كتب ناجي صفا*
سيل من الأسئلة يطرحها المحللون الاستراتيجيون عما سيكون عليه واقع " إسرائيل " بعد انتهاء الحرب في غزة.
لا شك أن "إسرائيل" لن تكون هي ذاتها بعد الحرب على غزة، فالصفعة لا بل اللكمة شبه القاضية التي تلقتها على المستوى العسكري تعتبر لكمة مصيرية، لا سيما أن المستوى العسكري فشل في ترميم الصورة التي اهتزت كثيراً وستحفر عميقاً في ضمير ووجدان المؤسسة العسكرية لمدى زمني طويل، وسيكون لها تأثيرات نفسية على الجندي الإسرائيلي يصعب تجاوزها، ما يجعله مهزوم سلفاً في أي مواجهة مستقبلية قد تقع مع المقاومين .
وكما على المستوى العسكري كذلك على المستوى السياسي، المستوى الذي يبني كلّ آماله على الجيش الذي قيل فيه أنه جيش بُني له دولة.
النقطة الثالثة التي لا تقل أهمية هي المستوى الاجتماعي الذي فقد الثقة بالمستويين السياسي والعسكري، وهذا يهدد بقاء المستوطن الذي جاء على قاعدة معايير أمنية واقتصادية مضمونة ليستفيق على اهتزاز هذه البنية .. فما الذي سيبقيه في الكيان إزاء هذا الواقع ؟؟ .
لقد حاولت "إسرائيل" استدراك الهزيمة المحتملة التي تعرضت لها بالاستعانة بقوى استعمارية دولية هرعت لنجدتها بكافة السبل، إما بالإنخراط الجزئي بالميدان، وإما بالدعم السياسي والمالي والمعنوي واللوجستي والإعلامي، رغم ذلك عجزت إسرائيل عن ترميم صورتها التي اهتزت، وعن تحقيق أي من العناوين السياسية والعسكرية التي وضعتها لمعركتها، وسقوط فرصة استعادة الصورة وترميم ما تم تدميره من هيبتها رغم المجازر الكبرى التي ارتكبتها بحق المدنيين.
لقد ضاق العالم ذرعاً بالمجازر التي ارتكبها الكيان رغم النازية التي أظهرها، وهو إنْ قدم لهذا الكيان الدعم بداية، وتبنى السردية الإسرائيلية، إلا أنه لم يستطع تحمل حجم هذه المجازر التي فاقت التوقعات، واستطراداً تفوقت النازية الجديدة بممارستها على النازية الهتلرية.
النقطة الأهم في مرحلة ما بعد غزة يبقى السؤال عن فقدان الدور الذي أُنيط للكيان كرأس حربة للمشروع الاستعماري الغربي، وقد حرص الغرب أن يجعل منه قلعة العسكرية متفوقة على عموم دول المنطقة، لكن ماذا يتبقى من هذا الدور بعد أن هزمه تنظيم من بضعة آلاف مقاتل وليس دولاً، فهل ما زالت "إسرائيل" قادرة على لعب الدور الوظيفي الذي أوجدت من أجله ؟! هنا يبرز سؤالاً جوهرياً إذا فقدت إسرائيل دورها الوظيفي وهو مبرر وجودها، فهل تستطيع البقاء بعد فقدان هذا الدور ، لا سيما أنها فشلت في إسقاط غزة رغم المجازر، كما فشلت في تهجيرها لتعيد الاعتبار للمقولة التاريخية أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
هذه الأسئلة تُطرح لدى كبار المحللين ومنهم صهاينة وبدأوا يقرون بفشل المشروع الإستيطاني في فلسطين، كما فشل في حسم الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني؟
لقد بدأت تتكون قناعة لدى هؤلاء بفشل المشروع الصهيوني في فلسطين، ويتحدثون عن ضرورة مغادرة أرض فلسطين ، لا سيما أنّ خمسةً وسبعين عاماً من الصراع مع الفلسطينيين لم تؤدِ إلى حسم الصراع رغم كافة المحاولات الخبيثة (العسكرية والأمنية) التي مارسها .
وتبين لهم أن الشعب الفلسطيني متمسك بأرضه ولن يتنازل عنها مهما ارتكب بحقه من مجازر .فهل بلغت " إسرائيل " مرحلة الزوال؟
*كاتب سياسي لبناني

