Menu

عدم الخروج عن سكة الطاعة الأميركية

حلمي موسى

خاص - بوابة الهدف

 

 

كتب حلمي موسى*

 

من يسمع ويقرأ ويشاهد المواقف الأميركية من حكومة إسرائيل ويقارنها بما كان على مر السنوات الأخيرة يشعر بأن سداً ما قد انهار وأن كثيراً من الغضب الكامن ينصب على رأس حكومة نتنياهو ورئيسها. صحيح أن هذا الغضب لم ينصب بعد على رأس إسرائيل ولكن ليس مستبعداً بعد سلسلة التصريحات والتهديدات والإنذارات الأميركية أن تتحمل إسرائيل عموماً بعض عواقب عربدة قادتها الحاليين. فقبل وبعد الرئيس الأميركي وتصريحاته أو التسريبات من كلامه في اجتماعات ومكالمات مع نتنياهو وسواه تتضح صورة ما يريده الأميركيون: كفى لعربدة إسرائيل وعليها عدم الخروج عن سكة الطاعة الأميركية. وربما أن ما لم يفلح فيه أوباما هو ما يحاول أن يفعله الصهيوني الأبرز في البيت الأبيض، جو بايدن ومجموعة الصهاينة في الخارجية ومجلس الأمن القومي الأميركي.

وثمة من يقول أن إدارة بايدن خلعت القفازات وبدأت تمارس ضغطا "غير لطيف"، على الأقل من وجهة النظر الإسرائيلية التي يرى اليمين فيها أن على أميركا مساعدة إسرائيل في "تحقيق رسالتها العالمية". وهكذا حذر رئيس حزب "نوعم" ونائب الوزير في ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية، آفي ماعوز، الرئيس الأميركي جو بايدن :" إن العلي القدير وعد أبانا ابراهيم بأن من يقف إلى جانب شعب إسرائيل ستباركه السماء، ومن يعرقلنا فإن نهايته ستكون مريرة". وكتب نائب الوزير هذا على موقع إكس (تويتر سابقاً): "عليك اختيار الجانب الصحيح. لا تعرقل شعب إسرائيل في أداء رسالته العالمية في تدمير الشر".

والحديث لا يدور إلا عن الأميركيين الذين كانوا دائماً إلى جانب إسرائيل في رسالتها العالمية لكنهم مؤخراً اكتشفوا أنهم على خطأ أو أنهم انحرفوا عن خط القيم المشتركة.  وعلى خلفية مقتل موظفي الإغاثة من المطبخ المركزي العالمي اجتمع مجلس الأمن الدولي لبحث أمر الحرب على غزة رغم إعلان إسرائيل أنها وبخت قادة وسرحت ضباطاً اتهمتهم بالإهمال. ولكن هذا "الإجراء" لم يرق حتى للمبعوثة الأميركية في الأم المتحدة التي وجهت يوم أمس أصبع اتهام لإسرائيل معلنة أن إسرائيل لم تبذل ما يكفي من أجل حماية الطواقم الإنسانية.  وتقريباً انتهى اجتماع مجلس الأمن بعد أن أدلى كل أعضائه بمواقف ضد إسرائيل.

وبدا خلافاً كل اجتماعات مجلس الأمن في الماضي أن مندوب أميركا هاجم إسرائيل بشدة: "مجلس الأمن والجمعية العمومية واضحان بشأن الحاجة لحماية الطواقم الإنسانية. وبشكل مأساوي، الأمر لم يستوعبه الطرفان. وأحد نماذج ذلك هو قتل طاقم المطبخ المركزي العالمي. وكما قال الرئيس بايدن، الولايات المتحدة شعرت بالصدمة وهي غاضبة لقتل الطواقم. لم يكن ينبغي لهذا الحدث أن يقع ومحظور أن يتكرر. ومن الجلي أن هذا ليس حدثاً عابراً. من الواجب حماية الطواقم الإنسانية ونحن قلقون جداً من أن إسرائيل لم تبذل ما يكفي لحماية هذه الطواقم. وكما أوضح الرئيس بايدن لرئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو فإن على إسرائيل أن تعلن وتنفذ سلسلة خطوات ملموسة تتعلق بمنع وقوع ضحايا مدنيين، أو معاناة إنسانية وأمن طواقم المساعدات. إن سياسة الولايات المتحدة ستتقرر وفقا لهذه الخطوات".

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتريش قد أعلن في مؤتمر صحفي قبيل بدء مداولات مجلس الأمن "إننا نحتفل بمرور نصف عام على هجوم حماس المعيب على إسرائيل. 7 أكتوبر هو يوم حزن لإسرائيل والعالم. والأمم المتحدة وأنا شخصياً حزينون على مقتل 1200 مدني بينهم نساء وأطفال قتلوا بدم بارد. لا مبرر لإرهاب حماس  في 7/10. وأنا مرة أخرى أدين العنف الجنسي، التعذيب، خطف المدنيين، إطلاق الصواريخ على أهداف مدنية واستخدام الدروع البشرية. وأدعو لتحرير المخطوفين لدى حماس وجماعات مسلحة أخرى".

وبعد هذه الكلمات عاد غوتريش وهاجم إسرائيل: "فالحملة العسكرية  الإسرائيلية قادت لقتل ودمار في قطاع غزة. أكثر من 32 ألفاً من القتلى، معظمهم نساء وأطفال. حياة دمرت، والشكوك تحوم حول احترام القانون الدولي. لا مبرر للعقاب الجماعي للشعب الفلسطيني". وأضاف غوتريش أنه "قلق من التقارير عن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة في تشخيص الأهداف، خصوصاً في المناطق المأهولة".

وأشار غوتريش إلى قتل طاقم المطبخ المركزي العالمي وقال: "المشكلة ليست من اقترف الخطأ، وإنما الاستراتيجيا العسكرية والإجراءات التي تسمح بحدوثه، مرة تلو مرة. إن تصحيح الأخطاء يقتضي تحقيقاً مستقلاً معمقاً وتغييرات جوهرية على الأرض. وبعد المأساة أبلغت حكومة إسرائيل الأمم المتحدة نيتها زيادة المعونات الإنسانية لغزة. وإما أن تتحول هذه النوايا إلى أفعال بسرعة، إن الوضع في غزة يائس. الأمر يتطلب تغييراً في القوالب. وأنا أدعو لوقف نار إنساني، وتحرير جميع المخطوفين، وحماية المدنيين وإيصال مساعدات إنسانية بلا قيود".

وتحدث المندوب الروسي قائلاً: من تقارير الأمم المتحدة يمكن الاستنتاج أن إسرائيل تنفذ إبادة جماعية. فمنذ بدء التصعيد في غزة، تبنى مجلس الأمن ثلاثة قرارات، جميعها تتعلق بتوفير المساعدات الإنسانية المناسبة. وإسرائيل لم تفِ بالتزاماتها هذه وعلى مجلس الأمن إقرار خطوات ضد إسرائيل في كل ما يتعلق بانتهاك معاهدة الأمم المتحدة، بما في ذلك فرض حظر على تصدير السلاح لها. وعلى أعضاء مجلس الأمن عدم التعاون مع إسرائيل التي تدير حرباً شعواء ضد الأونروا".

وكان الجيش الإسرائيلي جراء الحملة الدولية عى همجيته في الحرب على غزة قد سارع إلى نشر ما اعتبره نتائج تحقيق مقتل طاقم المطبخ المركزي العالمي في دير البلح. وحسب هذه النتائج فإن هناك سلسلة من الاخفاقات ومواضع الفشل، بدء من التشخيص الخاطئ وصولاً إلى إطلاق النار خلافاً لتعليمات، ما قاد إلى الإطاحة بضابطين وتوبيخ قيادات عسكرية بينها قائد الجبهة الجنوبية.

تجدر الإشارة إلى أن حدة الاتهامات الدولية ضد إسرائيل تعاظمت بعد أن بدأ الخلاف يظهر بين إدارة بايدن وحكومة نتنياهو, ومن مظاهر هذا الخلاف أن الإدارة الأميركية تدرس وجوب وسم البضائع المنتجة في "المستوطنات اليهودية" في الضفة الغربية وفق فايننشال تايمز. وحسب التقرير فإن هذه الخطوة وتوقيتها، تهدف لزيادة الضغط على إسرائيل على خلفية عنف اليهود ضد الفلسطينيين وعلى أرضية خيبة أمل أميركا من إدارة الحرب في غزة. وهذه الخطوة تناقض السياسة التي انتهجت في عهد الرئيس ترامب العام 2020 والتي ألزمت بوضع علامة "إنتاج إسرائيل" على البضائع النتجة في مستوطنات الضفة الغربية.

ومعروف أن المحكمة العليا في الاتحاد الأوروبي قررت في العام 2019 وجوب وسم البضائع المنتجة في "المستوطنات اليهودية" في الضفة الغربية بوسم أنها منتجة "في أرض محتلة" وليس أنها قادمة من إسرائيل. لذلك فإن احتمال وسم البضائع المصدرة إلى أميركا يعبر عن إحباط أميركي شديد من إسرائيل وسياستها في الضفة الغربية. وخلافاً لرأي إسرائيل يرى العالم أن المستوطنات في الضفة الغربية غير شرعية وعقبة أمام السلام.

 وكشف باراك رافيد في موقع والا أنه خلال محادثتهما أمس الأول، طلب الرئيس الأميركي من نتنياهو التوصل إلى "هدنة" في القتال في غزة للسماح باستئناف جهود المساعدات الإنسانية المجمدة، وقال نتنياهو لبايدن إن إسرائيل ستبدأ في تطبيق إجراءات جديدة في القطاع، لذلك ليست هناك حاجة لمثل هذه الهدنة، التي يجب أن تأتي في أي حال كجزء من صفقة لإطلاق سراح الرهائن

وعندما قدم الرئيس بايدن إنذاره لرئيس الوزراء نتنياهو خلال مكالمتهما الهاتفية يوم الخميس، أوضح ما سيحدث إذا لم تغير إسرائيل اتجاهها. وقال بايدن، بحسب ثلاثة مصادر مطلعة على فحوى المحادثة: "لن نتمكن من دعمكم بعد الآن".

 وقالت المصادر إن بايدن لم يحدد ما سيترتب على فقدان الدعم ولم يذكر صراحة إمكانية تأخير أو فرض شروط على شحنات الأسلحة إلى إسرائيل.

وعندما سئل بايدن يوم الجمعة عما إذا كان هدد نتنياهو بوقف المساعدات العسكرية، أجاب: "الإسرائيليون يفعلون ما طلبت منهم أن يفعلوه".

لكن هذه كانت أصعب محادثة بين بايدن ونتنياهو منذ 7 أكتوبر، سواء من حيث المحتوى أو اللهجة.  وكانت نتيجة المحادثة أن المجلس السياسي الأمني ​​وافق على الخطوات التي رفضت إسرائيل اتخاذها حتى اليوم.

و كان بعض كبار المسؤولين في إدارة بايدن على الخط خلال المكالمة التي استمرت 30 دقيقة – نائب الرئيس هاريس ووزير الخارجية لينكولن ومستشار الأمن القومي سوليفان.

 وبحسب المصادر، تحدث بايدن مع نتنياهو حول الهجوم الذي قُتل فيه سبعة من عمال المطبخ المركزي العالمي في وقت سابق من هذا الأسبوع، وأخبر نتنياهو أن الحادث يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.

والسبب في ذلك هو أن منظمة  WCK، التي تلعب دوراً مركزياً في توزيع الغذاء على مئات الآلاف من الفلسطينيين في قطاع غزة، جمدت أنشطتها - وهو الأمر الذي سيترك العديد من السكان بدون طعام.

وقالت المصادر أن بايدن أبلغ نتنياهو أنه في أعقاب هذا الحادث، هناك حاجة إلى "وقف" للقتال في غزة للسماح باستئناف جهود المساعدات الإنسانية المجمدة.

وقال نتنياهو لبايدن أن إسرائيل ستبدأ بتطبيق إجراءات جديدة في قطاع غزة وبالتالي ليست هناك حاجة لوقف إطلاق النار في القتال. وأضاف أن وقف إطلاق النار يجب أن يأتي في إطار اتفاق لإطلاق سراح الرهائن.

 وقال وزير الخارجية الأميركي لينكولن اليوم أن نتنياهو أوضح لبايدن أن إسرائيل ستجري تغييرات على إجراءات الجيش الإسرائيلي لضمان حماية عمال الإغاثة.

 وأشار مسؤول إسرائيلي كبير إلى أن نتنياهو ومستشاريه فوجئوا بطلب بايدن وقف إطلاق النار في القتال الذي لم يكن في سياق صفقة الرهائن.

 واتصل مستشارو نتنياهو بمسؤولين في البيت الأبيض بعد المحادثة وطلبوا توضيحاً. وأوضح البيت الأبيض في محادثات خاصة وعامة أن بايدن لا يزال يعتقد أنه يجب وقف إطلاق النار لمدة ستة أسابيع مقابل إطلاق سراح الرهائن.

 وأضاف: "موقفنا لا يزال كما هو: وقف إطلاق النار يجب أن يتم كجزء من صفقة الرهائن ويجب أن يحدث على الفور. ولهذا السبب قال الرئيس لرئيس الوزراء أنه يجب أن يمنح فريق التفاوض الإسرائيلي تفويضاً يسمح لهم بالتوصل إلى اتفاق دون تأخير"حسب مسؤول أميركي.

وفي مؤتمر صحفي اليوم، قال المتحدث باسم البيت الأبيض جون كيربي أن رسالة الرئيس بايدن إلى رئيس الوزراء نتنياهو بشأن هذه القضية كانت: "دعونا نحقق ذلك، سنتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وأن المختطفين سيعودون إلى ديارهم".

 وبحسب قوله، فإن الرئيس شجع نتنياهو على التحرك نحو إعطاء جواب إيجابي فيما يتعلق بصفقة المختطفين.

 وقال مسؤول إسرائيلي كبير أن قرار مجلس الوزراء بفتح معبر إيريز واستخدام ميناء أسدود لنقل المساعدات إلى قطاع غزة من المتوقع أن يحدث تغييراً كبيراً نحو الأفضل في الوضع الإنساني في غزة. وقال المسؤول الإسرائيلي "نعتقد أن هذا سيؤدي أيضاً إلى تهدئة الوضع بين الولايات المتحدة وإسرائيل".

ومن ناحية أخرى، قال مسؤولون أميركيون كبار أنهم يتابعون عن كثب الطريقة التي ستنفذ بها إسرائيل قرار مجلس الوزراء وكذلك الطريقة التي ستغير بها إجراءات الجيش الإسرائيلي لمنع إلحاق الضرر بعمال الإغاثة والمدنيين.

 وقال وزير الخارجية بلينكن في محادثة مع الصحفيين "سننظر في كل هذه الأمور في الأيام المقبلة. ليس فقط القرارات التي سيتم اتخاذها ولكن أيضا النتائج التي ستتبعها".

 

*كاتب صحفي من غزة