Menu

عن سؤال الجدوى في زمن التطبيع مع الإبادة

عاصم قزاز

العربي الجديد

في الأسبوع الثالث من حرب الإبادة، رمى أحد الأصدقاء تعليقًا غاضبًا وساخرًا في الوقت نفسه: هل تعتقد بأن "حماس" لن تنتصر؟ "حماس" تنتصر دائمًا حتى لو أُبيدت غزة كاملةً.

اليوم، أمعن في تذكّر هذا التعليق، وغيره من الأحاديث بأثر رجعي، ويتّضح كم كانت فكرة إبادة غزة في ذلك الوقت بعيدة تمامًا عن الواقع الذي انتهت إليه الحرب، لكنها في الوقت نفسه، انعكاس وتأكيد لمدى حضور فكرة الإبادة، بمفهومها الكامل والحي، في وجدان الفلسطيني بالقطاع، بل أبعد من ذلك ربّما، فالإبادة راسخة في العقل الباطني للغزّي، أي يتوقّع حدوثها عند كل فعل مقاوم كبير ضد إسرائيل. وما رسّخها في الوعي الجمعي للفلسطينيين في غزة، تهديدات إسرائيل المستمرة بمسح القطاع ورميه في البحر كلما انتفض أهله واشتعلت المقاومة، بعد فشل الفعل الإبادي الأول لإسرائيل، أي النكبة.

لكن في هذه الحرب تحديدًا، بدا الأمر أكثر وضوحًا. إذ منذ الأسبوع الثالث لبدء العدوان، أجمع، بشكل مثير للرعب والدهشة، كل الفلسطينيين داخل غزة على أن ما يحدث الآن هو حرب الإبادة التي هدّدتنا بها إسرائيل منذ قيامها. بإمكاننا، ربما، مراجعة من أين خرجت التسمية، لنجد أن أول من صرخ بها جماعيًا كان مئات الغزّيين وقتها، بعد رؤيتهم الأهوال التي صنعتها حملة القصف الوحشية التي قتلت في أقصى حدّتها أكثر من ألفي شخص في يوم واحد، مما جعل النقاشات العلمية والتقنية خارج غزة عن إذا ما كان يصلح أن نسمي هذه المقتلة بالإبادة أو لا نقاشات فارغة من مضمونها. كل من تحت النار كان يعلم يقينًا نوايا إسرائيل.

وحتى مع تصاعد هول الأحداث بقي سؤال النصر والهزيمة حاضرًا. فانشغال هذا الصديق بالتساؤل ما إذا كانت "حماس" والفصائل الفلسطينية ستعلن النصر أم لا في النهاية، تساؤل رافق كل لحظة من حرب الإبادة، حتى اختنق المتحاورون وغرق المتسائلون ببحر الدماء المستمر، وبدأت تظهر عبثيته مع الذل المستمر الذي أذلّتنا إسرائيل به يوميًا، طيلة 471 يومًا. أذلّتنا في كل لحظة كنا نرى فيها جثث أطفالنا تتراكم في شاحنات، بينما نسمع صوت القصف الذي يستهدف من تبقى منهم أحياء، في أيام انحطاط وهوان لم تعرفها القضية الفلسطينية ولا البشرية عمومًا، بل وقف العالم يتفرج على انهيار كل المبادئ والقيم الإنسانية.

ما حصل طيلة السنة الماضية كان شرخًا في الزمان وفي تاريخ البشرية ما بعد الحرب العالمية الثانية. ببساطة، احترقت كل التوافقات البشرية، وكل مبادئ عمل المؤسسات الدولية التي صيغت بعد أهوال وفظائع النصف الأول من القرن العشرين. كل يوم من أيام العجز العربي والإنساني لوقف شلال الدم، كان يومًا مجبولًا بالذل والهزيمة.
لقد اخترقت الوحشية عظامنا نحن المتفرجين، وفتّت عظام مئات الآلاف تحت الركام، هل نجرؤ أن نحسب عدد من مات منهم خنقًا بعد استهداف آليات الدفاع المدني ونشل الأنقاض؟ نحن أصبحنا كمعظم الفلسطينيين والعرب اليوم، لا نستطيع النظر إلى الصور العائلية، عندما تفاجئني أثناء تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، إلا بخوفٍ وتوجّسٍ من أن يتبعها خبرٌ عن استشهاد عائلة بأكملها، بعد استهدافها من جيش القتلة والمجرمين.
 

خلال سنة الإبادة والرعب الماضية، تحوّلت كل الصور العائلية في مخيلتنا إلى خبر عاجل، أو إلى توثيق لذلٍّ وهزائم لا تعدّ ولا تُحصى. قبل أيام فقط من إعلان وقف إطلاق النار، انتشر مقطع لأبٍ يحمل جثمان طفله الشهيد (كان يبدو نائمًا) يبكي ويقول: "والله بتعز عليّ يا حبيبي". صورة من آلاف الصور، لأشلاء أطفال بملابسهم المدرسية في باحات المستشفيات، وجثث مقطّعة لأطفال آخرين نيام داخل خيامهم، وأخرى لأجساد صغيرة محروقة.

لكن في اللحظة التي أُعلن فيها عن توقف شلال الدم، خرج آلاف الفلسطينيين في غزة للاحتفال معلنين انتصارًا بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ في 19 يناير/كانون الثاني 2025، إعلانًا صريحًا لهؤلاء البشر بأن إنسانيتهم وآدميتهم، المتمثلة بهويتهم، ودينهم، وعلمهم وحزبهم، قد صمدت ونجت، مؤقتًا على الأقل، من الجولة الأولى للمسح والإبادة. هذا الفرح الذي يضع الإبادة أيضًا في مكانها الحقيقي كجرح قاطع في مسار التاريخ البشري والإنساني. ما قبله يستحيل أن يشبه ما بعده، ففي الوقت الذي يصرخ فيه الفلسطينيون في غزة انتصارًا لإنسانيتهم، نعيش نحن هزيمتنا. تلك الهزيمة التي بنيناها في اللحظة التي تسامحنا فيها مع عجزنا أمام هذه الإبادة على مدى عام ونصف العام. هذا التسامح مع جثث أطفالنا ونسائنا ورجالنا، هو هزيمة للحركة الوطنية الفلسطينية ولكل القيم الإنسانية في العالم، تلزمنا أن نجعل ردّنا على الأقل هو تحويل ما تبقى من حياتنا، لتتمحور حول حماية من نجا من شعبنا من إمكانية استمرار هذه المقتلة ومن واقع للمهانة والذل والهزيمة الكبرى التي حلّت بالبشرية كلها عام 2024 مُبطلة معنى كل القوانين الدولية والإنسانية والمعاهدات الدولية التي توّجت هذه الهزيمة بوصول تحالف ترامب/نتنياهو والنازيين لحكم الكوكب بعد مائة عام من التكرار الببغائي لعبارات من نوع "العالم لن يقبل بفاشية مرة أخرى".

لقد بلغ التوحش الرأسمالي في هذه الحرب ذروته، ليس بتحويل القتلة إلى آلات ووحوش فقط، بل بالاستخدام المباشر للآلة في تحديد الهدف وخطورته، واتخاذ قرار بإعدام مئات من العُزّل والأطفال على اعتبارهم حسابيًا وإحصائيًا أضرارًا جانبية مقبولة. لقد أصبحنا أمام طور متوحش من الرأسمالية، الذي اتخذ من حرب الإبادة على غزة مناسبة ليعلن إلغاء الأعراف الدولية التي بُنيت عليها السياسة في القرن العشرين ومن غير الممكن أن يكون ردّنا على هذا الحدث الجلل نقاشًا منقوصًا عن النصر والهزيمة لا يرتقي لهول الكارثة، بدلًا من أن يضعنا، نحن، أولًا كفلسطينيين خارج غزة، ثمّ كعرب، ثمّ كبشر أمام استحقاقنا العاجل بضرورة إيجاد رد أيديولوجي واضح ضد أيديولوجيا الوحشية والهمجية والموت يكون رافعة للفعل الحقيقي الذي يشخّص الكارثة تشخيصًا سليمًا، ويعمل من أجل حماية القيم البشرية والإنسانية.

إن سؤال الجدوى يتلاشى ويصبح لا معنى له أمام قطعية الموت وأمام من يحمل جسد من يعزّ عليه وهو مسجّى، لكنه سؤال مركزي اليوم أمام كل الفلسطينيين وأمام كل من استشرف وحشية ما هو قادم وآتٍ. إن الاستمرار هنا ليس خيارًا يمكن رفضه، فقد وضعت قوى الإبادة تصورها للعالم الجديد، وأوقفت غزة تدحرج آلة الموت مؤقتًا، وأصبح صمود الغزّي ونجاحه بالبقاء أمام الموجة الأولى من الإبادة نقطة فاصلة لنا نحن كبشر لكي نعيد تنظيم صفوفنا ونخرج من هزيمتنا ونمنع انتصار المشروع الإمبراطوري الذي يريد أن يجعل من غزة المثال للعلاقات بين الإمبراطورية ومن يقول لا لها في هذا العالم. الحرب في غزة بدأت اليوم واستمرارنا في إسنادها هو ضمانتنا الوحيدة لإيقاف عالم يُراد لنا فيه أن نطبّع كل يوم مع مشهد الآباء وهم يحملون أبناءهم إلى قبورهم.