كتب ميخائيل عوض*
من المعطيات ومجريات التطورات والأحداث المعاشة نستنتج أن إسرائيل عالقة في أزمة لا أفق للخروج منها. وأميركا عالقة بأزمة إسرائيل ولا تستطيع فعل الكثير لإخراجها.
أزمة إسرائيل متعددة الجوانب والمستويات؛
أزمة وجودية وبنيوية وهيكلية فقد انتهت صلاحياتها وفقدت دورها الوظيفي وباتت عاجزة عن تأمين مصالح من أنشأها وحماها ومولها، وباتت عاجزة عن حماية نفسها من تعاظم قوة محور المقاومة ومن سعيه لإزالتها.
مأزومة في بنيتها ونظامها السياسي فقد عجزت بخمس انتخابات في أربع سنوات من إنتاج حكومة قوية متماسكة قادرة على تجديدها وتجديد وظائفها وأصبحت بقبضة اليمين والتدين والأكثر يمينية وتطرفاً وحياتها السياسية متذررة وأحزابها باتت شائخة ومتماثلة وضعيفة ولا جديد عندها تدير شؤونها بالصفقات والتسويات.
محاولات تكييف نظامها ليطابق التحولات في بنيتها أصبحت أزمة فتاكة انفجرت بما سمي بالإصلاحات القضائية التي اعتبرها الأشكيناز والعلمانيون "مؤسسي وبناة إسرائيل" والجيش انقلاباً يمينياً يغير بنيتها وطبيعتها وهددتها بحرب أهلية.
وقد ضربتها أزمة العجز العسكري فبعد فقدانها لعنصر قوتها الاستراتيجي بفرض المصالح عبر الاحتلال والخروج مهزومة من لبنان و غزة بلا قيد أو شرط وفقدانها عنصر قوتها الاستراتيجية الثانية التي كانت تتجسد بذراعها الطويلة وحربها الخاطفة والسريعة والنظيفة وفي أرض الغير، بعد حرب ٢٠٠٦ وحروب غزة لاذت بالاحتماء بالجدران الإسمنتية والالكترونية وأسقطها طوفان الأقصى بلمح البصر.
وفي غزة بعد تجربتها في لبنان ٢٠٠٦ وغزة ٢٠٠٨ و٢٠١٤ تخسر آخر ما كانت تفترضه عنصر قوة المتجسدة بالجيش والحرب البرية والتقانة ودبابة ميركافا ومدرعة النمر وقد تحولت إلى توابيت معدنية لجيشها، ولم يعد لها من عناصر قوة تعتد بها إلا قصف المدارس والمشافي وقتل المسعفين والإعلامين والإطفال والنساء وهذه باتت وبالاً عليها وانهضت رأي عام أميركي وأوروبي وعالمي يحاصرها ويضغط على الدول والنخب الحاكمة التي تساندها إلى درجة انفجرت بين نتنياهو وبايدن والحبل على الجرار.
هي أيضاً خسرت تأييد الدول العربية والإسلامية وخسرت إسنادها العلني الذي كان بالحروب السابقة وباتت الضغوط عليها حادة وتشتد بحسب كلام بايدن.
والأخطر من كل ما ذكر، هي خسرت عقلها وحيويتها وقدراتها على الإبداع وتضربها عوارض الشيخوخة والزهايمر والأهم حالة العطالة والعجز عن اتخاذ القرارات الصحيحة في الزمن الصحيح لإدارة أزماتها وحروبها، وباتت محكومة بحفنة الفاسدين يقامرون بها وبمستقبلها ويستعجلون حربها الوجودية لحماية أشخاصهم وبقادة فاشلين وفاسدين وثبت أنهم حمقى ومغامرون.
على الضفة الأخرى المفترض أنها القادرة على ضبط إسرائيل وعقلنتها ومداواة جراحاتها ومعالجة أزماتها تبدو الصورة ليست بأفضل بل ربما أكثر سوءاً.
فأميركا معطوبة برأسها أيضاً وبتقادم نظامها وبتكلس مفاصله وبشيخوختها وبشيخوخة وخرف قادتها ورئيسها وهذه بائنة للعيان.
وكما ضربت إسرائيل أعراض الشيخوخة وفي أهمها إصابة قيادتها بالعطالة والعجز هكذا تبدو أميركا والشواهد أكثر من أن تحصى ومنها توتر واضطراب مواقفها من الحرب الإسرائيلية على غزة.
فمن جهة تطالب إسرائيل بالالتزام بضوابط وبمدة زمنية وبمشروعها لليوم التالي وتدعمها بكل حاجاتها، تنتقدها وهي قادرة برفع إصبع من يدها في وجهها وقف الحرب فوراً.
هذا الارتباك يفسره أن أميركا نفسها وهي شائخة وهرمة ترتبك في بنيتها ومصابة بمرض عضال يبدو أنها عجزت عن توليد حلول لها فتعصف بها أزمة مديونية وتضخم، وركود، وتقادم النظام وعجزه عن تلبية حاجاتها والتفاعل مع الأجيال والتنوع الإثني والديموغرافي، واتساع التشققات العامودية والأفقية في بنيتها، وتنحسر سيطرتها على العالم وتخسر في حربها الشاملة في أوكرانيا التي صارت على حافة فقدانها والشروع بخسارة أوروبا والأطلسي.
وأميركا أيضاً في حالة عجز وانحسار فقد خسرت ذراعها الطويلة وأهم عناصر قوتها الاستراتيجية بخسارتها الحروب في العراق وأفغانستان وسوريا و اليمن وانكسار قوتها وتراجع الخوف والارتياب منها، حتى أن حزب الله والحوثيين تحدوها في عصب هيمنتها وأساس سيادتها وتجرؤوا على طلب منازلتها في الأبيض المتوسط والأحمر وبحر العرب وأصلاً هي خسرت الخليج ومضيق هرمز. وهي تخسر بتسارع ذراعها الاستراتيجية الثانية الدولار كعملة عالمية، وحرب الحصارات والعقوبات التي كانت تتحكم عبرها وبالدولار بالاقتصاد العالمي وتنهب الشعوب وخيراتها ومنتجاتها ببيعها المئة دولار الورقية بقيمة ماية دولار فعليه وكلفتها سبعون سنتا فحسب.
وتخسر سيطرتها على البحار والمضائق التي ورثتها عن بريطانيا وكانت أحد أسباب هيمنتها العالمية والاقتصادية.
وهي تخسرها بسبب مقامرات الصقور والمحافظين الجدد أصحاب نظرية المليار الذهبي والقرن الأميركي، فتجد نفسها في مازق لا هي قادرة على حماية إسرائيل وإنقاذها من نفسها ولا هي قادرة على نصرتها في حربها الوجودية وأيضاً عاجزة عن عقلنتها.
الحالة التي تعيشها أميركا وإسرائيل والأمر طبيعي أن تتلازمان لأنهما دولتان مصنعتان في خدمة مشاريع ومصالح وشركات سادت وعبثت وبلغت شيخوختها وانكشفت على عسفها وتوحشها ولم تعد البشرية تحتملها فتمردت وتنتفض وتنفض عنها كما في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وتراجع مونتها على غالبية الدول التي كانت تأمرها فتستجيب.
العطالة والعجز للقيادة في الأزمنة الفاصلة وحقب الغليان والمخاض العالمي الجاري لولادة الجديد هي الحالة القاتلة والوصفة التي ميزت الإمبراطوريات في أيامها الأخيرة.
إن لله في خلقه شؤون وكل طير طار وارتفع وقع.
فعلى من ترهبه أميركا أن يتكل على الله والميدان، ومن يراهن على أميركا لفرض مخرج من الحرب والشروع بإنتاج حل للصراع العربي الصهيوني يخبز بالأفراح.
*كاتب ومحلل سياسي لبناني

