من مقدمات الوجع السوري
استيقظت سورية ومواطنوها فجر الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ووجدوا في اللحظات الأولى صعوبةً في التصديق لما وقع من تطور كبير جداً مع رحيل النظام السابق، وقد باتت الأمور كأحلام يقظة. فسورية العراقة والتاريخ، كانت في الأيام الأخيرة مع خواتيم العام 2024 أمام حدثين كبيرين: أولهما السقوط المدوي الهائل للنظام السياسي المنهار في البلد. وثانيهما وصول طرف قوي وأساسي ذي صبغة إسلامية سمحاء، تُشير المعطيات بأنه تيار وسطي ومعتدل ومتسامح إلى موقع القرار، فلم ترق حتى الآن قطر ة دمٍ واحدة.
ما جرى ليلة السقوط للنظام السابق بدمشق، قد يكون كان مُنتظراً، عند غالبية كل ذي بصرٍ وبصيرة، لكنه تأخر عن موعده في عام 2014 نتيجة عمليات إسعافية منحته سنوات إضافية، بدعمٍ خارجي، وروسي بالدرجة الأولى لأسبابٍ لسنا بصددها الآن.
لذلك كان انهيار النظام متوقعاً لاعتبارات في دولة هَرِمت وتآكلت قدرات مؤسساتها وأصبح الفساد فيها أيديولوجيا ومنافع، ومُشرعاً بشكلٍ أو بآخر، والشعب يتضور في حياته من كافة جوانبها خاصة المعيشية، طوال سنوات الأزمة الطاحنة التي عصفت بالبلاد والعباد، وحالة التهجير والنزوح الداخلي والخارجي لأكثر من نصف السكان، الذين توزعوا على قوس المعمورة.
إن مجموعة من المطبات ساهمت بالانهيار الدراماتيكي للنظام ككرة البلياردو، وهي مطبات صنعها بيديه معتقداً بأن لعبة وتكتيكات (الفهلوة) قد تَمُرُّ كالعادة، وكان منها على سبيل المثال أن تركيا التي وضعها النظام المنهار على أجندته باستمرار، اختلف معها معتقداً أنه قادر على المواجهة عن زمن ما سبق في العهد الماضي. ففي واحدة من الأزمات بين البلدين سابقاً في عام 1989 عندما ضاق ذرع أنقرة من رعاية رئيس النظام السابق لعبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني الانفصالي، طلبت أنقرة من سورية إيقاف نشاطاته وتسليمه، وحشدت قواتها عند معبر باب الهوى الحدودي. فانحنى الأب للأزمة وقرر إبعاد أوجلان إلى حيث اعتقل في نيروبي.
"إسرائيل" على الخط
لقد انتهزت حكومة نتنياهو فرصة التطورات العاصفة التي وقعت في سورية، لتكشر عن أنيابها أكثر فأكثر، ولترتفع عقيرة وأصوات التطرف على لسان نتنياهو وعتاة اليمين فوق الفاشي، بالدعوة والدفع باتجاه مصادقة الحكومة على خطة لزيادة أعداد المُستعمرين اليهود في الجولان السوري المحتل، بميزانية عالية نسبياً، تشمل مشاريع بنى تحتية وبرامج استيعاب المُستعمرين الجدد وعوائلهم، وسط تصعيد "إسرائيلي" عسكري يومي ومتواصل ضد سورية، وتمت المصادقة على مشروع توسيع التهويد في الجولان يوم الأحد 15 كانون الأول/ديسمبر 2024.
ويتزامن القرار "الإسرائيلي" بشأن توسيع التهويد في الجولان السوري المحتل، الذي صادقت عليه الحكومة "الإسرائيلية" بالإجماع، مع تصعيد "إسرائيل" هجماتها العدوانية على مختلف المواقع على مساحة سورية، وامتداد الجغرافيا السورية، من أقصاها إلى أقصاها.
إنَّ نتنياهو، هكذا، وبكل صلافة وغرور، وفاشية منقطعة النظير، ورغم ملاحقته من قبل محكمة الجنايات الدولية في (لاهاي) ومعه وزير حربه السابق (الجنرال يواف غالانت) كما هو مُفترض، يَعتَبِر أن تهويد الجولان وتوسيعه يأتي في سياق ما أسماه "تعزيز لدولة إسرائيل"، مُضيفاً بأنه "أمر بالغ الأهمية في الوقت الراهن". وأن "إسرائيل": "ستواصل التمسك به، وتطويره". وتابع قوله: "أقول لأجيال المستوطنين الذين تشبثوا اليوم بالجولان إنهم جميعاً يدركون أهمية وجودنا هناك. السيطرة على هذه المنطقة تضمن أمننا".
أما اللواء احتياط (يعقوب عميدرور) في جيش الاحتلال، فقال لصحيفة (معاريف) بعددها الصادر يوم الأحد 15 كانون الأول/ديسمبر 2024: "سيكون من الضروري الاستعداد للدفاع عن هضبة الجولان واستخلاص العِبر من هجوم المعارضة على سورية في عهد الأسد، وتطبيق هذه العِبر على خطوط التماس الإسرائيلية. وتشبه هذه الدروس، إلى حد كبير، الدروس المستقاة من هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر 2023. ولهذا السبب، فإن الجيش الإسرائيلي يقوم بتدمير شامل للوسائل القتالية التي تشكّل تهديداً، والتي كانت في حوزة الجيش السوري، كي لا تقع في أيدي النظام الجديد، الذي لن تكون عداوته لإسرائيل مفاجأة لأحد". أما "المؤرخ الإسرائيلي" (آفي شيلون) فقال لصحيفة (هآرتس) بعد يومين من سقوط النظام في سورية: "يُمكن التفكير في مبادرة شجاعة في مقابل سورية الجديدة، فمن هذه اللحظة، بدأ الإيرانيون والروس والأتراك والأميركيون يحاولون الحصول على تأثير في النظام. ما المانع من مفاجأة الجولاني بدعوته إلى زيارة القدس ، وضِمنها الصلاة في الأقصى، بصورة شبيهة بزيارة أنور السادات (ملاحظة من عندنا: محاولاً استنساخ مرحلة لا يُمكن تكرارها 1977، ويرفضها الشعب السوري الحريص على قضية فلسطين منذ قيام المشروع الصهيوني قبل العام 1948 وحتى الآن)..."؟
لذلك يبدو ما يطرحه (آفي شيلون) أعلاه، خيالياً، لكن وعلى حد قوله "هذا يُمكن أن يكون مبادرة أهم من زيارة السادات". الذي أضاف : و "إذا وافق الجولاني، فيمكن أن تكون هذه الزيارة إشارة مصالحة مع العالم الإسرائيلي أهم من زيارة السادات".
نحن : فلسطين وسورية
فلسطينياً، نحترم ونقدر أماني ورغبات الشعب السوري الشقيق التوءم السياسي لشعبنا، وسورية العربية، كانت ومازالت بالنسبة لنا كفلسطينيين، ليست بلداً شقيقاً فحسب، بل نحن جزء منها وهي جزء منّا، فنحن أبناء سورية الطبيعية، وفلسطين كانت على الدوام إقليماً منها حتى وقوع نكبتنا الكبرى عام 1948.
إنَّ سورية تًعُبر الآن مرحلة حساسة من تاريخها المُعاصر لمرحلة تالية، نتمنى لها ولشعبها ولنا وللجميع السلامة والتوفيق، والانتقال السلس لمواقع القرار ضمن مؤسسات حقيقية، الانتقال الذي يحفظ البلاد والعباد بروح المواطنة الحقة والقائمة والتي يجب أن يتمتع بها كل إنسان في البلد، والسير نحو تعددية، ودون إقصاء لأحد وبحيث يتم حفظ حقوق الجميع في وطنٍ واحد وموحد.
إنها سورية الحالية، التي لجأ إليها جزء من شعبنا من إقليمها الفلسطيني، عام النكبة، فكان الشعب السوري الحضن الدافئ لشعبنا اللاجئ (نحو 90 الف لاجئ في حينها)، حيث عشنا ومازلنا في سورية كأبناء وطن واحد هو سورية الطبيعية.
فلسطين التي قال عنها، وفيها، الرئيس السوري الأول المرحوم شكري القوتلي المنتخب بعيد الاستقلال عام 1946 وكان هذا قبل وقوع النكبة المرحوم شكري القوتلي، وفي الخطاب الرئاسي السوري الأول :
(إنَّ فلسطين جزء لا يتجزأ من بلادنا، وهي عربية، وستبقى عربية، ولو أطبقت علها شعوب الأرض قاطبة، وستبقى قضيتنا باستمرار)
إننا كفلسطينيين، كلنا أمل وتفاؤل أن تكون المرحلة الانتقالية في سورية، سلسلة دون إغراق البلد بقضايا تطيح بالجوهري منها، مرحلة سلسة تحمي البلاد والعباد، ودون تفتيح أو نكء للجراح، بل في العمل على سيادة منطق التسامح بين الجميع، إلاّ من يمسهم القانون نتيجة ارتكابهم الآثام بحق الآخرين من قتل وتعذيب وإبادة، وهذا متروك للعدالة المفتوحة وبشفافية، ومُعلنة أمام الرأي العام، حتى لا يقع الظلم بحق أحد.
إننا كفلسطينيين، ولاجئين في سورية وطننا الثاني، والذين أصابتنا وبشكلٍ هائل في المحنة السورية، من خلال الدمار الذي حلَّ بنا وسقوط أعداد كبيرة من الشهداء الفلسطينيين والمفقودين حتى الآن، كان مخيم اليرموك المثال الساطع على مدينة دُمرت بأكملها، ودفعنا الأثمان الباهظة.
السلامة لسورية، للشعب السوري، ولشعبنا البطل في فلسطين خاصة قطاع غزة، وشعبنا اللاجئ في سورية، الذي اكتوى ودفع أثماناً باهظة، رغم مواقفه النبيلة.
السلامة لسورية، لشعبها، لفجرها الآتي، للقادم الجميل الذي ينتظرها، لحرية ترابها وأرضها ولتحرير الجولان السوري المحتل، حيث بدأ الاحتلال بالتقدم إلى مسافات جديدة من أرض سورية واحتلالها وخاصة في مربع مدينة القنيطرة.
واليوم يعود ملايين اللاجئين السوريين إلى بيوتهم حتى المدمرة، وهم يرددون: "لن تعود سورية إلى الوراء أبداً". فالدرس القاسي والكبير كان ثمنه أكثر من مليون شهيد سوري، من بينهم نحو خمسة عشرة ألف شهيد ومفقود (فلسطيني سوري). ودمار معظم المخيمات خاصة مخيم اليرموك عاصمة الشتات الفلسطيني وعنوان حق العودة.

