كتب حلمي موسى*
تبدأ اليوم في القاهرة مفاوضات لوقف النار وتبادل الأسرى تختلف، ربما، جذرياً عن كل المفاوضات السابقة لا لشيء إلا لتراكم اخفاقات الحرب من جهة وضجر العالم من استمرار هذه الحرب والضغط الأميركي على إسرائيل لإنهائها. ومن الجائز أن مقتلة موظفي الإغاثة من "المطبخ المركزي العالمي" بينت للعالم أجمع عموماً وللإدارة الأميركية خصوصاً أن مستوى الجريمة الإسرائيلية تخطى كل المعايير وبات من الواجب إيقافه. وهذا هو المعنى الحقيقي لصرخة الرئيس بايدن بوجوب إنهاء الحرب عبر وقف نار فوري يترك أثره على المفاوضات في القاهرة.
وهكذا يصل إلى القاهرة اليوم عدا الوفد الإسرائيلي، الوسيط ال قطر ي ومدير المخابرات المركزية الأميركية ووفد من حركة حماس إلى جانب الطاقم المصري. ومن الوجهة الظاهرية فإن المشهد اكتمل ونقاط الخلاف ومواقف الأطراف واضحة. ووفد حماس يعلن بوضوح أنه لن يقبل أي اتفاق لا يضمن عودة النازحين إلى الشمال ولا تبادل للأسرى لا يفرج عن أسرى وفق معايير معينة. وواضح أن العربدة الإسرائيلية التي ارتكزت إلى مفهوم الضغط العسكري لم تنتج حتى الآن الجدوى المتوقعة من الجانب الإسرائيلي وأن الظروف الإقليمية تتجه نحو تصعيد غير مسبوق. وهذا ما يدفع الأميركيين والكثير من القوى الإقليمية والدولية للضغط على إسرائيل للتراجع على أمل الحيولة ليس فقط دون استمرار الحرب على غزة وإنما أيضاً منع تدهور نحو حرب إقليمية.
وكان الرئيس الأميركي قد أصر على إسرائيل في محادثته مع نتنياهو على وجوب منح تفويض واسع لوفده المفاوض بالتوصل إلى اتفاق وقف النار. ومن جهة أخرى تضغط أميركا على الوسيطين المصري والقطري لممارسة ضغوط على حماس لتقبل حل وسط يقود إلى مثل هذا الاتفاق. وليس مستبعداً هذه المرة أن يتم التوصل إلى اتفاق حول هدنة الأسابيع الستة وتبادل الأسرى الإنساني ضمن نظرة تفكيك لنقاط الاختلاف وتحديد لجدول زمني لوقف نار دائم.
وواضح أن ما سيجري اليوم في القاهرة هو امتداد لمفاوضات مكثفة وضغوط دولية تمارس عى الجانبين طوال الأيام والأسابيع الماضية. فالاتصالات الأميركية الإسرائيلية مكثفة وجارية ونسمع عنها طوال الوقت في حين أن الاتصالات المصرية والقطرية مع حماس تجرى تحت ستار كبير من السرية ولا نسمع كثيراً عنها. ومع ذلك يؤكد مطلعون أنها تتواصل بحدة أحياناً وأن ضغوطاً كبيرة تمارس على حماس أحياناً إرضاء للجانب الأميركي الذي يعلن جهاراً مطالبته بذلك. وبين حين وآخر نجد انعكاس ما يجري من ضغوط في نبرة وسائل الإعلام التابعة للوسيطين. ولا يمكن إغفال خشية كثير من الأوساط الإقليمية والدولية من عواقب تأثير الحرب على الرأي العام العربي خصوصاً في الأردن وأثر ذلك على استقرار المنطقة بأسرها.
وقد حاولت إسرائيل الإيحاء بأن مفاوضات القاهرة قد لا تشمل وجوداً مباشراً لإسرائيل فيها وأن الوفد برئاسة رئيس الموساد ديفيد بارنيع قد لا يصل إلى هناك. ولكن هذا الإيحاء غالباً موجه لأغراض داخلية خصوصاً في ظل التوتر المتزايد بين حكومة نتنياهو والمتظاهرين المطالبين ليس فقط بوقف النار وإنما أيضاً بانتخابات جديدة. وقد ازداد المشهد تعقيداً بدعوة واشنطن زعيم المعارضة يائير لبيد إلى واشنطن لعقد سلسلة من لقاءات في ظل تمنع بايدن حتى الآن عن دعوة نتنياهو.
كما تحاول إسرائيل الادعاء بأن الضغط الأميركي على نتنياهو يخدم حركة حماس ويدفعها إلى تبني مواقف أكثر تشدداً من ذي قبل وأن هذا بدا واضحاً بعد مكالمة بايدن مع نتنياهو وبعد الموقف الأميركي في مجلس الأمن. وتقول إسرائيل في دعايتها أن تغير الموقف الأميركي دفع حماس للاعتقاد أن بوسعها تحقيق وقف للنار حتى من دون إبرام صفقة تبادل. وهذا ما تحاول إسرائيل منعه عبر ادعاء أنها "لا تريد المشاركة في مسرحية تفاوض" في القاهرة.
وتحاول حكومة نتنياهو التمييز بين الوسيطين المصري والقطرى وتحبذ المصري وتندد علناً بالوسيط القطري وتبدي غضباً عليه. وتقول أن نتنياهو تراجع في مسألة عودة النازحين إلى الشمال من دون أن تضغط قطر على حماس للتراجع في قضية الأسرى. ولا تقف عند هذا الحد بل تدعي أن عدم قبول حماس بالاشتراطات الإسرائيلية يعني أنه لا يهمها لا وضع الشعب الفلسطيني في القطاع ولا حتى تبادل الأسرى. وأنه والحال هذه لم تضغط قطر بالشكل المطلوب على حماس ولم تقم بطرد قيادة حماس من أراضيها أو تسوي حساباً معهم. وطبعاً في صلب الضغط الإسرائيلي على قطر جاء القرار الإسرائيلي بالتهديد بإغلاق مكاتب شبكة الجزيرة وقنواتها في إسرائيل.
ولكن إذا كانت الضغوط التي تمارس على حماس وحكومة نتنياهو سياسية فإن ما يمارس على حكومة نتنياهو داخلياً صار شعبياً. والتظاهرات تتزايد وتتوسع مطالبها ولم تعد محصورة بوقف النار وتبادل الإسرى. ومع ذلك فإن شيوع الاعتقاد بأن نتنياهو هو من يعرقل وقف النار وتبادل الأسرى صار عنصراً ضاغطاً في الحلبة الداخلية. وعائلات الأسرى تصدر بين الحين والآخر بيانات تبين أن نتنياهو وحكومته هم من يعيقون التبادل لأغراض حزبية.
وقد انضمت إلى حملة عائلات الأسرى الإسرائيليين، زوجة الطيار المفقود حتى الآن منذ العام 1982 رون أرد، تامي. وشاركت تامي أراد في تظاهرة تل أبيب الكبيرة ونشرت على حسابها على فيسبوك أنه "في التظاهرات من أجل المخطوفين أقف بين الناس وأرى عيني (رون أراد) تنظر لي من يافطات مع كتابات متبدلة تقول "لا تتركوهم وحدهم"، "لا نريد 134 رون أراد جديد". وخلصت إلى أن ما يمنع تبادل الأسرى وعودة من تبقى من الأحياء هو نتنياهو ولا أحد سواه.
*كاتب صحفي من غزة

