Menu

أبو أحمد فؤاد نصف قرن من الرفقة والصداقة

عدنان بدر حلو

نشرت في مجلة الهدف العدد (67) (1540)


أبو أحمد بالنسبة لي ليس مجرد مناضل أفنى عمره في خدمة القضية الفلسطينية، ولا ذلك القائد العسكري الميداني ثم السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، بل هو بالإضافة لذلك، الرفيق والصديق العزيز على امتداد أكثر من نصف قرن.

اللقاء الأول كان في منطقة العرقوب بجنوب لبنان.

كان ذلك في عام 1970حيث قمنا مع الرفيق غسان كنفاني بزيارة قواعد الجبهة في منطقة الحدود اللبنانية الفلسطينية، فاستقبلنا الرفيق أبو أحمد بابتسامته المليئة بالطيب والمودة. وبعد أن قضينا وقتاً أطلعنا فيه على أوضاع القاعدة والرفاق المقاتلين، رتب لنا جولة على القواعد الفدائية المنتشرة في تلك المنطقة التي كانت تعرف بـ (فتح لاند).

ثم تكررت لقاءاتنا سواء في زيارات أخرى للقطاع العسكري أم في زيارات أبو أحمد لبيروت حيث كان يمر علينا في مجلة (الهدف). وفي كثير من الأحيان كانت مهماته تستدعي منه المبيت في العاصمة فنمضي السهرة برفقته لدى الرفيقين العزيزين ملوح وبسام أبو شريف وغيرهما من الرفاق والأصدقاء.

ثم ازدادت لقاءاتنا بعد انتقاله إلى المكتب العسكري للجبهة في العاصمة. وأذكر هنا أنه عندما تعرض الرفيق بسام لمحاولة الاغتيال الإسرائيلية عام 1972 (بعد اغتيال غسان بأقل من أسبوعين) واحتاج في مستشفى المقاصد لكمية كبيرة من الدم، قام الرفيق أبو أحمد على رأس مجموعة من الرفاق المقاتلين بالتبرع بكل ما لزم من دمائهم وكان لتلك المبادرة دور أساس في إنقاذ حياته.

وأذكر أيضاً أنه عندما قامت منظمة "الصاعقة" التابعة للنظام السوري باقتحام صحيفتي "المحرر" و"بيروت" عام 1975، وأنقذتني مغادرتي المبكرة من الاغتيال الذي كان من أهداف تلك العملية التي قضى فيها عدد من الزملاء والعاملين في الصحيفتين، واتصلت هاتفياً بالرفيق أبو أحمد فور معرفتي بالحادثة، فطلب مني الانتقال على الفور إلى مكتبه في مخيم شاتيلا وأرسل معي سيارة مرافقة عليها "دوشكا" مع عدد من الرفاق المقاتلين إلى مكتب "بيروت" الذي كان المهاجمون قد غادروه قبل قليل.

وأذكر أيضاً وأيضاً أن الرفيق الدكتور جورج حبش قد دعاني ربيع 1975 لمرافقته في جولة على القواعد العسكرية للجبهة من أجل مناقشة مشروع "الفكر العسكري للجبهة الشعبية" مع الرفاق المقاتلين في تلك القواعد، وكنا خلال تلك الجولة التي دامت أربعة أيام في رفقة وضيافة الرفيق أبو أحمد.

وخلال تلك الجولة التي حصلت في فترة اقتحام القوات السورية للأراضي اللبنانية، كلفني الحكيم بالخروج من لبنان للتواصل مع قادة المعارضة السورية. ثم تعذر علي الرجوع إلى لبنان بعد اكتمال السيطرة الأسدية عليه. فأمضيت أربع سنوات في العراق ثم غادرت إلى فرنسا. وعندما عدت إلى سورية عام 2004 تجددت اتصالاتي مع الجبهة حيث اللقاءات المتكررة مع الحكيم وأبو أحمد في مكتب الجبهة بدمشق.

كنت قد انتهيت من كتابة "مطار الثورة... في ظل غسان كنفاني" وقدمت للحكيم نسخة بخط اليد للاطلاع، فاستدعى السكرتيرة وأعطاها المخطوطة لطباعة نسخة منها على الآلة الكاتبة. ومضت الأيام والأشهر دون أن يفاتحني الحكيم بالأمر، فاقتنعت بأنه ربما يكون هناك اعتراض ما على الموضوع، لأفاجأ بعد وفاة الحكيم بفترة غير قصيرة باتصال هاتفي من الرفيق أبو أحمد، يسألني بلهفة عما هي قصة هذا المخطوط الذي وجده في درج السكرتيرة.. فاستغرب أنه كتابي الذي كنت قد أعطيته للحكيم. وعندما سأل السكرتيرة عن الموضوع تبين أنها لم تنسخه ولم تعده للحكيم مدعية أنه لم يكن لديها في حينه ورق كاف لطباعته.

أبدى أبو أحمد إعجابه الشديد بالكتاب متأسفاً على عدم اطلاع الحكيم عليه، وعرض علي موضوع طباعته ونشره. وهكذا كان فتم نشره وتوزيعه عن دار كنعان دون أن يمر على رقابة وزارة الإعلام، رغم أن فيه تناولات سلبية للنظام الأسدي.

واستمر التواصل واللقاءات بيننا على امتداد تلك الفترة فكان منها دعوتي من قبل الرفيق أبو أحمد عام 2009 لإلقاء محاضرة في مخيم النيرب عن الشهيد غسان كنفاني، ثم إلقاء المحاضرة نفسها في مخيم خان الشيح.

طبعاً كانت علاقتنا العائلية تزداد توطداً على امتداد هذه الفترة فكان يزورنا في كل صيف في بلدتنا مشتى الحلو أحياناً مع العائلة، وأحياناً مع بعض الرفاق.. والصيف الوحيد الذي أخل فيه بهذا الموعد السنوي كان الصيف الماضي بسبب المرض.

فكان آخر لقاء لنا في صيف 2023 وكانت فيه هذه الصورة المرفقة في بستاننا.

ألف رحمة على روحه الطيبة. وأحر التعازي لعائلته الكريمة ولجميع رفاقه في الجبهة الشعبية.