الاحتجاجات التي خرجت رفضًا للتعديلات القضائيّة هي في الجوهر انفجارٌ لتراكماتٍ على مدى ٧٥ سنة من عمر الكيان الصهيوني بين جناحي الحركة الصهيونيّة، عنوانُهُ هُويّةُ هذا الكيان، خاصّةً أنّه منذ تأسيسه وخلافًا لمعايير الدولة لم يقم هذا الكيان بإعلان عقدٍ اجتماعيٍّ ينظّم العلاقات فيما بين القوى الاجتماعيّة اليهوديّة أو مع القوى الاجتماعيّة الفلسطينيّة، واتّفق على أنّ الجهة التي تضبط إيقاع النظام هي المحكمة العليا الإسرائيليّة التي تشرّع القوانين المدنيّة في إطار الحفاظ على مصالح المنظومة الدينيّة.
إسرائيل عبر ٧٥ سنة أصبحت مركز ثقلٍ وقرار للحركة الصهيونيّة، ولكنّها خلال هذه السنوات كانت تشهد صراعًا ما بين اتّجاهات الحركة الصهيونيّة العلمانيّة والدينيّة وامتداداتها داخل إسرائيل وخارجها، فالحركة الصهيونيّة التي كان مركز ثقلها المقرر في بريطانيا، استطاعت استصدار إعلانٍ من قبل بريطانيا العظمى لإقامة وطنٍ قومي لليهود، هذا الإعلان الذي صدر في ٢ من نوفمبر ١٩١٧ قدّمه وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور إلى اللورد ليونيل دي روتشيلد، ممثّل الاتحاد الصهيوني اليهودي لبريطانيا وإيرلندا.
تعدّ الحركة الصهيونيّة هي الأداة التي عملت على مدى أكثر من مائة وعشرين سنة من أجل قيام وطنٍ قومي لليهود، وفي الوقت ذاته هي الإطار الذي يسمح من خلاله لغير اليهود بغض النظر عن دينهم أو جنسيتهم أو لونهم لتقديم مساهماتهم في بناء الحلم الصهيوني في فلسطين وخارجها. والحركة الصهيونية هي فكرة رأسمالية استخدمت الديانة اليهودية من أجل تحقيق أهداف سياسية، هذه الفكرة الرأسمالية المغلّفة بإطارٍ ديني لإعطاء تميّز وخصوصية لرأس المال اليهودي في إطار حركة رأس المال العالمي وأدواته ومؤسساته.
وتأـسست الصهيونيّة في مؤتمر بازل في سويسرا ١٨٩٧ بناءً على تحالفٍ بين رأس المال اليهودي الليبرالي مع صغار البرجوازيين من اليهود المتدينين (الأرثوذكس)الذين كانوا ينتشرون في أوروبا الشرقيّة، وخاصة في روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء (بلاروسيا) وبولندا. والصهيونية حكمها صراع كان يتصاعد حدته ويتراجع بين جناحين رئيسيين يمثلان العلمانيّة والدينيّة باتجاهاتها كافة. في حين كانت العلمانيّةُ تقدّم دائمًا نفسها على أنّها اتجاهٌ صهيوني يحملُ سماتٍ يساريّةً من أجل تسويقها في المجتمعات الأوروبيّة التي كانت اليساريّة في كلّ اتجاهاتها تشكّل غالبية الرأي العام في هذه الدول، وهنا فإنّ حزب العمل الإسرائيلي الذي أسّس عام ١٩٣٠، وسيطر على الاتحادات العماليّة (الهستدروت) وقاد الحكومات الإسرائيليّة منذ عام ١٩٤٨ حتى عام ١٩٧٧، وخاض حروب إسرائيل مع النظم العربية كان عضوا فاعلًا في الاشتراكيّة الدوليّة التي كانت تسيطر على الدول الفاعلة في أوروبا.
الحركة الصهيونية التي تعبّر عن أداة رأس المال اليهودي بشقيه (العلماني والديني) كانت ترسم سياساتها بالتوافق بين طرفيها يعتمد ناظمًا يحصر الخلاف بين اتجاهات الحركة الصهيونيّة في إطارها، ومعيارًا يعتمد ضرورة الحفاظ على المكتسبات التاريخية للحركة، إن كان في فلسطين أو خارجها، وفي إطار عملها على نجاح مشروعها في فلسطين حرصت على تقديم نموذجها في فلسطين للخارج على أنّه امتدادٌ للمجتمعات الغربيّة المتقدّمة الأقوى، التي تحمل تمييزًا عرقيًّا والأكثر حكمة ومعرفة من أجل إعطاء مبررات للهجرة والاستيطان في فلسطين لتبرير جرائم المستوطنين اليهود الجدد بحقّ الشعب الفلسطيني في ترجمةٍ ماديّةٍ لمرافعة ونستون تشرشل أمام لجنة بيل عام ١٩٣٧، الذي عبّر فيها عن الموقف العنصري الفاشي للساسة الصهاينة البريطانيين حين قال: لا أوافق على أن الكلب في المعلف له الحق النهائي بالمعلف حتى لو قبع هناك لزمن طويل، ولا أقرّ له بهذا الحق، في إشارةٍ إلى أصحاب الأرض الفلسطينيين الأصليين. وأضاف أيضًا أنّه لا يوافق على أن ظلمًا لحق بالهنود الحمر في أمريكا أو ذوي البشرة السوداء في أستراليا؛ لأنّ عرقًا أقوى وعرقًا أعلى مكانةً وعرقًا أوسع حكمةً ومعرفةً قد جاء واحتل مكانهم وبلادهم، في إشارة للمقاربة بين إبادة الهنود الحمر والمواطنين الأصليين في أستراليا والجرائم الصهيونيّة بحقّ الفلسطينيين. في خطابٍ آخر عام ١٩٣٧ أمام البرلمان البريطاني صرح ونستون تشرشل أنّه لو خُيِرَ بين النازية والشيوعية فإنه لن يختار الشيوعيّة.
هذه التصريحات التي عبّر فيها ونستون تشرشل عن الجوهر العنصري الفاشي للفكر الاستعماري الصهيوني من حيث التوقيت أُطلِقَت التصريحات ما قبل بداية الحرب العالمية الثانية في مرحلة صعود النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، ليكشف عن الجوهر المشترك بين الفكر النازي والفاشي وبين الفكر الصهيوني؛ هذا يؤكد الخيط الرفيع ما بين النازية والفاشية من جهة، والصهيونيّة من جهةٍ أخرى، ويكشف أن المجازر التي ارتكبت بحق الفقراء اليهود من قبل النازية كانت مبررة صهيونيًّا من أجل تحقيق الحلم الرأسمالي الاستعماري للصهيونيّة في فلسطين.
إنّ الخلاف حول الصلاحيات القضائيّة بين التيار العلماني والتيار الديني هو في الجوهر ينظرُ له على أنّه خلاف حول هُويّة إسرائيل عبر تقويض المؤسّسة الوحيدة التي ضبط الناظم لحل الخلافات بين تيارات الحركة الصهيونية بما يخدم تقاطع مصالح رأس المال الصهيوني مع رأس المال العالمي ومؤسساته، حيث ينظر للتعديلات القضائية على أنّها كسر لمعادلة التوافق بين تياري الحركة الصهيونية لمصلحة التيار اليميني الديني، في خطوةٍ ينظر لها تيار الحركة الصهيونيّة العلماني على أنّها تعديلات من الممكن أن تقوض الصورة العامة لإسرائيل التي سوقتها للمجتمعات الأوروبيّة على أنّها امتدادٌ ونموذجٌ لمجتمعاتهم، بحيث لا يمكن للمراكز الصهيونية في الحكومات والدول الغربية أن تقوم بتبرير سلوكها أو حمايتها أو تقديم مساعدات لحكومة أو دولة تعلن بصراحة عن هويتها العنصرية الإرهابية والعدوانية ضد الشعب الفلسطيني المعتدى عليهم منذ ٧٥ سنة في ظل مواجهة الغرب مع روسيا واتّهامها بالاعتداء واحتلال الأراضي الأوكرانية، في حين أن القانون الدولي يُقِرّ عبر قراراتٍ من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة أنّ إسرائيل دولة إحلاليّة محتلّة، وفي الوقت ذاته تطرح سؤالًا عن مبررّات الحماية الغربيّة للممارسات الإسرائيليّة العدوانيّة اليوميّة على الشعب الفلسطيني.
إنّ الحماية الغربيّة والضمانات التي أعطتها الحكومات الغربيّة للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين قائمةٌ على أن المستوطنين اليهود هم فئةٌ أعلى مرتبة وحكمة ومعرفة وتلتزم بالقيم الديمقراطية الغربية، وهي تنفيذٌ لمرافعة ونستون تشرشل (رئيس وزراء بريطانيا) أمام لجنة بيل عام ١٩٣٧، هذه الحماية والضمانات التي أعطت المستوطنين الحق في عدوانهم والتعامل مع إسرائيل على أنّها دولةٌ لا تخضع للمحاسبة، وهي خارج فعل القانون الدولي، في حين يرى التيار الصهيوني (الديني) أن الحركة الصهيونية هيأت الظروف الدولية والإقليمية لإعلان فلسطين من بحرها إلى نهرها دولة يهوديّة، وعلى الجميع أن يقر بهذه الحقيقة التلمودية التي تحقق الحلم الصهيوني الذي قامت على أساسه الحركة الصهيونية؛ هذه الأفكار أعلن عنها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش بالإضافة لوزير الأمن بن غفير.
هذه الأفكار الصهيونية توضح أن الفكرة العنصريّة الإرهابية الإحلالية تستند إلى رؤيةٍ تستخدم الأدوات والأساليب العدوانيّة ضدّ الشعب الفلسطيني التي يشرعها القضاء الصهيوني. أما الحديث عن ديمقراطية إسرائيل فهي ديمقراطيّةٌ خاصّةٌ بمواصفاتٍ استثنائيّة، ناظمها الحفاظ على التوازن بين التيارات العلمانية والدينية في الحركة الصهيونية بما يحفظ استمرار نفوذها الإقليمي والدولي. فمعيار ديمقراطية إسرائيل هو معيار ذات طابع عنصري يعمل فقط لمصلحة المجموعات التي تعتنق الديانة اليهودية إن كانت في فلسطين أو خارجها.
أما عن اليهودية التي تحاول الصهيونية أن تعطي لها بعدًا عرقيًّا يبرّر ارتفاع مكانتها أو معرفتها عن باقي البشر، فهذا يناقض العلم والمعرفة فلا يمكن أن تكون للأفكار المتغيّرة عبر الزمان علاقة بالعرق الإنساني الذي يخضع للعلوم البيولوجيّة (الوراثيّة) فجميع المجموعات الإنسانيّة متداخلة في حسبها ونسبها عبر التاريخ الإنساني، ولا يوجد أي حقيقةٍ علميّةٍ تؤكّدُ الصفاء العرقي إلا في أذهان النازيّة والفاشيّة وامتداداتها الفكريّة في الحركة الصهيونيّة التي نرى تعبيراتها في تصريحات وزير المال الصهيوني والأمن بن غفير.
إنّ مواجهة هذه الأفكار ودحضها مسألةٌ ضروريّةٌ لا تتعلّق بالفلسطينيين وحدهم، بل هي مهمةٌ إنسانيّةٌ لكشف الأفكار النازيّة والفاشيّة والعنصريّة التي بدأت تظهر وتتمدّد وتأخذ تعبيراتٍ فكريّةً مغلّفةً بالأفكار الدينيّة وسيلةً للانتشار بين الفئات والشرائح المحرومة من المعرفة والتعليم، التي تعاني من الفقر الذي ينتج نقمة يتم تحويلها وتوجيهها نحو تدمير ذاتها، خاصّةً وأنّ أفكار بتسلئيل وزير المال الإسرائيلي وبن غفير من حيث الجوهر تتلاقى مع أفكار داعش وأخواتها وكل منهما يغذي الآخر.
إنّ المواجهة بين المقاومة المشروعة للفلسطينيين وبين العنصرية الإرهابية لإسرائيل الإحلاليّة هي مواجهةٌ وطنيّةٌ بامتياز لا مكان للمواجهة الدينيّة التي تريد أن تشوّه الصراع الوطني، وتعطي مبرّراتٍ صهيونيّةً لتبرير استحضارها واستخدامها للأفكار الدينيّة في أحقيّة المكان، فكلّما عزّز الشعب الفلسطيني من مقاومته الوطنيّة، فإنّه يعزّز أزمة الكيان الصهيوني القائم على أساس أكثر الأفكار رجعيّةً وعنصريّةً، وفي الوقت ذاته يسحب البساط من تحت المبررات الدينية للصراع الذي تتغذى عليه الحركة الصهيونية التي لا يعنيها إلا مصالحها الرأسمالية في استمرار سيطرتها على مفاصل النشاط الاقتصادي والسياسي الإقليمي والعالمي.

