Menu

عواصف الشرق الأوسط وتأثيرها على القضية الفلسطينية سورية مثال

د. محمد عياش

قبل أن يحرق محمد بوعزيزي نفسه في تونس، وقبل اندلاع ما يسمى «الربيع العربي» صرّحت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون تصريحا ً يجيب عن المرحلة الراهنة في تاريخ الأمة العربية، والذي يفك طلاسم المعضلة التي أدخلتنا فيها الإستراتيجية الصهيو – أمريكية، وهي تتحكم بزمانها ومكانها في جميع حيثياتها وتفصيلاتها.. حيث تقول كلينتون: "هناك عواصف ستضرب الشرق الأوسط، وهذا لا يكون في مصلحتنا فحسب، بل ضمن إستراتيجيتنا"! لا أعتقد بعد هذا القول أن نخوض في النقاش جدلا ً وعقما ً في زناد الفكر، ولا مجال أبدا ً للتنقيب في بطون الكتب ومضانها في الأحداث التي تجري سابقاً وحالياً .

’’إسرائيل” هي كيان استعماريّ إحلاليّ هيولي، القتل والتدمير والفاشيّة والعنصريّة.. هي مركبات وجوديّة/ أنطولوجيّة في أصل تكوينها.

ذروة العاصفة تمثلت التغيير الدراماتيكي في سورية، بعد أن كان من التابوهات المستحيلة، وذلك باعتراف وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس حين قال في بداية الثورة الشعبية 2011 رداً على الشعار الذي رفعه المتظاهرون، إسقاط النظام، "سورية ليست تونس و مصر أو ليبيا واليمن"، مشيراً للدعم المطلق من روسيا، التي دخلت عام 2015 بكل قوتها ومنعت الانهيار للجيش العربي السوري، وبالتالي قادت العملية العسكرية والسياسية بكل تفاصيلها وحيثياتها .

في صباح الثامن من شهر ديسمبر/ كانون الأول، تم الإعلان عن دخول المعارضة العسكرية السورية إلى وسط العاصمة دمشق وأسُدل الستار عن حقبة عمرها أربعة وخمسون عاماً من حكم عائلة الأسد التي استأثرت بالحكم وعضت عليه بالنواجذ، ورفضت كل المحاولات الدولية المساس بكرسي الرئاسة، وضياع الوقت وتبديده بمؤتمرات وقرارات تدعو لوحدة وسلامة الأراضي السورية، والتوصل إلى حلول ترضي الأطراف جميعاً .

كما قلنا الحقبة انتهت والعيون ترنو إلى مستقبل سورية، وما هو الدور الذي تلعبه في وسط تعقيدات متشابكة ونداءات عربية وغربية ضمن شروط تهيئ للاعتراف والشرعية، ناهيك عن التأثيرات والانعكاسات. بدورنا سنسلط الضوء أكثر لجهة فهم ودراسة ونتائج العملية على القضية الفلسطينية بالمقام الأول، وعلى السلم والأمن الدوليين، بالإضافة، موقف الاحتلال الصهيوني.

دمشق كانت ضمن ما يسمى محور المقاومة الذي تقوده الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبدعم روسيا والصين، وبالتالي فإن موضوع تموضع سورية الحالي حساس ودقيق، لأن القيادة الحالية مغموزة بأصلها وانتمائها، وعملية الاعتراف والقبول تجري ضمن آليات ومقاسات غربية، حقوق المرأة، حماية الأقليات، ضمان توزيع المساعدات بالتساوي، والتعهد بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ).

ستحاول الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية، التقرب من القيادة الحالية، التي بدورها ستثبت لهؤلاء على أنها الضامن والمخلّص للشعب السوري الذي عاش أكثر من نصف قرن بأيديولوجيات منحولة وغارقة بأفكار تعود للفرد الرمز الذي نجح في استخدام هذه السياسة، أو العمل على إقناع الشعب بأنه يسير وفق رغباتهم وأمنياتهم بالاستقلال والسيادة والدفاع عن العادات والتقاليد.

المطلوب من القيادة الجديدة أن تكون أكثر براغماتية، وأن تستجيب في المرحلة الحالية لرغبات المواطن الذي انكوى بنار الشعارات التي أفقدته ميزة الصبر، وعلى العالم مساعدة العهد الجديد، وهنا تأتي التفاصيل التي ستكون ممراً ( دفرسوار ) التدخل واحتكار القرار السياسي، ووضع الشروط، ومدى التجاوب والسير خطوة مقابل خطوة.. إلخ .

سلامة الأراضي العربية، واستقرار سيادتها، واستقلال قراراتها النابعة من الشعب وإلى الشعب، وضعٌ يفيد على المديين القريب والبعيد القضية الفلسطينية، التي تعتبر الدول العربية عمقها العربي والإسلامي، وبالتالي فإن أي اختلال أو فقدان بعض الدول العربية لاستقلالها واستقرارها وسلامة أراضيها يضر كثيراً بالقضية الفلسطينية، بينما تريد إسرائيل أن تقضي على الروح الوطنية لدى الشعوب العربية، عبر التطبيع الإذلالي، أو عبر العمليات العسكرية التي نشهدها ونراها كل يوم ابتداءً من غزة والضفة ومروراً بجنوب لبنان وليس انتهاءً باليمن! .

في بداية القرن الواحد والعشرين، أغرّت الولايات المتحدة الأمريكية بعض الدول العربية بامتيازات ومكافآت، لقاء تبني سياسة النأي بالنفس، كأولية الدولة أولاً، ولاقت هذه الفكرة ترحيبا ًمن بعض الدول العربية، ولكنها للأسف لم تقطع علاقتها بالكيان الصهيوني الذي إلى الآن يقيم علاقات معها والسفير لا يزال يزاول عمله في بعض العواصم العربية، بينما المفارقة العجيبة تكمن أن دولاً أجنبية قطعت علاقاتها بالكيان نتيجة الإجرام والمجازر التي تصل إلى درجة الإبادة الجماعية بحق شعبنا العربي الفلسطيني !

تتأثر القضية الفلسطينية، من عملية التطبيع مع دولة الاحتلال التي تحاول إقناع العالم بأحقيتها بالوجود، وتكرس لذلك المليارات وتستنفر الإعلام بكل فروعه، تجد بالتطبيع العربي متنفسا ً وملاذاً مريحاً يختصر المعاناة الصهيونية، وتستشهد برغبة العرب بالسلام ومشاركتها بكافة أشكال العلاقات الاقتصادية والسياسية، بينما تمارس دولة الكيان الصهيوني أبشع الجرائم والمجازر، ومحاولة طمس الهوية الفلسطينية، واتهام الفلسطينيين بالعنف والإرهاب .

إسرائيل تريد التخلص من محور المقاومة، وبالتالي عليها أن تقدم للمستوطن الصهيوني، إنجازات لإقناعه بالبقاء، بعد أن فقد الأمن والأمان في هذا المحيط الأيديولوجي القاتل حسب زعم رئيس الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو! ونتنياهو الذي وقف وسط المحكمة التي استجوبته في قضايا الفساد وما شابه، وقف منتشياً مبتسما ًعلى أعقاب أحداث سورية ولبنان وقبلها غزة التي دمرت بالكامل تقريبا ً، محاولاً التوسل عند هؤلاء القضاة أن يتجاوزوا عن أخطائه وأعماله الفاسدة مكافأة.

حقيقة ما يجري في سورية، هو إبعاد سورية عن دائرة الخطر التي يشعر بها الكيان الصهيوني، وهجومه الوحشي على البنية العسكرية السورية حقيقة لا تحتاج إلى دليل، وبالتالي فإن إسرائيل استشعرت الخطر الأكبر وأدركت أن سورية صلة الوصل ما بين إيران وحزب الله وعليها التحرك بأسرع وقت ممكن فكانت تصريحات نتنياهو قبل سقوط نظام الأسد واضحة .

أما فيما يخص صمتها ورضاها على القيادة السورية الجديدة، هو صمت مؤقت وتكتيكي، لأن سورية على الأقل لم تعد تهدد الكيان لعدة سنوات لانشغالها بترميم البيت السوري من كل النواحي الاقتصادية والقانونية والدستورية، وتوجيه بوصلتها نحو إيران التي بدأت التصريحات التي تعطي مؤشرات عن النيات المبيتة تجاهها مستفيدة من حالة العداء الذي يوغر في صدر الرئيس الأمريكي القادم ترامب .

ستعاني المنطقة كثيرا ً من عدم الاستقرار، وأكثر المتضررين هم الفلسطينيون بوضع قضيتهم على المحك الدولي، لا سيما مع تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاليد الحكم في العشرين من يناير/ كانون الثاني العام القادم، وتهديده للمقاومة في غزة بالجحيم إذا لم يخرج جميع الأسرى، في صورة وقحة فظة، تحاكي الصلف ومنطق رجل الكابوي والأدغال..!

تشير علوم الخوارزميات أن القضية الفلسطينية تكسب ولكن ببطء لأنها تستند إلى الضمير والوجدان الدولي، بينما إسرائيل وحسب زعم نتنياهو أن العالم يتعاطف مع الضعيف لبعض الوقت ولكن سيظل واقفا ً مع القوي إلى الأبد. انحسار جبهات المقاومة والتغيير الذي طرأ بكيفية وقراءة ما سيتبقى لها في الميادين قضية خطيرة، لا سيما وأن قرارات المحكمة الجنائية الدولية أصدرت قرارات باعتقال بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالانت.

وعود نتنياهو بتغيير معالم الشرق الأوسط، والإشراف على ترسيمه وفق رؤية صهيونية، تعيدنا إلى الأطماع الصهيونية وشعاراتها وأبرزها وأهمها، حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل. بينما وزير المالية بتسلائيل سموترتيش له قولٌ مخالف إذ يرى أن هناك إمكانية لضم الأردن وأجزاء كبيرة من مصر ولبنان وسورية.. ووقوفه خلف نتنياهو ومنعه من تقديم أي تنازلات مهما كانت للفلسطينيين وتهديده بالانسحاب من الائتلاف في حال التفكير بذلك .

مستقبل القضية الفلسطينية يتوقف على إنهاء الانقسام الفلسطيني بالمقام الأول وسحب الذريعة من الكيان الصهيوني وداعميه الذين يتهمون الفلسطينيين بأنهم شعب بربري غير حضاري، وظهر ذلك من خلال ردة فعل نتنياهو غداة الهجوم يوم السابع من أكتوبر تشرين الأول العام الماضي وقوله إن إسرائيل الحضارية تواجه البربرية الفلسطينية! وثانياً على مدى قناعة المنطقة برمتها بخطورة الكيان الصهيوني وتموضعه الخطير في قلب الوطن العربي، وعن المقاومة لا خوف عليها فهي ماضية بفضل العقول الجديدة وتصميم الشباب الفلسطيني التخلص من ربقة الاحتلال الصهيوني مهما بلغ من صلفٍ وتغطرسٍ .

القضية الفلسطينية ومفاعيلها تمر بأخطر مرحلة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، حيث قسمت العالم إلى قسمين، الأول مؤمن بعدالتها لكنه متردد وغير قادر على مواجهة الإمبريالية الغربية، والآخر يدعم الكيان الصهيوني دعماً مطلقاً لحماية مصالحه، ورئيس الوزراء الصهيوني الأسبق ايهود باراك أكد على قول هيلاري كيلنتون: "على إسرائيل الاستعداد للاستفادة من عواصف الشرق الأوسط ".