Menu

تداعيات العدوان الصهيوأمريكي على إيران والإقليم !..

محمد صوان

نشر في مجلة الهدف العدد (73) (1547)

توقف العدوان الصهيوأمريكي على إيران , أو " حرب ال12 يوماً " بإعلان وقف إطلاق نار بصورة مفاجئة .. وفور وقف القصف المتبادل , شرعت مراكز البحث والاستقصاء بتحليل وقراءة مشاهد الحرب وتداعياتها على الإقليم والعالم , في محاولة لسبر كينونة المشهد المستقبلي على الصعيدين الإقليمي والأممي !..

 

القراءة الأولية تشير إلى أن أي طرف لم يتمكن من توجيه الضربة الحاسمة إلى خصمه , فقد تمكن العدو الصهيوأمريكي من تدمير قسم كبير من قدرات إيران النووية والصاروخية , من خلال إلحاق أضرار كبيرة بالمنشآت النووية في مفاعلات " نطنز وفوردو وأصفهان " , وفي بداية الأمر لم تكن الضربات " الإسرائيلية " بالقوة المطلوبة لتدمير تلك المفاعلات مما استدعى تدخّل الولايات المتحدة الأمريكية بصورة مباشرة , عبر استخدام قنابل شديدة التطور خارقة للتحصينات , تحت الأرض لنسف بنية المفاعلات من جذورها !.. بيْد أن هذا لم يصل إلى مرحلة الإجهاز على البرنامج النووي الإيراني بصورة كاملة , أو تحطيم القدرات الصاروخية الإيرانية , فضلاً عن فشل إسقاط النظام في طهران كما راج في تصريحات الصهاينة وحلفائهم الأمريكان أثناء أيام الحرب !..

 

وبالمقابل تمكنت إيران من الثبات والصمود في مواجهة العدوان الصهيوأمريكي , واستيعاب المفاجأة في الضربات " الإسرائيلية " وتحطيم نظرية " الردع الإسرائيلي " وأمطرت المدن في فلسطين المحتلة من شمال البلاد إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها , بوابل من الصواريخ البالستية بمشهد نادر الحدوث في تاريخ " كيان الاحتلال الصهيوني " , رغم أنف " القبة الحديدية " التي لم تنجح بوقف انهمار الصواريخ الإيرانية داخل عمق " كيان الاحتلال " مما دفع مئات الآلاف من المستوطنين إلى البقاء في الملاجئ ساعات طويلة مع دويّ صفارات الإنذار بشكل دائم , ومع حالة شلل أصابت مرافق الحياة في معظم المغتصبات الصهيونية !..

 

· الاستدارة الإيرانية نحو الداخل :

 

من المتوقع أن تلتفت الحكومة الإيرانية إلى الداخل الإيراني لتدارك خسائرها ولملمة أوراقها المبعثرة , بعد اهتزاز حلمها في بناء مشروعها النووي الذي أنفقت عليه أموالاً طائلة خلال العقدين الماضيين , وبعد التراجع الذي أصاب حلفاءها في عدد من البلدان العربية .. لقد تمدد النفوذ الإيراني في الإقليم بصورة ناعمة وهادئة عبر الهيمنة وعبر نسج تحالفات مع ركائز نخبوية وكيانات سياسية كانت علاقتها بطهران قائمة على التحالف , وبما عرف بـ " محورالمقاومة " بيد أن التكلفة فاقت بكثير العوائد .. وهو ما يستتبع مواجهة الحكومة الإيرانية لأسئلة وجودية كبرى في الداخل الإيراني .. مثل الأسس الأيديولوجية الصلبة التي قام عليها " نظام الجمهورية الإسلامية " منذ نشأته عام 1979 واستمد منها شرعيته طوال العقود الماضية .. ومثل المواجهة المفتوحة مع " الشيطان الأكبر " وضرورة التصدي لقوى الاستكبار الدولية , والإنفاق على برنامج التسلح النووي , ودعم الحلفاء في بعض البلدان العربية على حساب المشروعات التنموية !..

 

منذ وقف إطلاق النار والجدال محتدم ويدور حول العودة إلى المسار الدبلوماسي , واستئناف المفاوضات حول البرنامج النووي .. لكن اللافت أن هذا يأتي مصحوباً بصخب لفظي متعدد الأطراف , ويتمثل بالتراشق المتبادل بين المسؤولين الإيرانيين ومسؤولي الوكالة الدولية للطاقة النووية , فبعد نعتها بسيل من الاتهامات وتوفير المبررات للعدوان الصهيوأمريكي على إيران بسلوكها " الهدّام " بحسب تعبير الرئيس الإيراني بزشكيان , أعلنت إيران رسمياً تعليق التعاون مع وكالة الطاقة الدولية , بموجب قانون أقرّه البرلمان الإيراني في خطوة تصعيدية فاقمت التوتر بين إيران والوكالة من جهة , وإيران وأمريكا و أوربا من جهة أخرى , حيث توالت التصريحات الغربية المستنكرة للخطة الإيرانية , وامتدادها إلى روسيا والصين اللتان تحتفظان بمسافة كبيرة عن دول حلف شمال الأطلسي " الناتو " غير أنهما حذرتا طهران من مغبة " تقليص " التعاون مع وكالة الطاقة الدولية !..

 

· هل تعود " إسرائيل " إلى الحرب مجدداً ؟ :

 

ذكرت صحيفة " وول ستريت جورنال " الأمريكية يوم 12/7/2025 , أن الرئيس ترامب أعرب عن أمله في أن لا تشن المزيد من الهجمات على إيران قائلاً :" لا أرغب في فعل ذلك " غير أن نتنياهو أخبره في زيارته الأخيرة للبيت الأبيض أنه " في حال استأنفت إيران سعيها نحو امتلاك سلاح نووي , فإن حكومته ستشن المزيد من الضربات العسكرية ".. وجاء في تصريح لمستشار نتنياهو الشخصي رون درايمر : " أن إسرائيل قادرة على منع إيران من الانطلاق نحو امتلاك قنبلة نووية على المدى القصير , عبر مواصلة العمليات السرية التي تستهدف كبار العلماء النوويين وغيرهم من القادة "!.

 

يذهب بعض المحللين والمهتمين إلى القول " إن الخطر الذي يواجه ترامب في سعيه للوصول إلى حل دبلوماسي يتمثل في إسرائيل القادرة على تعطيل أي حل لا يناسبها , عبر لجوئها لخطوات تصعيدية , وفرض رؤيتها ". وقال غابرييل نورونا المستشار السابق في إدارة ترامب الأولى " 2017- 2021 " : " أعتقد أن ترامب يريد أن تنتهي مشكلة إيران , وأن لا يكون هناك تخصيب جديد , مقابل المرونة في قضايا أخرى ".. و رأت صحيفة " وول ستريت جورنال ": " أن رفض طهران طلب ترامب التخلي عن التخصيب , واستئناف أنشطتها النووية , يعني أن تجدد إسرائيل ضرباتها , وربما تشاركها الإدارة الأمريكية , مما يهدد بقاء النظام الإيراني نفسه "!.

 

بدوره أعلن المرشد الإيراني علي خامنئي , على منصة إكس يوم 11/7/2025 : " وجّهت إيران صفعة قوية لأمريكا , وهاجمت إحدى قواعدها المهمة في المنطقة وهي قاعدة العيديد , وألحقت بها أضراراً ", معتبراً ذلك ليس حادثاً صغيراً , بل كبير ويمكن أن يتكرر " وأضاف أن " إيران يمكنها الوصول إلى أماكن ومراكز أمريكية مهمة في المنطقة واتخاذ إجراءات ضدها عندما ترى ذلك ضرورياً " وكانت دولة قطر قد أدانت الهجوم الذي استهدف قادة العيديد الجوية من قبل الحرس الثوري الإيراني , واعتبرته " انتهاكاً صارخاً لسيادتها ومجالها الجوي " وأكدت قطر عقب الضربة يوم 23/6/2025 :" أنها تحتفظ بحق الرد المباشر بما يتناسب مع شكل هذا الاعتداء السافر وبما يتوافق مع القانون الدولي".

 

· انفتاح طهران على الحل الدبلوماسي :

 

في موازاة ذلك ورغم انفتاح طهران على الحل الدبلوماسي ومطالبتها بضمانات بألا تتعرض لمزيد من القصف ,مقابل استئناف المفاوضات , نقل موقع اكسيوس الأمريكي يوم 12/7/2025 أن الرئيس الروسي بوتين أبلغ الرئيسين ترامب و بزشكيان أنه يدعم فكرة " الاتفاق النووي" الذي لا تستطيع طهران بموجبه تخصيب اليورانيوم , وفي الوقت الذي تدافع فيه موسكو علناً عن حق طهران بالتخصيب , اتخذ الرئيس بوتين - في السر – موقفاً أكثر صرامة في أعقاب العدوان الصهيوأمريكي على إيران , ووفق ثلاثة مسؤولين أوربيين تحدثوا لـ "موقع اكسيوس " أن " موسكو شجعت طهران على الموافقة على عدم تخصيب اليورانيوم " , إذ أعرب الرئيس بوتين عن هذا الموقف في مكالمات هاتفية مع الرئيس الفرنسي ماكرون , وبحسب نفس المصدر أنه :" في حال عقدت المفاوضات , فإن عدم التخصيب على الأراضي الإيرانية , سيكون أحد المطالب الأمريكية ".. علماً أن إيران تصر على الاحتفاظ بالقدرة على التخصيب بموجب أي اتفاق , وبحسب " موقع اكسيوس " فإن المسؤولين الروس أكدوا دعمهم لصفقة " صفر تخصيب " إلى الجانب الإيراني عدة مرات في الأسابيع القليلة الماضية , وبحسب مفوّضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوربي :" أن الرئيس بوتين يدعم التخصيب الصفري , وشجع طهران على العمل من أجل جعل المفاوضات مع واشنطن أكثر ملاءمة " غير أن الإيرانيين قالوا :" إنهم لم يفكروا في الأمر "!

 

· خلاصة القول :

 

تظل عوامل المواجهة العسكرية بين طهران و تل أبيب قائمة بصورة كاملة , وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني الذي يمثل محور الصراع , مما يشير إلى أن هذه المواجهة التي انتهت باتفاق هش للهدنة , وغير واضح المعالم , وغير معلوم البنود , ويمكن اعتبار كل ما حدث جولة , ربما تتلوها جولات لاحقة , قد تكون أكثر شراسة وأشد عنفاً , في صراع مستعر ومفتوح من شأنه تحديد مصير ومستقبل المنطقة والإقليم لعقود قادمة , لقد تفجّر هذا الصراع في الأساس من أجل مد مظلة النفوذ , والهيمنة على مقدرات المنطقة والإقليم لتحديد اللاعب الإقليمي الأقوى , في ظل غياب كامل , وعجز شديد على التأثير في مجريات الصراع , ومحاولة تحجيم آثاره , من أصحاب الأرض والأوطان الأصليين , الذين يغطّون في سبات عميق , أو اكتفوا بالجلوس على مقاعد المتفرجين , أو بإطلاق هتافات المشجعين في أفضل الأحوال !..