأعظم من البشريّة سوف يُقتل أثناء الثورات المناهضة للعولمة التي ستشارك فيها شعوبٌ وأممٌ بأكملها. سوف يموت الكثيرون، في حين أنّ الصدامات الأعنف والأقسى ستكون بين الأطلنطيين - أنصار العولمة والأوراسيين - أنصار التعدديّة القطبيّة، وسوف تؤدّي إلى كارثةٍ بيئيّةٍ وتكنولوجيّة، وإلى ظهور فيروساتٍ وأمراضٍ جديدة". (عالم الاجتماع الروسي ألكسندر دوغين، كتاب "الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة").
لا شكّ أن إرهاصات ولادة نظامٍ عالميٍّ جديدٍ متعدّد الأقطاب عسيرةٌ ومحفوفةٌ بمخاطر الحروب الكونية، التي تجلّت مؤخّرًا في حرب أوكرانيا بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتوجّه اتّهامات كثيرة إلى ألكسندر دوغين، أنّه هو من همس في إذن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأشار إليه بشن الحرب، باعتباره منظّرًا للنظرية الأوراسية، وقد دفع دوغين الثمن غاليًا عندما تعرّض لمحاولة اغتيال ذهبت ابنته ضحية فيها بتفجير سيارتها بداية اندلاع الحرب. يقدم دوغين نظرةً سوداويّةً لمستقبل البشريّة، لكنّه يخلص إلى أن عالمًا متعدّد الأقطاب سوف ينشأ من رحم معاناة العالم من الحروب والصراعات التي ستغير الكثير في الجغرافيا السياسية وفي مواقف الدول، ويرى أن العديد من القيم والمناهج سوف تتغيّر بما فيها الديمقراطيّة الغربيّة التي ستتطوّر المركزيّة على حسابها، وستكون مصالح الدول مقدّمة على مبادئ الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، كما يرى أن مستقبل روسيا ليس مع الغرب، بل في بعدها وعمقها الأوراسي.
قول دوغين، ربّما يفسر الحرب المستعرة في أوكرانيا وبروز كُتل اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية في أكثر من مكان، وخصوصًا إصرار الولايات المتحدة الأمريكية إبقاء سيطرتها على العالم وقيادتها له في القرن الواحد والعشرين، وإن كلّف ذلك حروبًا مجنونة، وقد شعرت واشنطن ودوائر صنع القرار الأمريكي، أنّ إمبراطوريتها لا يمكن لها أن تبقى على القمة إلى أبد الآبدين، لذلك تحركت الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض في الربع الأخير من القرن العشرين، وخصوصًا عقد التسعينات، بعيد انهيار الاتحاد السوفييتي ونشوء عالم القطب الواحد، فدرست وخططت لتبقى زعيمة العالم بلا منافس.
بعد قرابة ثلاثة عقود من انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، وطرح سؤال كيف يمكن أن تستمر أمريكا في قيادة العالم بمفردها، جرت مياه كثيرة تحت جسر الاقتصاد العالمي، وتحركت مواقع الدول وإمكاناتها الاقتصادية وترتيبها في الاقتصاديات الدوليّة، فصار الثقل الاقتصادي يتوجّه شرقًا بدلًا من الغرب الذي كان مسيطرًا على المراتب العشرة الأولى طوال القرن العشرين. تغيّر السؤال المركزي الأمريكي إلى: كيف يمكن للولايات المتحدة الأمريكية عرقلة ولادة عالم جديد متعدد الأقطاب؟ وكيف تتم عملية لجم الصين من تبوء المركز الأوّل عالميًّا على الصعيد الاقتصادي والقوة الناعمة التي عملت بكين على نسجها بهدوءٍ شديدٍ منذ إطلاق الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ نظرية العوالم الثلاث التي أسست لمرحلة الخصومة الصينيّة السوفيتيّة، بعد رحيل الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين؟
اشتغلت الصين على تأسيس قوّةٍ اقتصاديّةٍ ناعمةٍ تحوّلت معها إلى مصنع للعالم في كل شيء تقريبًا، وبنت تحالفات متينة مع الدول النامية لتتمدّد اقتصاديًّا بهدوءٍ وبطءٍ على طريقة حياكة السجاد الإيراني، ومشت في مشروعها الضخم "الحزام والطريق"، حتى بلغت قروضها الممنوحة في خمس سنوات لـ 22 دولة نامية في الفترة من 2016 إلى 2021 أكثر من 185 مليار دولار. وقد انتزعت الصين مرتبتها الثانية في الاقتصاد العالمي بعد الولايات المتحدة من حيث القيمة بناتج محلي يحوم حول 18 تريليون دولار، مقابل 23 تريليون دولار للولايات المتحدة الأمريكية، لكن ومن ناحية القدرة الشرائية، فالصين هي الأولى، فضلًا عن أن واشنطن مغرقة بديون تزيد على 31 تريليون دولار، خلافًا للصين التي لا تعاني من أزمة في هذا الشأن ولا يتجاوز دينها الخارجي 2.7 تريليون دولار، بل وتقرض أمريكا أكثر من تريليون دولار.
يشير الواقع الاقتصادي العالمي الراهن إلى أن عالم متعدد الأقطاب هو الصيرورة التاريخية الثابتة التي تسير نحوها البشرية، ما حدا بواشنطن سرعة التحرك لمواجهة تداعيات كثيرة في شكل تجمعات وتكتلات ومحاولات الانعتاق من الهيمنة الغربية، وليس ما حصل في النيجر سوى إحدى التجليات المعبرة عن رفض الشعوب مصادرة ثرواتها لصالح الدول الكبرى. تعدّ النيجر واحدة من أفقر دول العالم من حيث حجم الاقتصاد، فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي 13.97 مليار دولار في العام 2022، متراجعًا عن العام الذي سبقه الذي بلغ 14.92 مليار دولار، ولا يتجاوز نصيب الفرد 533 دولار سنويًّا، كما أن من يحصل على الكهرباء لا يتجاوز 18.6 بالمئة من إجمالي السكان البالغ عددهم نحو 26 مليون نسمة، ومساحتها 1.27 مليون كيلومتر مربع، وقد احتلت النيجر المرتبة 124 على مستوى العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي. لكنها تتمتع بثروات طبيعية تمكنها من مكافحة الفقر والعوز، ومن أهم صادرات النيجر الذهب والبذور الزيتية والمواد الكيميائية، وهي أهم مُصدّر لخام اليورانيوم في إفريقيا، ورابع أغنى دولة في العالم من احتياطيات هذا الخام الذي يضيء ليل باريس بينما تغرق أغلب مناطق النيجر في العتمة. فالتطورات الحاصلة هناك ومسارعة وصول السفير الأمريكي إلى هذا البلد الإفريقي المعدم والاهتمام الفرنسي الكبير واستنفار بعض الدول الإفريقيّة، يفسر حالة التوتر التي بلغتها بعض الدول الكبرى التي ما تزال تستحوذ على ثروات البلدان النامية، التي أغلب أبنائها محرومون من التعليم كما هو حال أبناء النيجر الذين تبلغ نسبة الملمين بالقراءة والكتابة بينهم 37 بالمئة فقط!
قلق مجموعة بريكس:
لعلّ التحدّي المقلق والمتصاعد لعالم القطب الواحد هو بروز مجموعة بريكس التي تأسست في 2009 وعقدت قمّتها الأخيرة في جنوب إفريقيا من 22 إلى24 أغسطس/ آب الماضي، وعلى جدول أعمالها ملفات غاية في الأهمية منها توسيع عضويّة المجموعة، حيث تقف في طابور طلبات الانضمام لهذه المجموعة الواعدة 22 دولة، علمًا أنّ المؤسّسين هم البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب إفريقيا، وكلمة "بريكس" تمثّل أوّل حرفٍ من اسم كلّ دولة من الأعضاء الخمسة. في مقدّمة طلبات العضويّة لبريكس تأتي أندونيسيا والسعوديّة ومصر، وتشكّل الدول الأعضاء الخمسة نحو 40 بالمئة من مساحة العالم، وسكان المجموعة يشكّلون أكثر من 40 بالمئة من سكان الكرة الأرضيّة، وتبلغ مساهمة المجموعة في الاقتصاد العالمي 31.5 بالمئة متقدّمة على مجموعة السبعة الكبار (G7 ) التي تبلغ مساهمتها 30.7 بالمئة، لكن الأخيرة ما تزال تستحوذ على 60 من الثروة العالميّة، وبدخول دول بحجم السعوديّة (حجم ناتجها المحلي بلغ 1 تريليون دولار) وحجم إنتاج يبلغ نحو 12 مليون برميل يوميًّا، وأندونيسيا (1.2 تريليون دولار) تكون المجموعة قد تجاوزت السبعة الكبار في مجال الثروة العالميّة واحتياطات الطاقة النفطيّة.
قبيل انعقاد قمة "بريكس" في جوهانسبيرغ بجنوب إفريقيا، أكّد وزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف (21 أغسطس/آب2023) "أنّ منظّمة بريكس لا تهدف لأنْ تصبح قوّةً مهيمنةً جماعيّةً جديدة"، مشيرًا في مقالةٍ له بمجلّة "أوبونتو" الجنوب الإفريقيّة، إلى أنه "ليس لدى المجموعة هدف استبدال الآليات المتعددة الأطراف القائمة". ولفت الوزير الروسي إلى أن دول (بريكس) مستعدّة للاستجابة "بأن تصبح إحدى ركائز نظام عالمي جديد أكثر عدلًا ومتعدد المراكز". كلام لافروف هذا يقلق واشنطن وحلفاءها ويزعجهم، ليس فقط لأن بريكس تتوسع بثبات، حتى الآن على الأقل، بل لأنّ الحديث عن عالم متعدد الأقطاب يُركِّز مسمارًا جديدًا في تابوت عالم القطب الأوحد.
الملف الثاني والمهم في قمة البريكس هو العملة المشتركة والتبادل التجاري بعيدًا عن الدولار الأمريكي، وقد بدأ أعضاء المجموعة بالعمل على ذلك فعلًا، حيث تصل المبادلات بالعملة الوطنية بين الصين وروسيا إلى 80 بالمئة من إجمالي المبادلات، وأن المبادلات بين أعضاء بريكس زادت بمعدل 56 بالمئة وبلغت 422 مليار دولار على مدى السنوات الخمس الماضيّة، كما بدأ العمل على تطوير بنك التنمية الجديد الذي أسّسته المجموعة عام 2015 برأسمال 50 مليار دولار، بديلًا عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، رغم ما يواجهه البنك من مشاكل على خلفيّة العقوبات المفروضة على روسيا، التي تعدّ أحد مصادر التمويل الرئيسيّة، كما أن ملف الأمن الغذائي للمجموعة طرح في القمة، خصوصًا مع تفاقم الخلل في المعروض من القمح في الأسواق العالميّة؛ بسبب الحرب في أوكرانيا.
رد استباقي:
لم تنتظر واشنطن نتائج قمة جوهانسبيرغ، بل رتبت لقمة ثلاثية جمعتها وطوكيو وسول في كامب ديفيد في 17 آب/أغسطس الماضي، لتضرب بها عصفورين بحجر: الأول الصين التي هي الهدف المشترك بين الثلاثة مع تزايد التوتر في جنوب شرق آسيا، وخصوصًا في بحر الصين الجنوبي، والعصفور الثاني مواجهة نتائج قمة بريكس التي أفصحت عن أهدافها بالعمل على كسر الاحتكار، وإيجاد عالم متعدد الأقطاب، وهو الهدف الذي يسبّب صداعًا مزمنًا للولايات المتّحدة الأمريكيّة. اتّخذت قمة كامب ديفيد قرارات تقطع الطريق على تحويل نتائج قمة البريكس إلى برامج عمل؛ إذ قرّرت القمة الثلاثيّة العمل على مواجهة كوريا الشماليّة المستمرّة في تجاربها البالستيّة والنوويّة، وعلى فتح خط ساخن ثلاثي جديد وإجراء تمارين عسكرية منتظمة وعقد قمم ثلاثية سنوية، وفق قول مسؤولين أميركيين، لإضفاء الطابع المؤسساتي على العملية. أما الولايات المتحدة التي شعر سفيرها في اليابان رام إيمانيويل بنشوة النصر من نتائج كامب ديفيد، فقد ذهب بعيدًا: "خلقنا شيئًا هو تمامًا ما كانت الصين تأمل في ألا يحدث (..) رسالتنا هي أننا قوة وحضور دائمان في المحيط الهادئ، وبالإمكان الاعتماد على أميركا.. وعلى الصين أن تفهم أننا القوة الصاعدة، وهم يتراجعون"، وفق قوله. أما الرد الصيني فقد كان جاهزًا على لسان وزير خارجيتها وانغ يي الذي حض طوكيو وسول على العمل مع بكين "لإنعاش شرق آسيا"، وقال متهكّمًا: "مهما صبغتم شعركم بالأشقر أو جعلتم شكل الأنف رفيعًا، فلن تصبحوا أوروبيين أو أميركيين، لا يمكنكم أن تصبحوا غربيين أبدًا.. يجب أن نعرف أين هي جذورنا".
منسوب التوتر عند البيت الأبيض قاده لأن يعقد جلسة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة حقوق الإنسان في كوريا الشمالية وأسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها، وكأن العالم نسى الكذب السافر الذي مارسته الإدارة الأمريكية لغزو العراق أو نسى ما جرى في سجن أبو غريب العراقي، أو الدعم المطلق الذي تقدمة واشنطن للفاشية الصهيونية في حرب الإبادة الجماعية التي تنفذها ضد الشعب الفلسطيني.
خلاصة القول: إنّ عالمًا متعدد الأقطاب يتشكل رغم درب الآلام والنزيف الذي تسببه الإدارات الأمريكية المتعاقبة والمتحالفين معها، ولن تتمكّن واشنطن من الوقوف أمام إصرار العالم على الانعتاق من الاحتكار والتبعية وخلف الحتمية التاريخية التي تسير البشرية نحوها بخطى واثقة، وإن كانت بطيئة.

