Menu

30 عامًا على توقيع اتفاقيّة أوسلو: في المنظور الإسرائيلي للعمليّة (قراءة تحليليّة)  (1-2)

م. تيسير محيسن

نشر هذا المقال في العدد 54 من مجلة الهدف الإلكترونية

تمهيد:

منذ احتلال الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة (1967)، لم يتوقف البحث عن، أو السعي نحو إيجاد حلٍّ للصراع المحتدم من قبل جهاتٍ عديدة. في غضون ذلك، طرحت، وما زالت تطرح خيارات أردنية، وفلسطينية، وإقليمية، تتراوح بين حل الدولة وحل الدولتين. شكل اتفاق "إعلان المبادئ"، أو ما عرف باتفاق أوسلو (1993) علامة فارقة ومميّزة على درب الخيارات والحلول التي تقلصت في الواقع إلى مجرّد "حكم ذاتي". وبعد 30 عامًا، يبدو أنّ مقاربة "حل الدولتين" لم تعد قائمة.

في هذه المناسبة، أودُّ أنّ أقدّم قراءةً تحليليّةً للموقف الإسرائيلي تجاهَ الاتفاق، وتجاه العملية برمّتها؛ والفرضيّة التي انطلق منها، تقول: إنّ دولة الاحتلال، بطبيعتها الحالية ووظيفتها، وبمكوّناتها المجتمعيّة والسياسيّة، لم تكن يومًا جاهزة، أو راغبة، أو قادرة على إبرام صفقة تاريخيّة وتحقيق تسوية مع الجانب الفلسطيني تتضمن إقامة دولة "حقيقية" إلى جوارها. ولم يكن أوسلو بالنسبة لكلّ حكومات إسرائيل ما بعد التوقيع، بما في ذلك التي صادقت على الاتفاق، سوى مناورة؛ الغرض منها الالتفاف على الضغوط وامتصاصها، كسب الوقت والتغطية على استكمال المشروع الاستيطاني. ومنذ حفل التوقيع والمصافحة التي قيل فيها وعنها الكثير بين رابين وعرفات، لم تكفَّ إسرائيل عن محاولات التنصّل من التزاماتها وتوجيه إصبع الاتهام للجانب الفلسطيني. لم يعلن أي طرف، رسميًّا، عن إلغاء الاتفاق، وإن هدّد بذلك، أو تجاوزه فعليًّا في الممارسة، لكن، يقول البعض: إنّ اتفاقية أوسلو ما زالت تشكّل مرجعيّةً دوليّةً وقانونيّةً للعلاقة بين الطرفين، وأنّه لا يوجد حتى الآن بديل عنها.

بالعودة قليلًا إلى التاريخ، نجد أن "أوسلو" ولد في سياقٍ عالمٍ يتغيّر بصورةٍ دراماتيكيّةٍ مع نهاية الحرب الباردة وهيمنة الولايات المتحدة على نظامٍ عالمي أحادي القطبية. ومع الانتفاضة الكبرى عام 1987، وانكشاف إسرائيل النسبي أمام الصواريخ العراقية، والتزام إدارة بوش الأب بوقف الاستيطان والبحث عن حل عادل؛ وجدت القيادات الإسرائيلية؛ السياسية والعسكرية نفسها، تحت ضغوطٍ دوليّةٍ أخلاقيّة وسياسية ودبلوماسية دفعتها لقبول المشاركة في مؤتمر "مدريد"، ومن ثَمَّ القبول بإعلان المبادئ المعلن في أوسلو.

ورغم التقدم الذي أُحرز في البدايات، بما في ذلك توقيع اتفاقية طابا (أوسلو الثانية) التي جسدت ذروة إنجازات التسوية التفاوضية، سرعان ما أعقب التفاؤل، تدهور مستمر في العلاقات، وتزايد انعدام الثقة والإحباط. كان هذا التدهور نتيجةً لمستوياتٍ متباينةٍ من المعارضة السياسيّة لعملية أوسلو، بدءًا من الرفض التام، مرورًا بفكّ الارتباط وتشكّل الإجماع على رفض التخلّي عن الأرض لرمزيّتها الدينيّة عند اليمين، ولأهميّتها الاستراتيجيّة في الحفاظ على الأمن. إنّ قصّة عمليّة أوسلو هي سرد لرفض إسرائيل المتصاعد للتنازل عن السيطرة على الأراضي المحتلة لسلطةٍ فلسطينيّةٍ ناهيك لدولةٍ سياديّة! في الواقع، لم تكن دولة الاحتلال تنوي أبدًا التخلي عن الضفة الغربيّة منذ احتلالها 1967؛ بل على العكس كانت النية والممارسات الفعلية، عند اليمين واليسار، تقول بأنّ الهدف النهائي هو ضم الضفة الغربية لأسبابٍ استراتيجيّةٍ وتوراتيّةٍ وطوبوغرافيّة، وأنّ أطروحات الحلّ جلّها، كانت من منظورٍ إسرائيلي حلًّا لمشكلة السكان وإدارة خدماتهم ومحاربة تزايدهم، فيما عدّه قادة إسرائيل "قنبلة ديموغرافية موقوتة". 

في الاجتماعات التي عقدتها القيادات السياسية والأمنية الإسرائيلية بتاريخ 16-19 يونيو 1967، أي مباشرة بعد أن وضعت الحرب أوزارها؛ طرحت خيارات وبدائل بما في ذلك حكم ذاتي، دولة فلسطينية في الضفة الغربية، تهجير سكان غزة إلى العريش أو نقلهم إلى الضفة، لكن اللافت للانتباه أمران: أبدى أشكول رئيس الوزراء آنذاك خشيته من تحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية إذا ما ضمت الضفة الغربية، والثاني أن القرار الاستراتيجي المتخذ في نهاية الجلسات لم يتطرّق أبدًا للأراضي الفلسطينية المحتلّة، واكتفى بالإشارة إلى الجولان وشبه جزيرة سيناء.

ورغم النشاط المعلن لقيادات إسرائيل بما في ذلك الحوار مع قياداتٍ فلسطينيّةٍ تقليديّة، أو طرح مبادراتٍ من قبيل خطّة يغال آلون، كان كل ذلك مجرّد مراوغة، لغو، ذر للرماد في العيون ودائمًا كسبًا للوقت وإحباطًا لأي فعلٍ فلسطيني مقاوم. لم يكتسب "الخيار الفلسطيني" الزخم الذي كان يمكن أن يدفعه إلى ما هو أبعد من سلسلة التصريحات الغامضة. حتى أتباع هذا الخيار المعلنون، ​​وهم أغلبية صناع القرار المهيمنين في الأشهر الأولى للاحتلال، لم يكونوا مستعدين للالتزام مع محاوريهم الفلسطينيين بخطوط عمل واضحة ولم يكونوا مستعدين لتحديد خطوط العملية التي من شأنها أن تؤدي إلى إقامة دولة، أو حتى حكم ذاتي، في الضفة الغربية! ومنذ نهاية 1967 بدأ الإسرائيليون يروجون للخيار الأردني، وكان ألون أول من فعل ذلك؛ وجوهر خطته: فرص الحكم الذاتي ضئيلة للغاية، تسليم الأراضي التي لن يتم ضمها إلى إسرائيل إلى المملكة الأردنية.

مع مناحيم بيغين، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، أخذ الخيار الفلسطيني في الحل زخمًا جديدًا، لكنّه سرعان ما تبدّد. وافق الإسرائيليون، نظريًّا، على منح حكم ذاتي للفلسطينيين ضمن مبادئ مجحفة رفضها الفلسطينيون، ولم يصرّ عليها الطرفان المصري والإسرائيلي.  

يقول يائير هيرشفيلد الأكاديمي الإسرائيلي، أحد مهندسي إعلان المبادئ، في أوسلو. أرسينا قاعدة "التدرّج"، الذي سمح لنا بحلّ المشاكل التي بدت غير قابلةٍ للحلّ في واشنطن، بنينا شعورًا بالثقة المتبادلة وابتكرنا "روح أوسلو". أي من حكومات إسرائيل وأي من قياداتها لا يشاطرون هيرشفيلد رأيه وتفاؤله! قبلت إسرائيل مجاراة اللعبة الجديدة باعتبارها "خيار الضرورة"، ربما باستثناء أولمرت الذي بذل جهدًا في استعادة "روح أوسلو" وفي جوهره إدراك أنه لا سبيل سوى تسوية على أساس مفهوم الدولتين لشعبين، ويمكن تفسير ذلك بأنّه كان يدرك أنّه بات خارج اللعبة بسبب تهم الفساد. 

وحتى إسحق رابين، شريك "سلام الشجعان"، الذي صادقت حكومته على الاتفاقية، كان أول من أعلن، مبرّرًا المماطلة في تنقيذ الالتزامات، أن المواعيد ليست مقدّسة، وهو الذي فسر الاتفاق في الكنيست بالإشارة إلى قلم في جيبه قائلًا: هم مثل هذا القلم، لا يدخلون ولا يخرجون من جيبي إلا بإذني، هو ذاته الذي صرخ من على منصة التوقيع: نحن الجنود العائدون من المعارك ملطخون بالدماء... وكأنه "يتفضل" و"يمن" بلغة بدت لطيفة، لكنها انطوت على تهديدٍ واضحٍ لا لبس فيه!

وبينما ترك المفاوضات تمضي في مساراتٍ غامضةٍ ومتعثّرة، أوضح أنه في كل الأحوال لن تكون دولة فلسطينية. لم يحشد جماهيريًّا للاتفاق، ولم يطلع الإسرائيليون على فحواه. لجأت إسرائيل في عهده إلى الاتفاق مع (م. ت. ف) باعتباره حاجةً اضطراريّةً مؤقّتة، وليس خيارًا استراتيجيًّا. في اجتماع الحكومة الذي صادق على الاتفاقية، شكّك رابين في قدرة الفلسطينيين على الالتزام بالتنفيذ، كما رفض بشدة التحكيم الملزم من قبل طرف ثالث.

بالمقابل، كان شمعون بيريز، ثعلب السياسة الإسرائيلية، والعقل المدبر للتسوية ومشروع الشرق الأوسط، يطمح إلى خلق واقع لا تقام فيه دولة إلا في غزة. ولطالما برر الاتفاق ودافع عنه باعتباره يمنع سيطرة إيران على الضفة، وأن الاتفاق لا يجبر إسرائيل على التنازل عن أي قطعة من التي أسماها "أرض إسرائيل"، وتبقى القدس عاصمة موحدة لها. راهن بيريز على تحقق 3 أشياء: بروز مافيا سياسية فلسطينية (نخبة فاسدة)، عمالة رخيصة (في سياق نزع الملكية/المصادرة والاستيطان)، هجرة طوعية من قبل الشباب الفلسطيني.

وهكذا فعل باراك. سرعان ما بدد الأمل الوهمي الذي انعقد عليه بمجرد دخوله مكتب رئيس الوزراء 1999. تبدد الأمل في ثلاث محطات: قمة كامب ديفيد (2000)، رفض وثيقة طابا، الرد العنيف والمفرط على اندلاع الانتفاضة الثانية. ماطل في تسليم بلدات القدس الثلاثة. يرى البعض أن براك، وليس نتنياهو، من دشن بداية التنصّل الفعلي من اتفاقيات أوسلو، واستكمل الأمر آرييل شارون بتطبيق خطة الفصل. 

أعاد شارون احتلال الضفة الغربية، وانسحب من قطاع غزة من طرف واحد، عمليّا أنهى عمليّة أوسلو، قوض بنيان السلطة، وأنهك الحركة الوطنيّة، تبنّى موقفًا أقرب إلى "إدارة الصراع" كما جاء في برنامجه الانتخابي. حصل على دعم أمريكي غير مسبوق (وعد بوش 2004)، أعلن بوضوح: جئت لاستكمل المرحلة الثانية من المشروع الصهيوني (يقصد ضم الضفة)، فعليًّا دفن شارون عملية السلام لسنواتٍ قادمة!

وعلى أهمية ما جاء في اقتراح أولمرت، كان واضحًا للفلسطينيين أنه لم يعد شريكًا محتملًا بسبب ملاحقته في قضايا فساد، وضعفه بشكلٍ عام. حاول أولمرت التوصل إلى اتفاق مع أبو مازن، دون جدوى، يزعم البعض أن محاولته كانت "صادقة"، للوصول إلى تسوية دائمة؛ وأقول: إنّ ذلك أبعد ما يكون عن الصحّة: كانت مجرّد مناورةٍ من رجلٍ ضعيف، السياق العام لم يكن يسمح بمثل هذا الاختراق، وربما أثيرت ضدّه قضايا الفساد لأنّه تجرّأ على المضي أكثر من اللازم، (رابين دفع حياته ثمنًا، وهو خاطر بمستقبله السياسي).

خلال الولاية الأولى لبنيامين نتنياهو (1996-1999)، بدا واضحًا أنّ إسرائيل غيّر مهمته بالتوصل إلى اتفاق سلام على أساس قرار الأمم المتحدة 242، ولا ترغب في التوصل إلى اتفاق عادل يؤدي إلى إنهاء الاحتلال وإنهاء الصراع. لم يخفِ نتنياهو اشمئزازه من اتفاقات أوسلو باعتبارها ضارّةً بإسرائيل، وبذل جهودًا متواصلةً لضبط خسائرها من خلال المماطلة في تنفيذ التزاماتها (واي ريفر، اتفاقية الخليل).

وفي سنوات حكمه الممتدة منذ 2009 عمل نتنياهو على ترسيم إلغاء اتفاق أوسلو بشكلٍ لا يترك أي أثر، أجهز على آخر رمق، وبذل كل ما في وسعه لنزع الشرعية عن الشريك الفلسطيني، ورغم اعترافه الشكلي بمقاربة حل الدولتين، غير أنّه صرّح فعليًّا "انسوا التفاوض على حل الدولتين"، وطرح بديله المتمثل في "السلام الاقتصادي". إذا كان شارون وأد العملية، فنتنياهو أغلق الباب تمامًا أمام احتمال عودتها والتوصّل إلى تسويةٍ حقيقيّة، وخصوصًا في هذه الأثناء، وهو يرأس حكومة يمينيّة فاشيّة متطرّفة، تحمل برنامجًا للحسم لما بدأه أسلافها على التوالي منذ أشكول: ضمّ الضفّة الغربيّة وتفكيك قنبلتها الديموغرافيّة، عبر التلويح بثلاث خيارات: القتل، الطرد، الإذعان!

يتبع