Menu

سابقة العقوبات الأميركية هل تتحقق؟

حلمي موسى

خاص - بوابة الهدف

 

كتب حلمي موسى*

 

أثار خبر دراسة أميركا فرض عقوبات على إحدى كتائب الجيش الإسرائيلي ضجة إعلامية وسياسية هائلة في إسرائيل. وكالعادة وبسبب تاريخ العلاقات الإسرائيلية الأميركية كان الموقف في الجانب العربي مستخفاً حيناً ومشككاً حيناً آخر. وليس مستبعداً أن تتراجع وزارة الخارجية الأميركية في اللحظة الأخيرة عن نيتها اتخاذ قرار بهذا الشأن ليس في صالح إسرائيل. ومع ذلك فإن مجرد إثارة الموضوع أمر يستحق الوقوف عنده وإبداء الاهتمام به وربما الضغط في سبيل اتخاذ القرار بشأنه. فأميركا، ورغم التزاوج والاندماج الكبيرين اللذين نلمسهما في المواقف والعلاقات بينهما إلا أنهما وحدتان مختلفتان تتوافقان وتتناقضان. ومن الجائز أن عنجهية إسرائيل وقادتها واصطدامها أحياناً بمصالح أميركية واضحة دفعت مراراً إلى الواجهة خلافات كانت مستترة.

والجميع يتذكر الموقف الأميركي في العام 1956 وإعادة تقييم العلاقات في عهد فورد والخلاف حول طائرات أواكس للسعودية وقرار مجلس الأمن في أواخر عهد أوباما رئيساً. وكل ذلك يدفع للاعتقاد أنه عندما تتصادم المصالح يظهر الافتراق. وواضح أن تعمد قوة من كتيبة "نيتسح يهودا" التنكيل بفلسطيني في الثمانين من عمره، صدف أنه أيضاً يحمل لجنسية الأمريكية، ما أدى إلى وفاته أضاء اكثير من المصابيح الحمراء في واشنطن. وليس مستبعداً أنه في ظل الأجواء السائدة حالياً وجد البعض في الخارجية الأميركية وسيلة ما لرد على بعض الإهانات الإسرائيلية لأكثر الإدارات الأميركية تعاطفاً مع إسرائيل.

ومهما يكن، يبدو الأمر أكثر جدية مما خيل إلينا وهذا ما يتبدى على الأقل من ردود الفعل الإسرائيلية. وتبذل حلياً جهود إسرائيلية مكثفة وعلى أعلى المستويات لثني الإدارة الأميركية عن عزمها فرض عقوبات على وحدة نيتسح يهودا.  وبحسب "يديعوت" تأمل إسرائيل أن الخطوة لا تزال قابلة للتراجع قبل الإعلان الرسمي المتوقع في الأيام المقبلة وتعتقد أن بوسعها إقناع واشنطن بتجميد الخطوة. وينبع الخوف في إسرائيل من ما يسمونه تأثير الدومينو الذي سينجم عن القرار غير المسبوق الذي قد تتخذه الولايات المتحدة بفرض عقوبات على وحدة عسكرية في الجيش الإسرائيلي.  ويعود القلق الأساسي إلى الخشية من أن تحذو دول ومنظمات دولية أخرى حذو واشنطن، تماماً كما حدث بعد فرض العقوبات على المستوطنين العنيفين، وفي الحالة السابقة كانت الولايات المتحدة هي الرائدة، تليها سلسلة من الدول الأخرى والاتحاد الأوروبي .

 الزمن المقرر أن يجري وزير الحرب يوآف غالانت عدة محادثات مع مسؤولين أميركيين حول هذه القضية.  كما من المتوقع أيضاً أن يتم إجراء نقاش في الأيام المقبلة بمشاركة غالانت ورئيس الأركان. وأمس تحدث رئيس معسكر الدولة الوزير بيني غانتس، مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن وفي تصريحاته، حيث حذر غانتس بلينكن من أن القرار الواضح بشأن فرض عقوبات على كتيبة نيتسح يهودا هو خطأ مزدوج: سيضر بشرعية إسرائيل في وقت الحرب، وليس له أي مبرر لأن إسرائيل لديها نظام قضائي قوي ومستقل. وجميع وحدات جيش الدفاع الإسرائيلي تخضع لأوامر جيش الدفاع الإسرائيلي المتوافقة مع القانون الدولي. وطلب غانتس من بلينكن إعادة النظر في الموضوع.

 وقال زعيم المعارضة يائير لابيد أن العقوبات الأميركية على كتيبة نيتسح يهودا خطأ ويجب أن نعمل على إلغائها. وأن مصدر المشكلة ليس على المستوى العسكري بل على المستوى السياسي. وأن العالم يفهم ويعرف ذلك الوزير بن جفير لا يريد أن تقوم الشرطة بفرض القانون في إسرائيل والوزير سموتريتش لا يعارض الإرهاب اليهودي وأعمال الشغب التي يقوم بها المستوطنون المتطرفون، والنتيجة هي ضرر جسيم لمكانة إسرائيل كدولة قانون وتآكل خطير آخر لوضعنا الدولي.

ولكن نتنياهو قد أعلن أنه فيما يتعلق باحتمال فرض عقوبات على نيتسح يهودا، قائلاً: "مثلما أن جنودنا متحدون لحمايتنا في ساحة المعركة، فإننا متحدون لحمايتهم في الميدان السياسي"، وأعلن: "سأدافع بشراسة عن جيش الدفاع الإسرائيلي، جيشنا ومقاتلينا. إذا اعتقد أحد أن بإمكانه فرض عقوبات على وحدة من جيش الدفاع الإسرائيلي، فسوف أحاربه بكل قوتي".

وأضاف نتنياهو في نوع من الهجوم على أميركا: "في ذروة السخافة والقيم المتدنية، يُمنع فرض عقوبات على الجيش الإسرائيلي. في الأسابيع الأخيرة، كنت أعمل ضد فرض عقوبات على المواطنين الإسرائيليين، بما في ذلك في محادثاتي مع كبار المسؤولين الأميركيين، في الوقت الذي يحارب فيه جنودنا وحوش الإرهاب، فإن النية هي فرض عقوبات على وحدة من جيش الدفاع الإسرائيلي. هذه قمة السخافة والتدني الأخلاقي. والحكومة برئاستي ستتحرك بكل الوسائل ضد هذه التحركات".

وطبعا لا بد لبن جفير أن لا يتأخر عن ركب المنددين باحتمال فرض عقوبات على كتيبة نيتسح يهودا. وقد أعلن أن "التقرير الذي يفيد بأن الولايات المتحدة تعتزم فرض عقوبات على كتيبة نيتسح يهودا خطير للغاية ويشكل تجاوزاً للخط الأحمر. وأتوقع من وزير الدفاع غالانت عدم الاستسلام للإملاءات الأميركية، ويجب دعمها بالكامل". وأضاف أنه "إذا لم يكن هناك أحد في وزارة الدفاع لدعم الكتيبة كما هو مطلوب، فسأطلب استيعابهم. في الشرطة الإسرائيلية ووزارة الأمن القومي. خطوط حرس الحدود مفتوحة لاستقبال هذه الكتيبة المهمة".

ولكن زعيمة حزب العمل، ميراف ميخائيلي خالفت الاتجاه السائد وأعلنت أن كتيبة نيتسح يهودا هي كتيبة زعران التلال التي تقتل الفلسطينيين بلا سبب. وكتبت على حسابها على X أن " الرد على العقوبات يجب أن يكون بمثابة قطر ة رمزية، وفهم أن سلوك إسرائيل في المناطق لن يكون قادراً على الاستمرار فالسلوك العنيف والفاسد لكتيبة نيتسح يهودا معروف منذ سنوات، ولم يتم فعل أي شيء لوقفه. ولا يعرفه إلا من يرى في الدين ذريعة لمهاجمة العرب". وأضافت في حسابها على "X": "منذ عامين، أنشأت الولايات المتحدة فريق تحقيق في سلوكيات الكتيبة، ولا يمكن للمستويات السياسية والعسكرية أن تفعل ذلك". وتابعت: "تظاهروا بأنهم لم يعرفوا ذلك". وطالبت بتفكيك هذه الكتيبة "التي تركت فلسطينياً أميركياً يبلغ من العمر 80 عاماً يموت في الميدان، وهي تقتل الفلسطينيين دون سبب حقيقي، وتضرب المعتقلين الفلسطينيين وتسيء إليهم".

وعلق الجيش الإسرائيلي رسمياً على نية واشنطن تجاه كتيبة نيتسح يهودا فقال أن "مقاتلي هذه الكتيبة يشاركون حالياً في الحرب في غزة بشجاعة ومهنية ويحافظون على قيم الجيش الإسرائيلي ومبادئ القانون الدولي".  وأضاف أنه وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أصبح مقاتلو الكتيبة في قلب الأنشطة العملياتية على مدار الساعة، من أجل الحفاظ على أمن مواطني دولة إسرائيل، إلى جانب كونها كتيبة رائدة في دمج المقاتلين المتدينين في إسرائيل داخل الجيش الإسرائيلي." 

 وستكون هذه هي المرة الأولى على الإطلاق التي تفرض فيها حكومة الولايات المتحدة عقوبات على وحدة عسكرية إسرائيلية بسبب أنشطتها في الضفة الغربية. واعتبر المعلق متان غوتمان في "يديعوت" أن فرض عقوبات من جانب أميركا على كتيبة نيتسح يهودا، إذا ما حدث، ستكون له عواقب قاسية وبعيدة المدى. واعتبر أن خطوة كهذه تتجاوز في معناها العلاقة مع البيت الأبيض وقد تقود إلى فرض عقوبات دولية، سياسية وشخصية، من جانب دو ومنظمات دولية، على كل جهة لها ارتباط بنشاطات إسرائيل في المناطق المحتلة، ابتداءً من المستوى السياسي وصولاً للضباط والجنود وانتهاءً بالمستوطنين المقيمين هناك في المستوطنات.

 

*كاتب صحفي من غزة