"كتب د. أدهم شقير"
الهجوم المباغت في 7تشرين أول لم يشكّل صدمة تكتيكية لإسرائيل فحسب، بل شكّل أيضًا اختبارًا عمليًّا لمنظومتها الأمنية والدفاعية
لقد حققت عملية طوفان الأقصى نجاحات مفاجئة، متحديةً التدابير الأمنية القائمة، وقد تشير إلى بداية انهيار أوسع للمشروع الصهيوني. قد يواجه الاقتصاد الاستعماري الاستيطاني في تل أبيب، الذي يعتمد على إخضاع الفلسطينيين، مستقبلاً محفوفاً بالمخاطر، وقد يمثّل حجر الدومينو التالي الذي سيسقط في هذا السيناريو الذي تتوالى فصوله.
إلى جانب الإذلال اليومي الذي يتعرّض له جيش الاحتلال في غزة والجبهة الشمالية، تكشف الجبهة الاقتصادية عن تدهور كامل لدولة الفصل العنصري المدعومة من الولايات المتحدة .
حيث لا يزال طوفان الاقصى يضرب الكيان الصهيوني في جوانبه كافة.
كيف تلقى الاقتصاد الإسرائيلي صدمة 7 أكتوبر؟
يُعد الاقتصاد الإسرائيلي من الاقتصادات الصلبة بنيويًّا، ويعتبر من الاقتصادات المتقدمة في المنطقة. ويمتلك هذا الاقتصاد قاعدة خدمية، وقاعدة صناعية كبيرة، وقاعدة زراعية على نطاق أضيق، تعتمد جميعها على تكنولوجيا متقدّمة. وعلى الرغم من القوة البنيوية من جهة، والدعم الكبير الذي تلقّته إسرائيل سنحاول سرد الآثار الكارثيه التي لحقت به ضمن السطور القادمة .
استشراف أولي لأثر الصدمة التي وجهتها عملية طوفان الأقصى إلى الاقتصاد الإسرائيلي، لذلك قد تعقبها تقييمات سلبية أكثر حدةً إذا فشلت إسرائيل في احتواء التداعيات الاقتصادية للصراع، واستمرّت حالة التوتر على الجبهة الشمالية، وتصاعدت إلى مواجهات عسكرية أشدّ قوةً وأوسع نطاقًا. أما إذا ازداد توسّع الصراع واتّجه إلى مواجهة إقليمية، وهو احتمال ما زال ضعيفًا بحسب التقديرات الراهنة، فإن النتائج ستكون حتمًا كارثية بالنسبة إلى الاقتصاد الإسرائيلي .
عمال بدون رواتب
كلّما ارتفع عدّاد أيام الحرب، الذي بلغ حتى الآن، الـ 121 يوماً، كلّما دخلت المزيد من الشركات التي تُعلن عن وضع الآلاف من الموظّفين في إجازة غير مدفوعة الأجر، وذلك بسبب التباطؤ الاقتصادي الذي ضرب السوق منذ بدء عملية “طوفان الأقصى وذكرت “مؤسّسة التأمين الوطني”، أنّه تمّ وضع أكثر من 120 ألف موظّف في إجازة قسرية غير مدفوعة الأجر منذ بداية الحرب.
فقدت سوق الأسهم الإسرائيلية نحو 9% من قيمتها الإسمية خلال الأسبوع الأول من عملية طوفان الأقصى وهو أمرٌ يسمح بالقول إن عملية طوفان الأقصى هزّت الاقتصاد الإسرائيلي بقدر ما هزّت المؤسّسة الأمنية والعسكرية والسياسية، ووضعت السياسات الاقتصادية لحكومة إسرائيل أمام تحدّيات صعبة؛ فتراجع سعر صرف الشيكل على نحو متسارع من شأنه تشكيل ضغوط تضخمية إضافية إلى الصدمة التي تلقتها سلسلة الإنتاج وما سينجُم عنها من ارتفاعٍ في تكلفة الشحن والتأمين على المستوردات. على الرغم من تدخُّل البنك المركزي الإسرائيلي بشكل استثنائي، وضخ في بداية الحرب 30 مليار دولار في السوق من أجل كبح التراجع السريع في قيمة الشيكل .
من التحدّيات المالية إلى التداعيات الأوسع
الحكومة الإسرائيلية، في مسعى منها لاستعادة هيبة الردع، ترمي بكل ثقلها العسكري في عدوانها المستمر على قطاع غزّة، غير مكترثة بتكلفته المالية، فهي تدرك أن فشلها في ترميم صورتها ستكون له تداعيات أشد خطورة
ووفقًا لوزير المالية الإسرائيلي تقترب التكلفة المالية للعملية العسكرية التي تقوم بها إسرائيل ضد قطاع غزة من 250 مليون دولار يوميًّا، أي نحو 1.75 مليار دولار أسبوعيًّا، ونحو 7.5 مليار دولار شهريًّا؛ أي نحو 1.5% من ناتجها المحلي .
أفادت وزارة العمل الصهيونية أن 764,000 مواطن، أي ما يشكّل حوالي خمس القوى العاملة في تل أبيب، عاطلون عن العمل بسبب عمليات الإجلاء أو إغلاق المدارس وما يستتبعه من رعاية للأطفال، أو الاستدعاء لأداء خدمة الاحتياط ويُتوقع أن تتراجع الصادرات السلعية، ويتفاقم العجز التجاري الإسرائيلي بسبب الاختناقات اللوجستية التي تفرضها المعطيات الميدانية للحرب .
.
على الصعيد السيبراني والتكنولوجيا
هناك مؤشرات كثيرة على أن الدولة الصهيونية موهومة بشكل خطير بشأن استدامة اقتصادها. تكشف التقارير التي نشرها مركز الأبحاث التابع لمعهد سياسة الدولة . حول الأضرار التي لحقت بقطاع التكنولوجيا في إسرائيل، الذي كان سابقاً مصدر فخر وسعادة، ورائداً بسبب ازدهاره بشكل عام. أتت النتائج قاسية ..
حتى في تلك المرحلة المبكرة، توقّع المعهد بناءً على الدراسة التي أجراها، حدوث "أزمة اقتصادية لا يزال حجمها غير معروف". وإجمالاً، أفادت 80 في المئة من شركات التكنولوجيا الإسرائيلية عن أضرار ناجمة عن تدهور "الوضع الأمني" في البلاد، في حين عرف ربعها "ضرراً مضاعفاً، سواء في الموارد البشرية أو في الحصول على رأس المال الاستثماري".
حيث من خلال حالة عدم اليقين والقرار الذي اتخذه العديد من المستثمرين "بالتردد" بسبب الوضع الحالي يضربان المنظومه التي كانت تكافح بالفعل لزيادة رأس المال، ويعود ذلك جزئياً إلى عدم الاستقرار السياسي قبيل الحرب، فضلاً عن الركود الاقتصادي العالمي".
ومن الأسباب الأخرى لفشل قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي التي لم يذكرها المعهد انكشاف أنظمة المراقبة الإلكترونية والحرب في تل أبيب بفعل طوفان الأقصى، وخلص التقرير إلى أن عملية المقاومة الفلسطينية "من المرجح أن تؤدي إلى انخفاض كبير في أرباح قطاع الأمن السيبراني الإسرائيلي"، نظراً لأنها تمثّل ضربة خطيرة وربما نهائية لشعار "دولة الشركات الناشئة التي تعتمد بشكل كبير على الأمن السيبراني. وقد أكّدت الأحداث اللاحقة صحة هذا التوقع .
على صعيد السياحة والخدمات
السياحة وما يرتبط بها من خدمات، وهي تُعدّ رافدًا مهمًّا من روافد الاقتصاد الإسرائيلي وميزانيته العامّة بناتج إجمالي يبلغ نحو 7.7 مليار دولار، قد تعرّضت لشللٍ كامل ذلك أن المعطيات تشير إلى إلغاء كل الحجوزات تقريبًا في الفنادق والمنشآت السياحية، في حين يجري استخدام نصف طاقتها الاستيعابية حتى الآن في إيواء عائلات جرى إجلاؤها من مناطق ومستعمرات قريبة من الحدود مع غزّة.
قطاع النقل
لا يختلف الحال كثيرًا بالنسبة إلى قطاع النقل، والنقل الجوي على وجه الخصوص؛ إذ أعلنت مجموعة من خطوط الطيران العالمية تعليق رحلاتها إلى إسرائيل، وأصبح دور النقل الجوي المدني ينحصر في إجلاء الرعايا الأجانب والإسرائيليين الفارّين من الحرب. وعلى إثر ذلك، تراجع سعر سهم شركة طيران "إل عال" بنسبة 19% منذ بدأت عملية طوفان الأقصى.
فالاستدعاء الاستثنائي لكل قوات الاحتياط سيفرغ القطاعات المحركة للاقتصاد الإسرائيلي من مشغّليها، وستتسبّب حالة الخوف التي تكتنف العمالة الأجنبية وهروبها خارج إسرائيل، وتوقف استخدام العمالة الفلسطينية، في شللٍ كبيرٍ في الخدمات المساندة.
التأثيرات الأعمق لم تحدُث بعد
والإشكالية الحقيقية التي ستُواجه إسرائيل بعد توقف الحرب ستتمثل في حالة عدم اليقين التي باتت تحيط بمنظومتها الدفاعية والأساطير التي صنعتها حول قدراتها العسكرية والاستخباراتية.
ومن الناحية الاقتصادية، المتوقّع أن تفضي هذه الحالة العميقة من عدم اليقين إلى تثبيط الاستثمار، والحد من مستويات الاستهلاك، وضرب قطاعَي السياحة والنقل وغيرهما من الخدمات. وستؤثر هذه الحالة كذلك في جاذبية الاقتصاد الإسرائيلي للعمالة الأجنبية؛ ما يعني أنه سيواجه سلسلة من الارتفاعات في الأجور بسبب نقص المعروض من العمالة، خصوصًا إنْ أفضت هذه الحالة إلى هجرةٍ عكسيةٍ إلى خارج إسرائيل .
في الوقت الذي تتركز فيه الأنظار على التداعيات العسكرية والسياسية والأمنية لعملية طوفان الأقصى، التي أطلقتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ضد مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزّة، يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما تبعها من عدوان إسرائيلي على هذا القطاع، تتعاظم آثار الحرب الاقتصادية، خصوصًا بالنسبة إلى إسرائيل.
عملية طوفان الأقصى لها بعد اقتصادي اقليمي ودولي
وجهة نظر للنقاش :
من الواضح أن عملية "طوفان الأقصى" وما تلاها من الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة لها أبعاد إقليمية ودولية مرتبطة بتحقيق مصالح الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً من منظور أمن الطاقة، حيث تسعى إسرائيل بشكل حثيث منذ سنوات لإنجاح مشروع خط أنابيب شرق المتوسط ليُعزّز أمنها ويرفع من أهميتها الجيوسياسية والاقتصادية، إلا أن المشروع ما زال يواجه العديد من الصعوبات الفنية والجيوسياسية، وسيناريو نجاح مشروع خط الأنابيب سيكون له انعكاسات سلبية على روسيا التي حاربت ومنعت منذ عام 1992 قيام العديد من مشاريع الأنابيب التي تصل إلى أوروبا وأولها كان خط أنابيب "نابوكو" القادم من أذربيجان وتركمانستان إلى أوروبا عَبْر تركيا، ومن ثَمّ خط أنابيب يصل بين قطر وتركيا عَبْر سورية، كما أوقفت مشروع خط الأنابيب الإيراني عَبْر العراق وسورية إلى شرق المتوسط، وانطلاقاً من عرقلة روسيا لكل هذه المشاريع، لا يُستبعَد سيناريو تدخُّل موسكو في دعم حماس بشكلٍ مَا لعرقلة إنشاء خط أنابيب شرق المتوسط وحتى عرقلة إنشاء الممرّ الهندي الواصل إلى أوروبا عَبْر الشرق الأوسط، والذي تم الإعلان عنه مؤخراً كمُنافِس لمبادرة الطريق والحزام الصينية، مما يعني أنه ليس من المُستبعَد أن نشهد في المستقبل تطوُّر العلاقات بين حماس وروسيا على أساس المصلحة المتبادَلة، فحماس بحاجة لدولة كبرى تدعمها، والروس بحاجة لأدوات لمنع قيام مشاريع أنابيب الطاقة المُتوقَّعة من إسرائيل.

